يباغت الحراك الثوري، في الأرض المحتلة من جديد، جنرالات تل أبيب. ويبدو واضحا أن السيطرة على زمام الاشتباك قد بات مستحيلا لا ديمغرافيا ولا جغرافيا.
انتفاضات القدس المتتالية، خلال الأعوام التي خلت ظلّت حبيسة الحواجز العسكرية، من دون تأثير ظاهري على فلسطين ما وراء الحاجز. وباستثناء اشتباكات متقطعة هنا أو هناك في أرجاء المدينة، بدا أن المقدسيين كانوا متروكين لمصائرهم أمام الاحتلال. وهو ما دفع إسرائيل، مؤخرا، إلى تحويل الأحياء الفلسطينية المقدسية إلى معازل تحاكي الغيتوهات. في رد ميكانيكي آخر يهدف إلى محاولة عزل الاشتباك وتقليص نقاطه.
يبدو أنه يلزم طرفين لخلق غيتو. مُحيط يسكت وطرف يُحاصِر. والمعادلة اختلّت اليوم: فكل ما هو حول حواجز الاشتباك اشتباك. ولم يعد يفيد حبس النار في زجاجة ما دامت النار قد شبّت في كل المحيط. وكل هذا يحيل الحواجز على بوابات أحياء وقرى القدس إلى مجرد تشكيل سوريالي من الكونكريت. إذ ما فائدة حبس النار إذا امتد لهيبها إلى كل الجهات؟
امتداد حلقة الاشتباك إلى ما بعد بئر السبع (أي إلى القرى غير المعترف بها في النقب)، وانخراط سكانها المتزايد في الهبّات المختلفة، وسقوط شهداء في النقب على مرّ الأعوام السابقة قد خلقا حالة من التشابك بين نضالات سكان فلسطين التاريخية. واليوم، إذ يعزز شهيد النقب، مهند العقبي، بضريبة الدم، الحراك الثوري في فلسطين، فإنه يحطّم مسلمّات كنّا نظنها قد رسخت. خذوا عندكم هذه الحادثة، مثلا:
وزارة الصحة الفلسطينية التابعة للحكم الذاتي أعلنت هذا الصباح أن عدد شهداء الانتفاضة الفلسطينيين، قد ارتفع باستشهاد العقبي، إلى 46.
سقط سهوا أم لا؟ متحدث رسمي باسم وزارة نبتت تحت ظل أوسلو، ينتهك أوسلو انتهاكا فاضحا. ويعلن ضم أهلنا في النقب إلى الشعب الفلسطيني (بعد أن عرّفتهم أوسلو كإسرائيليين) .. طيب.. هنالك جهات سيادية تمنح الجنسية الفلسطينية لجورج وسوف وفضل شاكر، وهنالك فلسطينيون ينتزعون اعترافا بفلسطينيتهم رغما عن قيود الاتفاقيات. هنالك دم ساطع يكتب ما هو أهم من هذه الاتفاقيات وما هو أوضح من حبرها. لقد وحّد العقبي المنتفضين جميعا خلف الشاشات في كل فلسطين التاريخية وهم ينظرون بانبهار إلى سطوع الدم وانتصاره على الإم 16 في ليلة الأمس القدريّة.
العقبي هو من جيل النضالات التي اشتعلت ضد هدم العراقيب، وضد اقتحام وتدنيس المقدسات، هو ابن الحراك الجماهيري المهيب الذي شبّ في النقب دفاعا عن غزة أثناء حروب إسرائيل، وهو ابن حراك برافر. ويبدو أن فلسطين الواحدة الموحّدة، بعد عقدين من انتهاك أوسلو للهوية الجمعية الفلسطينية وتشتيتها، تنصهر الآن من جديد في وعي الجيل الطالع رغم قصف الوعي الذي يمارس ضدها.
لنقتبس من رواية أم سعد، للشهيد غسان كنفاني سطرا واحدا يلخّص كل ما سبق :
"برعمت الدالية يا ابن العم، برعمت !"

