بينما كان الفلسطينيون في غزة يلملمون جراحاتهم ويتفقدون آثار العدوان الصهيوني عليهم، وفيما كان قطعان المستوطنين يجوبون شوارع القدس ويتجمعون عند باب العمود في ما يسمى بـ"مسيرة الأعلام"؛ مطلقين السباب والشتائم ضد العرب ومنهم الخليجيين ويسيئون للنبي محمد، في هذا الوقت انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تسجيلات بالصوت والصورة لمسؤولين خليجيين وهم يقدمون شكرهم لرئيس الوزراء الصهيوني السابق مجرم الحرب بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته جابي اشكنازي، في خطوة شكلت استفزازًا كبيرًا لمشاعر المواطنين الخليجيين المؤمنين بعدالة قضيتهم القومية وبوقوفهم المبدئي والصادق في الجانب الصحيح من التاريخ؛ بدعم الحق الفلسطيني في التحرر من الاحتلال الصهيوني وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية المستقلة وعاصمتها القدس.
إن المواطن الخليجي لم يقع في فخ التطبيع، ولم تنطلِ عليه أوهام التسوية وصفقة القرن التي سقطت بفضل الدماء الفلسطينية التي سُفِكت والموقف الشجاع لفصائل العمل الوطني الفلسطيني؛ الرافض والمناهض لهذه الصفقة التي كان يراد منها تمرير أكبر جريمة ضد الشعب الفلسطيني بعد النكبة بتخطيط أمريكي-صهيوني وبآليات عربية خليجية؛ استهجنها الشارع العربي في عمومه والخليجي على وجه الخصوص. وإذا كان موقف المواطن الخليجي بهذا الوضوح، فما الذي حصل للموقف الرسمي إزاء القضية الفلسطينية؟ ولماذا كان الصوت الرسمي عاليًا في توديع ومدح نتنياهو الخاسر في الانتخابات الأخيرة، بينما كان نفس الصوت؛ خافتًا وغائبًا في أغلب الأحيان إزاء جرائمه التي ارتكبها وآخرها في غزة وباب العمود والشيخ جراح واللد وأم الفحم وغيرها من المدن الفلسطينية وقراها، حيث سفك الدم مرة أخرى؟
لم تكن انعطافة بعض الدول الخليجية بنقل البندقية من الكتف الملتزم بالقضية الفلسطينية، ولو في حده الأدنى، إلى الكتف المضاد لها وليدة الساعة، بل هي انعطافة نوعية سبقتها تراكمات في عملية التحول بدأت منذ عقود طويلة.
بعد نكبة العام 1948؛ فتحت الدول الخليجية بلدانها للاجئين الفلسطينيين؛ فقدم هؤلاء ثمرة خبراتهم في أعمالهم لبلدان لم تكن الدولة الحديثة قد تشكلت فيها بعد، حيث كان الانتداب والاستعمار ما يزال مطبقاً عليها، ويكاد مستوى التنمية والتطور لا يذكر بعد سنوات قليلة من اكتشاف النفط وسيطرة الشركات الغربية على إنتاجه وتسويقه وعائداته. كان الفلسطينيون يحرثون في أراضي خليجية صعبة، لكنهم قدموا جل وقتهم وتجاربهم التي يسجلها الخليجيون لهم بأحرف من نور. وبعد نكسة حزيران 1967 كانت الموجة الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين الذين أجبروا على الرحيل من فلسطين إثر هزيمة الانظمة العربية واحتلال كل فلسطين وأراض عربية أخرى وتواطؤ بعض هذه الأنظمة مع الاحتلال، مما خلق أوضاعًا جديدة للواقع العربي المأزوم. ومع الطفرة النفطية الأولى التي أعقبت حرب أكتوبر 1973، كانت كل الدول الخليجية قد استقلت وانسحبت القوات البريطانية من البحرين وقطر والإمارات وسلطنة عُمان، وبدأت الدولة الحديثة تتشكل جنبًا إلى جنب مع تضاعف عائدات النفط ما نقل بلدان الخليج من واقع مزري إلى تشييد البنى التحتية الحديثة التي كانت تحتاج للمزيد من الأيدي العاملة؛ من خارج هذه البلدان التي كانت تعاني من قلة عدد السكان أمام برامج التنمية العملاقة والعائدات الفلكية التي هطلت من عائدات النفط؛ فكان الخيار الخاطئ الأول لهذه الدول تمثل في الاتجاه نحو جنوب شرق آسيا على حساب الاعتماد على الأيدي العاملة العربية من مصر وسوريا وفلسطين والأردن ولبنان ودول المغرب العربي، ما قاد إلى بدء التغيرات الديمغرافية في إمارات الخليج العربي التي دخلت في الطفرة النفطية الثانية بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، ما زاد من الاعتماد على العمالة الآسيوية القادمة، خصوصًا من الهند والباكستان وبنغلادش والفلبين، بينما كانت الأيدي العاملة العربية تشكل أقليات في تلك البلدان ومنها الأيدي العاملة الفلسطينية. ومع استمرار تدفق العمالة الآسيوية؛ شعر مواطنوا الخليج العربي بالخطر الديمغرافي، خصوصًا بفقدان أربع دول من الدول الست الأغلبية في بلدانها، حيث يشكل الوافدون أكثرية في كل من الإمارات وقطر والكويت والبحرين، ويشكلون نسب كبيرة في كل من السعودية وعمان، هذا التغير الخطير في التركيبة السكانية الخليجية لصالح الوافدين؛ أسهم بشكل كبير في انصراف أولويات الحكومات الخليجية إلى أماكن أخرى غير الاهتمامات والاولويات العربية، خصوصًا مع زيادة تدخلات الدول المصدرة للعمالة من جهة، والضغوطات التي تمارسها الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى. ومع بدء الاختراقات في الموقف العربي الذي كان فاقعًا في صيف العام 1990 باجتياح القوات العراقية للكويت وما تلاه من اقتناص واشنطن الفرصة وفرض مؤتمر مدريد عام 1991 ومن ثم استفراد الكيان الصهيوني بالدول العربية؛ عبر فرض المفاوضات الثنائية التي أنتجت اتفاق أوسلو في 1993 واتفاقية وادي عربة بعدها بعام؛ تمكن الكيان ومن وراءه الإدارات الأمريكية المتعاقبة من السيطرة على الموقف واستلام زمام المبادرة.
طوال تلك العقود؛ أعلنت الدول الخليجية عن التزامها بتعهداتها بتقديم مساعدات مالية للجانب الفلسطيني، وكان أوجه في حرب أكتوبر 1973 عندما فرضت الدول الخليجية؛ نسب من مداخيل بعض القطاعات لصالح المجهود الحربي ضد الكيان كالبحرين التي خصصت طابعًا بريديًا للمجهود الحربي على كل رسالة تخرج من البلاد ويخصص ريعه للقضية الفلسطينية، لكن هذه الخطوة توقفت كما توقفت الكثير من الخطوات على صعيد البحرين والدول الخليجية الأخرى ومنها إلغاء وإغلاق مكتب مقاطعة إسرائيل الذي قررته الجامعة العربية في العام 1963. إن مسألة المقاطعة سلاح مفصلي لا ينحصر في الجانب الاقتصادي والمالي فحسب، بل يمتد إلى الجانب السياسي المؤثر في مسار الأحداث؛ ففي تقرير صدر العام 2009 عن مركز الكونغرس الأمريكي للأبحاث وجرى التركيز فيه على المقاطعة العربية للكيان الصهيوني والدور الامريكي في كسرها وانهائها عبر التطبيع العلني واقامة العلاقات الاقتصادية والتجارية بجانب العلاقات الدبلوماسية.
أنتجت التحركات الأمريكية ما سمي بـ"مبادرة السلام العربية" التي تقدمت بها السعودية وأقرتها القمة العربية ببيروت 2002، بيد أن هذه المبادرة صاحبة شعار "الأرض مقابل السلام"؛ داستها الأقدام الهمجية الصهيونية وتجاوزتها وذهبت بها مباشرة إلى اختراق الصف العربي وأطلقت "الاتفاقات الإبراهيمية" التي وقعت بين الكيان الصهيوني من جهة، وبين كل من الإمارات والبحرين برعاية أمريكية، من جهة أخرى. ونظرًا لما يشكله الجانب المالي من أهمية كبيرة في تضميد الجراح وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، فقد سعى مستشار الأمن القومي السابق جاريد كوشنر لفرض حصار قاسٍ على الشعب الفلسطيني؛ فطلب من الدول الخليجية والعربية ايقاف كافة أشكال الدعومات المالية، وقد تجاوبت بعض دول الخليج مع هذا الطلب الذي يعتبر الأكثر حضورًا في العلاقة الفلسطينية الخليجية.
حسب العديد من المصادر؛ تلقت السلطة الفلسطينية أكثر من 18 مليار دولار منذ تأسيسها قبل 27 عامًا، كالتزام من المجتمع العربي والدولي تجاه الفلسطينيين، إلا أن أغلب هذا الدعم توقف، بما فيه ما تم إقراره في القمة العربية التي عقدت بالكويت عام 2010 التي قررت تقديم دعم مالي قدره 100 مليون دولار شهريًا لمواجهة الضغوط التي تتعرض لها القضية الفلسطينية. لقد سعت الإدارة الأمريكية إلى لّي عنق الفلسطينيين حتى يوقعوا على صفقة القرن التصفوية، وحين رفضوا تضاعفت الضغوط عليهم، خصوصًا من الدول العربية التي كانت تدفع لهم مما عقد الموقف أكثر.
من نافلة القول: أن السعودية تتصدر قائمة الدول العربية المانحة للسلطة الفلسطينية، منذ تأسيسها في عام 1993 بقيمة 3.2 مليار دولار؛ تليها الإمارات بمبلغ 937 مليون دولار؛ فالجزائر 800 مليون دولار، والكويت 485 مليون دولار، وقطر 225 مليون دولار، و العراق 108 ملايين دولار، بينما تفيد معلومات أخرى بأن السعودية قدمت أكثر من 6 مليارات دولار خلال الفترة من 2000 الى 2018؛ توزعت بين مساعدات إنسانية ومجتمعية وتنموية، وفق تصريح المستشار بالديوان الملكي السعودي حينها؛ المشرف على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية عبدالله بن عبدالعزيز الربيعة.
اللافت في الأمر، أن السنوات الأربع التي أمضاها دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية هي السنوات التي ابتعدت فيها الدول الخليجية أكثر عن القضية الفلسطينية -باستثناء الكويت-، سواء فيما يتعلق بالدعم المالي أو الجانب السياسي الذي برز في الاتفاقيات الموقعة بين دولتين خليجيتين وبين الكيان وسط دعم وتشجيع وضغط أمريكي للمزيد من الابتعاد عن الفلسطينيين، وقد تجلت بعض التصريحات الأخيرة لتبدو وكأنها تشمت في الدم الفلسطيني الذي سفكه مجرم الحرب بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته وحكومتهما والجيش الذي سقطت هيبته ببضعة صواريخ انطلقت من قطاع غزة وتطلب ايقافها اطلاقها تحريك العواصم الكبرى في العالم.
إن التوتر في علاقات حكومات الخليج العربي مع الجانب الفلسطيني جعل أمر ترميمها؛ مطلبًا شعبيًا خليجيًا؛ غير قابل للتأجيل، خصوصًا في ظل إمعان وغلو الكيان الصهيوني الاستمرار في ارتكاب مجازره التي لا تتوقف، ودعم الإدارة الأمريكية المطلق لهذا الانزلاق نحو الفاشية بسرعة جنونية.

