كاتبٌ سياسيٌّ فلسطيني/ تركيا
أثارت السياسةُ الجديدةُ لتركيا إزاءَ جماعةِ الإخوان المسلمين والإجراءاتِ الأخيرة بحقّ بعضهم، مثال: (سحب الجنسية، ورفع الرعاية عن اجتماعات الجماعة داخل تركيا، وإلغاء حماية المنصات الإعلامية...إلخ)، أثارت تلك التوجّهاتُ نقاشًا واسعًا في أوساط النخبِ التركية، وعدَّ بعضٌ أن السياسةَ الجديدةَ مع جماعةِ الإخوان المسلمين، لا تغيّر سوى القليلِ من الروابطِ التركيّة مع محيطها العربي، وأن الانخراطَ التركيَّ الكاملَ في الشؤون العربيّة – الإسلاميّة الرسميّة لا يفترض قطعَ العلاقة بالمطلق مع هذه الجماعة.. بينما رأى بعضٌ آخر أن التحوّلاتِ في السّياسة الخارجيّة التركيّة العائدة إلى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، والمتعلّقة بالقاعدة الرئيسيّة لمرحلة "ما بعد العثمانيّة"، وجدت ما يوازيها من الانفتاحِ المتزايدِ على الحوار الإقليميّ الشرقيّ والاهتمامِ بشؤونِه، وكانت الحجّةُ الأساسيّة لهذا المنحى في التفكيرِ الجيوسياسيّ، بأنّ انتفاضاتِ "الربيع العربي" أفضت إلى تحوّلاتٍ دراماتيكيّةٍ في الشرق الأوسط، ودفعت تركيا لتنويع توجّهاتها وتحالفاتِها في المنطقة.
وإذا كان السّجالُ لم يأتِ بتقويمٍ حاسمٍ للدور التركيّ في المجال العربيّ، فلا يمكن لأحدٍ أن ينكرَ أنّ وصولَ حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة وحرصَهُ على التمسّك بها، قد عجّل بإعادةِ تموضعِ تركيا حولَ محيطِها الجيوسياسي الشرقيّ، حيث كان التعبيرُ المبكرُ والأكثرُ إثارةً للجدل، هو رفضُ البرلمان التركيّ السماحَ للقواتِ الأمريكيّة باتّخاذ منطقةِ جنوب شرق الأناضول منصةً لاجتياحِ العراق عام 2003، كما أن تصعيدَ الضغوط ضدَّ الاستيطان والاحتلال الإسرائيليّ للأراضي الفلسطينيّة، ومن أجلِ فكِّ الحصارِ المضروبِ على قطاعِ غزّة، والتزامِ الدفاعِ عن حقوقِ الشعب الفلسطينيّ وحقهِ في العودةِ وتقريرِ المصير ، فضلًا عن نسجِ علاقاتٍ مميّزةٍ مع المقاومةِ الفلسطينيّة، تندرج كلها في عمليّةِ إعادةِ توجيهٍ للسياسة التركيّة، فالهجومُ الإسرائيلي على أسطول التضامنِ مع غزّة كان نقطةَ تحوّلٍ في علاقةٍ ملتبسةٍ أخذت بالتدهور بين "تركيا وإسرائيل" على خلفيّة الحروب العدوانيّة المتكرّرة على قطاعِ غزّة في أعوام " 2008 ، 2012 ، 2014 ، 2021 " وجاء قرارُ طرد السفير الإسرائيليّ من أنقرة، ثم إعلانُ حكومة أردوغان الاستعدادَ لتعزيزِ الوجود البحري في حوضِ شرقي المتوسط؛ ليظهرَ طموحُ تركيا في السباق على الزعامة الإقليميّة من البوّابة الفلسطينيّة والعربيّة.
من الضروري التذكيرُ بأنّ عمليةَ إعادةِ التوازن إلى السياسةِ الخارجية التركيّة الأحادية الجانب الموروثةِ من الرؤية الكماليّة، أطلقها الرئيسُ التركي المؤمنُ بأنّ لتركيا رسالتين: الأولى آسيويّةٌ والثانيّة أوربيّة، وذلك نظرًا لفرادةِ موقعها الجيو استراتيجي على ملتقى القارتين الآسيويّة والأوروبيّة، وإلى قدرتها كقوّةٍ محوريّة، الأمرُ الذي يؤهّل تركيّا – حسب أردوغان – للاضطلاعِ بدور الجسرِ بين القارتين، والتوسّط لحلّ النزاعات والمشكلات المزمنة في منطقة الشرق الأوسط. وهكذا سنرى أنّه عندما تولّى حزبَ العدالةِ والتنمية الإسلامي المنشأ زمام الحكم في تشرين الثاني 2002، شرعت السلطةُ الجديدة في انتهاج دبلوماسيّةٍ نشطةٍ تتّخذ مبادراتٍ إيجابيّةً تجاه معظم الدول العربيّة على مستوياتٍ عدّة، اقتصاديّة، وسياسيّة، وثقافيّة، مستفيدةً من تراجعِ الهيمنةِ الأمريكيّة، ومن ضعفِ التأثيرِ الأوربيّ في المنطقة.
العلاقاتُ التركيّة – الإسرائيلية
استمرت العلاقةُ التركيّة – الإسرائيلية ترزحُ أعوامًا تحت وطأةِ التداعيات التي أنتجها العدوانُ الإسرائيلي على أسطول التضامنِ الدولي عامَ 2010، إلى أن نجحت الجهودُ الأمريكيّة بالتوصّل إلى تسويةٍ بين الطرفين وقَبول "إسرائيل" مطلب تقديمِ اعتذار، وتقديم تعويضات إلى ذوي الضحايا الأتراك "التسعة" الذين سقطوا في الهجوم الإسرائيلي، غير أنّ اللقاءاتِ السريّةَ المكثّفةَ بين مسؤولين أتراك وإسرائيليين لم تسفر عن قَبول مطلبِ تركيا "رفع الحصار عن غزة" ويمكن أن نسجّلَ هنا أنّ السياسةَ التركيّةَ المتشدّدةَ إزاءَ "إسرائيل"، وإنْ كانت لم تثمرْ غالبًا نتائجَ بارزةً على الأرض من نوعِ لجمِ السلوكِ العدواني للاحتلال، أو فرضِ تراجعٍ في مسألةِ الاستيطان في الضفّة الغربيّة و القدس ، أو في سياسةِ الحصارِ والعدوان على قطاع غزة.. ربما ساعدت بإدراكِ أن ما تفتقدُهُ الدبلوماسيّةُ التركيّةُ في المنطقةِ هو أدواتُ الضّغطِ التي تتجاوز أسلوبَ "القوة الناعمة"، ودور الوسيطِ الذي يفترضُ - حُكْمًا - علاقاتٍ جيّدةً مع جميعِ الأطراف، والامتناعَ عن الدخولِ في أيّ محورٍ إقليميّ أو الانحيازَ إلى مجموعةٍ من الدول ،وهكذا فإن تركيا حاولت بناءَ محورٍ إقليميّ مع مصر خلالَ حكمِ "الإخوان المسلمين"، واللجوءَ بعد تدهورِ العلاقة مع "مصر ، السعودية ، سورية" إلى إقامةِ محورٍ مع قطر أساسُهُ الرهانُ على شبكة "الإخوان المسلمين" كقوّةٍ إقليميّةٍ تعوّض عدمَ استقرارِ العلاقات مع الأنظمةِ العربيّةِ الرسميّة، دون أن ننسى التدخّلَ العسكريّ في الأزمتين العراقيّة والسوريّة.
في أيّ حالٍ، فإنّ موجاتِ الانتفاضات الشعبيّة العربيّة بإطلاقها دينامياتٍ جديدةٍ في المنطقة، وبضمنها صعود "الإسلام السياسي" في بعض الدول بعد عامي 2011 -2019 أسهم في تقدّمِ النفوذ التركي، وتعاطفِ قطاعاتٍ واسعةٍ من الجماهيرِ العربيّةِ مع حزب العدالة والتنمية، إلا أن انفتاحَ الفرص أمامَ أدوارٍ عربيّة جديدة، ولا سيما الدور المصري بزعامة عبد الفتاح السيسي، ألقى ظلالًا على الدور التركي الذي انكفأ في ملفات إقليميّة عديدة، ومنها ملف المصالحة الفلسطينيّة – الفلسطينية، الذي أصبح لمصر الدورُ البارزُ فيه، بينما تكتفي تركيا بدور المساعد، كذلك الأمر في ملف "تبادل الأسرى" بين حركة حماس و "إسرائيل"، إذ لا يزال الدورُ الأساسُ لمصر – السيسي.
في ضوءِ موجاتِ الانتفاضات الشعبيّة المتواليّة أدركت تركيا أهميّةَ إعادة تموضعها في الإقليم، آخذةً بالاعتبار الأزمةَ الانتقاليّة الشاملة التي تهزّ المجتمعاتِ العربيّة، والتحوّلات السياسيّة الطارئة في "مصر ، ليبيا ، تونس ، اليمن ، السودان ، الجزائر، سورية ، ولبنان" ، كذلك سعي مصر - السيسي لاستعادةِ موقعِها ودورِها في نظامِ التوازن الإقليمي، ولم يعد كافيًا أن تبنيَ وتراكمَ الدبلوماسيّة التركيّة على بعض نجاحاتِ عقدٍ مضى، أو أن تقدّمَ نفسَها مصدرَ إلهامٍ لقوى المعارضة، وأن تعمّقَ في الوقت نفسِهِ علاقاتِها بالنظمِ الاستبداديّة الحاكمة، ذلك أنّ هذا النمطَ من التموضع لم يعد ممكنًا في زمن التحوّلات الإقليميّة والعالميّة، لذلك رأينا تركيا تواجه صعوباتٍ في التأقلم مع الوضعِ العربي الجديد.
الارتباكُ التركي.. بين مرسي والسيسي
بلغ انحيازُ حكومةِ أردوغان إلى جانب حكومةِ مرسي والإخوانِ المسلمين في مصر حدًّا دفع أنقرةَ إلى تنظيمِ حملةٍ دبلوماسيّةٍ لا هوادةَ فيها ضدَّ الانقلابِ على الإخوان المسلمين، بذريعةِ أن "حركةَ التمرّد" التي أودت بحكمِ الإخوان "غيرُ شرعية"، الأمرُ الذي أدى إلى تدهورٍ سريعٍ في العلاقات المصرية – التركية، كانت نتيجتُهُ القطيعةَ الكاملةَ بين البلدين.. ويذهب محللون أتراك إلى أنّ المنطقَ الجيوسياسي العميقَ للتماثل الأردوغاني مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر درجةٌ توحي بأن "حزب العدالة والتنمية" ربط مصيرَهُ بمصيرِ الإخوان في مصر.
أما الحالةُ السوريّة فهي أكثرُ تعقيدًا؛ لأنّ الرهانات فيها لم تكن سياسيّةً فحسب، بل جيوسياسيّة واستراتيجيّة، وذهب بعض المسؤولين السوريين إلى إدانةِ "المطامع العثمانيّة الجديدة" للسياسةِ الخارجيّة التركيّة.
في ظلّ هذه التطوراتِ فتحت مناقشاتٌ ساخنةٌ في تركيا بشأنِ صحّةِ السياسةِ الخارجيّة لحزبِ العدالة والتنميّة، وعدّت أوساط المعارضة التركيّة أنّ الحرج الذي يظهره الرئيسُ التركي إزاءَ دينامياتِ "الانتفاضات العربيّة" يدل على انتهاءِ صلاحيّة "الدبلوماسية التركية" الأمرُ الذي يعني أن أردوغان أساء تقديرَ حالةِ الضعف التي كانت تعتري النظمَ الاستبداديّة العربيّة التي عمل طويلًا على التقرّب منها، وإقامةِ مجالٍ شاملٍ للتجارة الحرّة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.. وفي هذا المجال يعتقد بعضُ الباحثين الأتراك أن أردوغان ذهب بعيدًا في تحدي الإدارة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي بعد عام 2017، وجاء الانتصارُ الكاسحُ لحزب العدالة والتنمية في الاستفتاء على الدستور؛ ليعزّزَ التوافق بشأنِ التزامات تركيا ووظيفتِها بصفتها عضوًا في حلف الناتو، بما في ذلك ارتباطُها الاستراتيجيّ بالغرب، وتعهّدُها بتسويق "نموذجها الديمقراطي" في منطقة الشرق الأوسط، واحترامُها وجودَ "دولة إسرائيل". وربما يكون الزخمُ الاقتصادي، مقرونًا بالاعتباراتِ الأيديولوجيّة والإرادويّة في السياسة الخارجيّة، قد دفع قيادةَ حزبِ العدالة والتنمية إلى الاعتقادِ أنّه يقع على عاتقِها قيادة العالم الإسلاميّ الذي يمثّل العالم العربي عموده الفقري.
لقد كانت ولا زالت تركيا جاهزةً للعودة إلى المسرح الجيوسياسي الذي أدارت ظهرَها له منذ تأسيس الجمهوريّة عقبَ انتهاءِ الحرب الكونيّة الأولى، ووجدت نفسَها مضطّرةً للانخراط مع الحكومات والأحزاب العربيّة القائمةِ دون التساؤل عن شرعيتها.. غيرَ أنّ نجاحَ أو إخفاقَ تلك السياسة تحت الشعار المغري "صفر مشاكل مع الجوار " مرتبط بـ "الستاتيكو" أو الوضع القائم الذي بنيت تلك السياسةُ عليه.. ومع حلول ديناميت الأزمةِ الانتقاليّةِ العربيّة انهار "الستاتيكو" القائم في المنطقة، وسارعت تركيا لإعادةِ التموضعِ مجدّدًا دونَ خطّةٍ محدّدة، وإلى تأييدِ التغيير، لكنّ انهيارَ سياسة "تصفير المشاكل" راح يظهرُ مع انفجارِ الأزماتِ مع مصر والسعودية وإسرائيل، واقترابِ رياحِ التفكّك أكثرَ فأكثرَ من حدودِ تركيا..!

