Menu

البوصلة الفلسطينية!؟

أنور الخطيب

هل موت شادي نوفل في معتقلات حركة حماس في غزة يبرر موت نزار بنات في معتقلات السلطة الفلسطينية؟! 
قبل المضي في الحديث لا بد من الإشارة إلى أن وجود معتقلات على أراضٍ يحارب أهلها ضد استعمار إستيطاني كالعدو الإسرائيلي، يجلب العار والخزي على الطرفين، لا سيّما إذا كانت تضم معتقلي رأي، الأمر الذي يزيد المشهد قذارة وبؤساً. 
منذ استشهاد نزار بنات ( قد يعترض البعض على الوصف)، وأنا أتابع السجال السريالي في تخلّفه، والتصريحات الغرائبية من الطرفين؛ الطرف الذي تسبب بمقتل نزار والطرف الذي استغل موته، وهو نزاع لفظي لا يقوم به سوى جهلة لا يعلمون أن لدى المجتمع الفلسطيني مثقفين وإعلاميين ومبدعين، ويتحدثون كأنهم وحدهم في الساحة ومن يسمعهم خراف وأمّيون، فلا دراسة للتصريح ولا للمصطلح ولا لمآلاته ولا لآثاره على معنويات الشعب الفلسطيني، أو الشعوب الفلسطينية (شعب فتح وشعب حماس وشعب الجبهة وشعب الديمقراطية إلخ). وهذا يدل على غياب المنهجية والتنسيق بين أبناء الشعب الواحد/ الحركة الواحدة/. 
إن السياسة التي اتُّبعت للتجييش، والتي كانت من بينها بيانات وتصريحات معلومة المصدر أو مجهولة، وحوارات على الواتس آب ونشر صور، واضحة أكثر مما يجب بأنها عمل استخباري مكشوف ومفضوح، فالنساء اللواتي تطعنون بشرفهن، أيها الغيورون، فلسطينيات، والجهات العريضة التي تخونونها فلسطينية، فإذا جمعنا تهم الخيانة من دون التمحيص فيها، ومن الطرفين، سنجد أن 90% من الشعب الفلسطيني خائناً ومأجوراً وصهيونيا وعميلا، فشعب فتح يخوّن شعب حماس، والعكس صحيح، فهل يصح هذا يا أصحاب الشهامة والغيرة على تنظيماتكم.
إن الممارسات التي تتبعونها والسياسات التي تنتهجونها في أروقة الأجهزة الأمنية لدى الطرفين، يجب أن يعاد النظر فيها، ويجب أن تضعوا في الحسبنان أنكم تتعاملون مع شعبكم وليس عدوكم، حتى لو خالفكم أحد في الرأي، لأن الاختلاف ظاهرة صحية، حتى لو وجه لكم أحد انتقاداً قاسيا، يجب أن تشكروه وتكرّموه لأنه يهديكم عيوبكم، ويقوّم اعوجاجكم، إلا إذا أعتبرتم أنفسكم معصومين!!
لم يكشف الفلسطينيون عن عمق خلافاتهم في أي وقت أكثر من المرحلة الحالية، خلافات في الإستراتيجية والتكتيك والأهداف والغايات والانتماءات والتحالفات، ما يدل على أن الخلاف جذري، وكل المفاوضات التي تمت في داخل فلسطين أو في مصر أو في قطر، من أجل المصالحة بين حركتي فتح وحماس، كانت شكلية ومضيعة للوقت، والدليل ما يحدث اليوم من مهاترات ومزايدات مخزية لا تجعل أي طرف وطنياً أكثر من الآخر، بل تكشف عورات الجميع، فطرف يتهم الآخر بأنه إيراني، وطرف يتهم الآخر بأنه خليجي أو إماراتي على وجه الدقة، وطرف يتهم الآخر بأنه صهيوني وأمريكي، ولو كانت هذه الاتهامات ترقى إلى الخيانة العظمى سنجد الجميع في قفص اتهام واحد، فالثورة الفلسطينية منذ نشأتها وهي تتكون من 13 تنظيما، تمولها السعودية والكويت وسوريا وليبيا ومصر والعراق، وبعض التنظيمات سمح لنفسه ليكون أداة لمن يدفع أكثر وينفذ عمليات إستخبارية شملت الاغتيالات والسحل والخطف، ومنذ أكثر من خمسين عاما والتنظيمات الفلسطينية متعددة الولاءات والانتماءات، وقد صدق أحدهم حين وصف ممثلي هذه التنظيمات في منظمة التحرير الفلسطينية بأنهم سفراء للدول العربية وغيرها لدى المنظمة، وللتوضيح أكثر، كان ذلك التمويل المسمار الأول الذي دُق في نعش الثورة الفلسطينية، لأنه ولأول مرة تكون منظمة ثورية أو حركة تحررية لديها ميزانيات أكبر من ميزانيات دول، من هناك بدأ الخراب وتحولت وتحول الشعار من ثورة حتى النصر إلى ثورة حتى آخر الشهر، وهو ما يحدث حاليا، بل ويتم تهديد كل من لا ينصاع لأوامر تنظيمه بوقف راتبه، هكذا حوّلوا الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج إلى مجموعة مرتزقة تنتظر دولار آخر الشهر، ولا يستهجننّ أحد هذا الوصف.. 
لا مبالغة في القول إن ثراء التنظيمات أدى إلى فشلها ثم هزيمتها، والكارثة الأكبر أنها لم تتعظ ولم تراجع حساباتها أو سياساتها، وظلت تقف على أبواب الدول حتى اليوم، فلا حاجة للسؤال إذن، لماذا الفلسطينيون منقسمون على أنفسهم، ولماذا لم تنجح ثورتهم، ولماذا آل بهم الحال إلى القبول بالتعايش والتنسيق مع العدو أو اقتراح هدنة عليه لمدة عشرين عاما. 
جميعكم أيها السادة مكشوفون، قراركم ليس لكم، لستم صانعي قراركم، قراركم ليس وطنياً، والسبب بسيط جدا؛ لأنكم ركنتم لحياة الرفاهية وبدأتم بكنز الأموال، وتنازلتم عن خيار البندقية، وجعلتم الولايات المتحدة الأمريكية وسيط سلام وراعية له، بعد أن كانت أمبريالية وإستعمارية. لم نعد نسمع بعبارة الكفاح المسلح، ولا بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، لم يعد من يعترف بالعدو الصهيوني خائنا، صرتم تتحدثون بالمنطقة أ والمنطقة ب، بل صرتم ترسلون أبناءكم للعمل في بناء المستوطنات الإسرائيلية، وحولتم انتماءكم ليكون لتنظيم عالمي عقائدي، ووزعتم البقلاوة حين فاز بالرئاسة، أي خراب في البوصلة هذا؟ 
أنتم الآن دولتان بوليسيتان، سجونكم مليئة بسجناء الرأي، تولون اهتماما لتعزيز مؤسساتكم الأمنية أكثر من تطوير مناهجكم التعليمية، تفضلون بناء القصور على بناء المصانع، تسعون للتفرقة أكثر من سعيكم للوحدة، جعلتم وطنَيكم بيئتين طاردتين للشباب الطموح، تنظرون إلى عشرات آلاف الشباب العاطلين عن العمل بصمت دون إحساس بالوجع أو الذنب، أما مؤسساتكم فتعاني من البطالة المقنّعة، أتباعكم يتسلمون المراكز والوظائف، أما الإنسان المستقل ضائع بين ضفة وقطاع، بين فتح وحماس، ويواجه يوميا تُهم الزندقة والانشقاق وعدم الوطنية وغيرها من التهم الجاهزة، فأي خراب لحق بوصلتكم. 
لا بد من وقف التراشق اللفظي والمزايدات الوطنية، للحفاظ على ماء وجوهكم على الأقل، لئلا تُفتح بيوت الدبابير، فبيوتكم من زجاج، فلا ترموا الآخرين بالحجارة، ورحم الله نزار بنات ورحم الله شادي نوفل،، وأعان الله كاظمي الغيظ..