التَّوراةُ الْعِبْريَّةُ المُصَهْيَنةُ
اصْطِنِاعُ إلَةٍ ووَعْدٍ وشَعْبٍ وذَاكِرةٍ، وتسَوِيغُ سَرقات
لَم يَكُنْ للأدبِ الفلسطينيِّ المُعاصِرِ، بِشَتَّى أجناسِه، أنْ يكْتَسِبَ هُوِيَّتَهُ الحقيقيَّةَ، وأنْ يَكونَ جديرًا باسمِه، بِمَعزلٍ عنْ تركيزِه، وَفْقَ مَنْهجٍ جَدَليٍّ رصِين، وبموضُوعيَّةٍ صَافِيَةٍ، وبِطرائِقَ وأساليبَ رُؤْيَويَّةٍ وجماليَّةٍ مُتَواشِجَةٍ، على مُقارَبَةِ السَّرديَّةِ الصُّهيونيَّةِ الاستعماريَّةِ الزَّائِفِةِ منْ كُلِّ مَنظورٍ إنسانيٍّ حضاريٍّ وتاريخيٍّ ومَعرفيٍّ وَوجْهَةٍ، بِقَصْدِ تَفْكيكِهَا، ونَقْضِها، ونَفي جَدارتِهَا بالوُجُودِ، وهذا هُو ما سنَعْمَلُ على قراءةِ تجلِّياتِهِ النَّصّيَّة، وتَعَرُّفِ كيفيَّاتِ مُعالجَتِهِ وما يُصَاحبُهَا من مدلولاتٍ، وتبيُّنِ أمداءِ حُضُورهِ واتِّجاهَاتِه، في الأدبِ الفلسطيني المُعاصِرِ، وذَلِكَ على مدى أقْسَامِ قراءةٍ تحليليةٍ نَقْدِيَّةٍ تطبيقِيَّة، شَرعْنَا، عبْرَ ما سبَقَ نَشْرُهُ في مجَلَّة "الهدف" من أقسامٍ تَمهيدِيَّة، في بلورةِ إطارِها النَّظريِّ والمنهجيِّ الذي يُؤسِّسُ إمكانيَّةَ اتِّسَامِها بالأصالَةِ، والعُمْق، والشُّمول.
وإنِّي لأحْسَبُ أنَّ مُقاربَتَنَا النَّقديَّةَ الجَذْريَّةَ التَّمهيديَّةَ لـ"التَّوراة العبريَّة" و"السَّرديَّة الصُّهيونيةِ"، ولا سيَّما ما تضمَّنَتهُ الحلقتان الأخيرتان من هذه السِّلْسلةِ (الحلقتان: 6 و7 المنشورتين في العددين المتواليينِ: 25/1499 و26/1500 من مجلَّة "الهدَف")، قد مَكَّنتنا – وإنْ عبرَ تَبَصُّراتٍ نَصّيَّةٍ، ومُقاربَاتٍ مَنْهَجيَّةٍ، تُغَايرُ تِلْكَ التي أنْجَزَهَا، أو انتهجها، غيرُنا مِنَ المُتبَصِّرينَ الذينَ قاربُوهُمَا من منظوراتٍ مُتَنَوِّعَةٍ ووَفْقَ مناهَجَ بَحثٍ تَعودُ إلى عَلُومٍ إنسانيِّةٍ عَديدةٍ – منْ تَعْزيزِ إدراكِ مَا قَدْ خَلُصُوا إليْهِ مِنْ حَقِيْقةٍ راسِخَةٍ تَقُولُ: إِنَّ هذهِ"التَّوراة" و"تلْمُودَها" وغيرَهُ، من مُذكراتِهِا التَّفسيريَّةِ، وتعاليمِهَا، وتَأويلاتِها المُصَهْيَنَةِ في سياقِ صَوغِ "السَّرديَّة الصُّهيونيَّة"، لا تَعْدُو أنْ تَكونَ إلَّا دليلًا نَصِّيًّا عمليًّا يَتأَسَّسُ بِناؤهُ على تَسْويغِ سرقَةِ حضاراتِ "الأغيار"، وسلبِ تواريخهم، وغزوِ أًراضيهم واحتلالِها، وذلكَ انطلاقًا من إنكارِ وجودِهم المُحَفَّزِ بِدوافِعِ جَشَعٍ بَشَرِيٍّ غرائزيٍّ قُرِنِتْ بادِّعَاءِ أَنَّ كُلَّ ما قَد بَنَاهُ هَؤلاءِ "الأغيارُ"، وصَنْعَوهُ، وأنجزوهُ، فامتلكُوهُ، ليس إلَّا حقًّا راسِخًا لأتْبَاعِ هذه "التَّوراةِ" المُلَفَّقَةِ الَّتي اختُزلِتْ في إلِهٍ مَصْنُوعٍ، وأُسْطورتي "أرضِ ميعادٍ" و"شَعبٍ مُختار"، و"ذاكِرةٍ مُصْطَنَعة"!
إنَّهُ إِذًا، وبِأقَلِّ درجَةٍ من درجاتِ إعمَالِ العقلِ، "وعْدٌ إلهيٌّ" مُتَخيَّلٌ وزائِفٌ بِقَدْرِ ما هُو زائِفٌ ومُتَخيَّلٌ الإلَهُ الَّذي اصْطُنِعَ؛ ليَعِدَ بِهِ صَانِعِيْهِ الجَشَعِيْنَ المُتَحَرِّقِينَ لِسْلْبِ تَاريخِ الأغيارِ وحضاراتِهِم، وكُلّ مَا قَدْ صَنَعُوهُ، أو أنجزوهُ، فَأسندوهُ إلى أنفسِهمْ، وملَكُوه، وذَلِكَ على نَحْوٍ يُسَوِّغُ لِأتباعِ هذه "التَّوراةِ الأسْطُوريَّة المُصَهْيَنَة" سَلْبَ الأراضي بِكُلِّ ما يَكْمُنُ في بِواطِنِها ويَمُورُ فيها مُخْصِبًا إيَّاهَا ومُتَجَلِيًّا في رِحَابِهَا وفي فَضَاءاتِ سَماواتِها الشَّاسِعاتِ، من منجزاتٍ حضاريَّةٍ ومواردَ وخيرات، وادِّعَاءِ ملكيَّتِهَا لِأنْفُسِهِم السَّارِقَةِ المُسْتَلِبَةِ قَبْلَ الشُّروعِ في إتْمْامِ سرقتِهَا واسْتلابِهَا، وبَعْدَ إِتْمامِهِمَا؛ لِتكَونَ أرضًا ومُنْجزاتٍ ومواردَ وخيراتٍ خَالِصَةَ الملكيَّةِ لَهُم، بِأمْرِ ذلكَ الرَّبِ المُحَفِّزِ عَلى الغَزوِ والهتْكِ، والفَتْكِ، والسَّرقَةِ، والاستِلابِ!!!
***
وإنَّنا لَنَجِدُ في هذه "التَّوراة" مَا يَربُو على الحَصْرِ من الأدلَّة والبراهينِ النَّصّيَّةِ الَّتي تُؤَصِّلُ الحقيقةَ الَّتي خلُصْنَا – مِثْلَ غيرِنَا من القُرَّاءِ المُتَبَصِّرِيْنَ والدَّارسينَ والنَّقادِ من شَتَّى الثَّقافَاتِ – إليها، فَتَجْعَلُهَا حقيقيةً أَبيَّةً على التَّشكيكِ العِلْمِيِّ والدَّحْضَ المَنْطِقيِّ. وليسَ مِنْ دلِيلٍ فعْليٍ كُلِّيٍّ مُتشابِكِ العَنَاصِرِ والتَّجلِّيَاتِ على هَذِه الحقيقةِ إلَّا حِرْصُ كُتَّابِ "التَّوراة"على تضمينِهَا سلاسَلَ خُطُواتٍ عمليَّةٍ مدروسَةٍ بإتْقَانٍ، ومُجَرَّبَةٍ مِنْ قِبَلِهِم؛ لإتمامِ اقترافِ هَذهِ الجَريِمةِ القُصْوى، والبالغَةِ الْجسَامَة، من كُلِّ منظورٍ إنسانيٍّ ووجْهَةٍ حضاريِّةٍ وتاريخيَّةٍ وقَانُونيَّة، وهو الأمرُ الَّذي جَعَلَهَا، في ذاتِهَا وعبرَ كُلِّ صَفَحاتِهَا، أنموذَجًا تطبيقِيًّا شاملًا، ووافيًا، وكُلِّيًّا، لاقترافِ جريمةِ السَّرقَةِ الْكُلِّيَّة، وإلقَاءِ وِزْرِ اقترافِهَا على عاتِقِ "إلهٍ مُتَخّيَّلٍ" كانَ ذاتَ يَومٍ مَوهُومًا، وبعيدًا كُلَّ البُعْدِ عنِ التَّاريخِ الحضاريِّ الإنسانيِّ الحقِّ وأزمنتِه، قد "وَعَدَ" أَجْدَادًا مُتَخَيَّلينَ مَزْعُوميْ الْوجُودِ بِامتلاكِ مَا كَانَوا قَدْ "سَرَقَوهُ" لِيُوَرِّثُوهُ لَأَحَفادٍ صَهَايِنَةٍ سيَطْلعونَ، بَعدَ ما يَربُو على أَلفيْ عَامٍ، من دياميسِ ذَاكِرةٍ مُصْطَنَعَةٍ تَقُومُ على أَدْلَجَةِ أساطيرِ هذه "التَّوراة" وأرْخَنَتِها، ليُطالِبوا باستِعادةِ ميراثِهمِ المَزْعُومِ!!!
وهكذا كَانَ لسَرِقَةِ النَّصِّ الفِلَسْطِيْنِيِّ الحضاريِّ التَّاريخيِّ القديمِ، وانتهاكِ حَقَائقِهِ، وتزويرهِ، وإعادةِ كَتابَتِه تَوخِّيًا لامتلاكِه عبْرَ اصْطِنَاعِ ذَاكِرةٍ أُسْطوريَّةٍ تُناقِضُهُ، أنْ تُجْعَلَ مُسَوِّغًا إلهيًّا، فوقطبيعبيًّا، يَجري توظيفُهُ من قِبل الحركَة الصُّهيونيَّةِ الاستعماريَّةِ وداعِميْهَا منَ الرَّأسِماليينَ المُتَوحِّشِيْنَ لسَرقَةِ الأرضِ الفِلَسْطِيْنيَّة، وانتهاكِ حقائِقِهَا الحضاريَّةِ والتَّاريخيَّة الرَّاسِخَةِ في شَتَّى طبقاتِهَا، وتزويرِ هُوِيَّتِهَا الْجَوهَريَّةِ المُطَابِقَةِ هُوِيَّة الشَّعْبِ الفلسطينيّ، الَّذي أوجَدَهَا مُذْ فَجْرِ الحضارةِ الإنسانيَّة، وذَلِكَ في الزَّمنِ البَشريِّ المُعَاصِرِ المحْكُومِةِ غالبُ مساراتِ صيرورتِهِ التَّاريخيَّة غيرِ الإنسانيَّة، بآيديولوجياتٍ رأسماليَّةٍ عُنْصُريَّةٍ تُوْغِلُ في الغيبيَّة، والتَّخليط، والجَشَع، وفُقْدانِ العَقل، والتَّوحُّشِ البَشَريِّ السَّاديّ!!!
***
وللصَّهايِنَةِ منِ اليَهُودِ، ومنْ غيرِ اليَهُودِ، الزَّاعِمينَ، في الزَّمنِ الرَّاهِنِ، انتماءً إلى أَجْدادٍ تَوراتِيينَ مُتَخيَّلينَ لَم يَصْنَعْ لَهُمْ "وجُودًا مُرَاوِغًا" في الْوَهْمِ المُنْفَلِتِ إلَّا التَّخْيِيلُ الوهْمِيُّ المُنْفَلِتُ؛ فلا يَرونَ أنْفُسَهُمْ، وقدِ اقتُلِعَتْ مِنْ دواخِلِهِم بُذورُ إنسَانيَّتِهم فَصُهْيُنُوا و"حُوْسِلُوا"، وحُقِنُوا بشرائِحِ ذاكرةٍ أسطوريَّةٍ مُصَنَّعَة، وجُعِلُوا جذْوات "مَحَارق" جَحِيْميَّة، إلَّا أحفادَ أحفادٍ لأَحفادٍ مزعُومينَ هُمْ، بِدورِهِم مُتَخيَّلينَ لكونِهِم مَنْسُوبين، في الأصْلِ، إلى رأسِ سلالةٍ مُتَخيَّلٍ، وإلى آبَاءٍ وأبناءِ أباءٍ وأحْفَادٍ وأَحُفادِ أَحفادٍ مُتَخيَّلِينَ، وإلى إلَهٍ كَانَ قَدْ قُدَّ منْ وهْمٍ وتَخيُّلات، ومِنْ غَيْرةٍ، وحسَدٍ، وجَشَعٍ، وكُرْهٍ، وأحْقَادٍ، وأضغاثِ رَغَائبَ غَرائِزيَّةٍ، وأَوهَامٍ أَمْلتْ عَلى صانِعِيْهِ تَصْعيدَ مَكْبُوتِ غرائزهم المتَوحِّشَةِ عَبْرَ تجليَةِ وُجودِهَا في مُكَوِّناتِهِ، وفي شّتَّى تجليَّاتِ وُجُودهِ النَّصّيِّ التَّخْيِيليِّ الَّذي فِيْه، وفيْهِ وحسب، يَرونَ حقائِقَ أنْفُسِهِم السَّوداء؛ فلا يُبْصَرونَ وُجودًا لكينونَتِهم المُتَخيَّلَةِ الزَّائِفَةِ الَّتي تلْفُظُهَا الأرضُ الفلسطينيَّةُ، ويَأبَى الوجُودُ الحَضَاريُّ الحَقُّ اعتمادَ وُجُودِهَا فِي رِحَابِهَا، إلَّا في مرايا ذَلكَ التَّجلِّي النَّصِّيِّ التَّخْيِيليِّ المُعْتِمَةِ المشْروخَةِ.
وعلى الرَّغْمِ منَ الانكشافِ القديمِ لحقيقةِ زيْفِ التَّوراةِ باعتبارهَا كَتابًا مُدَوَّنًا يتَأسَّسُ على "تلفيقِ مَسْروقاتٍ" منْ أساطيرِ الشَّرقِ القديم، فَإنَّ للِحقيقةِ المُعَاصِرةِ الَّتي تَقُولُ: إنَّ بَعضًا من أساطيرِهَا، لا سيَّمَا أُسطورتي الوعدِ والاختيار، وأساطيرِ الغَزو والحَربِ والهَتْكِ والْفَتْكِ والتَّطهِيرِ العِرْقيِّ وتَوزِيْعِ الغنائمِ وتَسييجِ الأُرُوضِ والاستيطانِ المَسْعُورِ، قَد أُلْبِسَ ثَوبَ التَّاريخِ؛ لِيُؤَدْلِجَ: دينيًّا، وسياسيًّا، واستِعْماريًّا، ولِيُعَادَ تأْويلُهُ مِنْ قِبَل الصُّهْيُونيَّةِ العُنْصريِّة والرأسماليَّةِ الغربيَّة مُنذُ ما يَربُو على قرنينِ مِنَ الزَّمَانِ؛ لِيَسْهُلَ إسقَاطُهُ عَلى "فلسطينَ" المُستَهَدَفَةِ، لأسبابَ عَدِيْدةٍ باتتْ جَلِيَّةً، بالاحتلالِ الاستعماريِّ الاستيطانيِّ، أنْ تَدْعُوَ المرءَ الذي لا يَتخَلَّى عن إعمالِ عَقْلِهِ، إلى التِّسَاؤُلِ عَنِ السَّبب التَّاريخيِّ، أو الجيوسياسيِّ، الفعليِّ الذي حالَ دونَ أجدادِ وآباءِ هَؤلاءِ اليَهُودِ المُصَهْيَنينَ الزَّاعِمينَ الآنَ انتماءً إلى فِلَسطينَ وملْكيَّةً موروثَةً، بِوعْدٍ إلهيٍّ، لَها، والمجِيئَ إليْها للاستقرارِ فيها، أو حَتَّى لِمُجَرَّد زيارتِهَا والتَّعَرُّفِ إليْهَا، لِمُددٍ زَمنيَّةٍ، حَضَارِيَّةٍ وتَاريخيَّةٍ، تَجاوزتِ ما يَربُو على ألفيْ عام؟!
ولَعلَّ لِكُلِّ إنسانٍ يُعْمِلُ العَقْلَ ألَّا يَتَعَثَّرَ بشَيْءٍ، أو يَتَأخَّرَ لِلَحْظَةٍ، عن إدراكِ الجَوابِ الحاسِمِ، والمُؤَصَّلِ حضاريًّا وتاريخيًّا ومنطقيًّا، عنْ هذا السُّؤَالِ الذي سيدفَعُهُ جَوابُهُ عَنْهُ أنْ يَسأَلَ نَفسَهُ وآخَرين من النَّاس، باستغرابٍ استنكاريٍّ ودَهشَةٍ تَهَكُّمِيَّةٍ: هَلْ ثَمَّةَ شَعبٌ حقيقيٌّ من شُعُوب العَالَمِ، ولو شَعبٌ واحِدٌ وحَسْبُ، قَدِ احتاجَ إلى التَّسَلُّحِ بِـ"وعدٍ إلهيٍّ" لِيجْعَلَ من الأرضِ التَّي عَمَرَهَا، وبنى صُروحَ حضارتِهَا، وطنًا أَسْمَاهُ باسْمِهِ الوطنيِّ القَوميِّ، أو لِيَزْعُمَ لِنَفْسِهِ، أو لأيِّ نَفَرٍ مِنَ النَّاسِ، أو لِلْعَالَمِ بِأسْرِه، أنَّهُ هُو وحْدَهُ مالُكُهَا الحقيقيُّ الذي لا يُنَازِعُهُ مِلْكِيَّتَهَا أحدٌ من الأقوامِ قَطّ، كَونُهُا "أرضًا مَوعُودةً" لَهُ مِنْ قِبَلِ "إلَهٍ" يَخُصُّهُ وحْدَهُ، فَلا يُكَلِّمُ أحدًا، ولا يُصْغِي لِأحَدٍ، ولا يَعِدُ أحَدًا، ولا يُنْزِلُ "المَنَّ والسَّلوى" على رأسِ أحد، ولا يَحْسُنُ في عينِه أحَدٌ من بَني البَشَرِ، سِوَاهُ كشَعبٍ إلهيٍّ مُخْتَار، هُوَ وحْدهُ "الشَّعبُ" الجديرُ بامتلاكِ كُلِّ شيءٍ في الكَونِ، وما سِواهُ مِنَ "الشُّعُوبِ" لا يَعْدُونَ أنْ يكونوا إلَّا مَحضَ "مُمْتَلَكَاتٍ" تَخُصُّهُم، أو مَحضَ "أَغْيَارٍ" مُسْتَعْبَدينَ منْ قبِلِهم، أو مَحضَ غُبارٍ؟!!!
***
وإذْ لنْ يَجَدَ الإنسانُ المُتسَائِلُ جَوابًا عن سُؤالِه التَّعَجُّبيِّ الاستنكاريِّ هذا إلَّا النَّفيَ القَاطِعَ، فَإنَّهُ سيشْرعُ في البَحثِ عَمَّا توخَّتْهُ الحركَةُ الصُّهيونيَّةُ بإقدامِهَا على أمرٍ لَمْ يَحْتَجْهُ شَعْبٌ حَقِيْقِيٌّ قَطّ، وسيسْعَى إلى التِّبَصُّر في الأمْرِ بِعُمقٍ يُمكِّنُهُ مِنْ إدراكِ الاسبابِ الحقيقيَّةِ الكامنَةِ وراءَ الحرصِ الحديثِ على صَهْيَنَةِ الاصْطناعِ الكُلِّيِّ القَدِيْمِ لإلِهٍ واعدٍ، وشَعبٍ إلَهيٍّ مُختارٍ، وذاكِرةٍ أُسْطوريَّة، وأسفارِ تكوينٍ وخُروجٍ، وأُروضٍ مَوعُودةٍ، ومن ثَمَّ وراءَ التَّوظيفِ الاستعماريّ التَّوحُّشِيِّ غيرِ المسبوقِ في تاريخِ العالمِ لِكُلِّ تِلكَ الأساطيرِ ولا سِيَّما أسطورتي الوعْد الإلهيِّ المزعُومِ، والشَّعبِ المُختار!
وسيكونُ لإدراكِ الأسبابِ والدَّوافِعِ الحقيقيَّة لهذا التَوظيفِ أنْ يرتبطَ باستقصاءِ العقابيلِ الجسيمَةِ الَّتي ستنجُمُ عَن اعتبارِ الوعدِ الإلهيِّ الأُسْطوريِّ وعْدًا حقيقيًّا مُعزَّزًا بِذَاكرةٍ تُطَالبُ، عبْرَ مُعْتَنِقيْهَا المأفُونينَ ومُصَدِّقِيهِ الْمُحَوسَلينَ، بِأنْ يجري تُجْسِيدُهُمَا في الأُرُوضِ المَوعُودةِ، وذَلِكَ بإعمالِ الإرهابِ والعُنْفِ المسبوقَيْنِ بصَهْيَنةِ يَهودِ العالم، و"حوسلَتِهم"، وتجريدهِم من دينِهم، ومنْ بُذُورِ الإنسانيَّةِ الكامِنَةِ في وُجُودِهِم كبَشَرٍ مَنذُورينَ لإدراكِ إنسانيَّتِهم، لِجَعْلِهِم مَحْضَ وُحُوشٍ مُسْتَعْمِرِيْنَ يُجْلَبُونَ من شَتَّى أرجاءِ العالَم لاستيطانِ فِلَسْطَينَ أو أيِّ أرضٍ حُرَّة، على حِسَابِ شَعبِ فلسطينَ الإنْسَان، أو أيِّ شَعبٍ إِنْسَانٍ، يَرْفُضَانِ، كَما أُرُوْضُهُمُ الْحُرَّةُ، الْوَعْدَ الزَّائِفَ، والمَوْعُودِينَ بِه، المُخْتَرَعِيْن ذَاكرتَهم المُصطَنَعَة، ويُقَاوِمَانِ بِعَزمٍ وقَائِعَ تَجْسِيدِهَا الاصْطِنَاعيِّ القَسْريّ، ويتأبَّيانِ عَلَيْهَا، بَحَسمٍ قاطِعٍ وإطلاقٍ لَنْ يَنالَ مِنْهُما مُرورُ الزَّمانِ، واخْتلالُ الموازين!!
***
والْحقُّ، في هذا السِّيَاقِ، أنَّ العقلَ الإنسانيَّ اليقظَ، المَكتنزَ بالمعرِفَةِ الحضاريَّة والتَّاريخيَّة، لنْ يَعثُرَ على جوابٍ عنْ السُّؤَالِ الأوَّلِ المُتَعَلِّقِ بتفسيرِ عدمِ وجُودِ الزَّاعمينَ انتماءً إلى فِلَسْطينَ وغيرهَا من الأُروضِ المُسْتَهدَفَةِ مِنَ اليَهودِ الصَّهايِنَةِ المُعاصِرينَ في فِلَسْطينَ على مَدَى ألفيْ عامٍ وأكثَرَ، إلَّا الجوابَ الذي يَقُولُ إنَّ سببًا حائِلًا دُوْنَ هَؤلاءِ الزَّاعِمينَ انتماءً أُسْطُوريًّا قَدِيْمًا، أو انتسابًا حديثًا زائِفًا، إلى "الأُرُوضِ المَوعُودة" وحَضَاراتِهَا، من صَهايِنَةِ العالَمِ ويَهَودهِ المُصَهْيَنينَ، أو دُونَ سِواهُم من النَّاسِ، لَمْ يُوْجَدْ على مدى مُجرياتِ تَارْيْخِ العالَمِ في تلكَ الأزمِنَة، قَطْ!
ومَا لِهَذا الجَوابِ القاطِعِ إلَّا أنْ يُؤَكِّدَ حقيقَةَ أنْ لا صِلَةَ حَضَاريّةً، أو تاريخيَّة، أو قَوميَّةً، لَهَؤلاءِ الصَّهَايِنَة واليهَودِ المُصَهْيَنينَ بفلسطينَ، كَمَا بِسوَاهَا مِنَ الأُروضِ المَوْعُودةِ المُستَهْدَفَة بالسَّرقَة، وأنَّ الأمرَ كُلَّهُ لا يَعْدُو أنْ يِكونَ إلَّا مؤَامرةً رأسماليَّة استِعماريَّةً صُهيُونيَّةً عُنْصُرِيَّةً كُبْرى على كُلِّ هذه الأُروض وشُعُوبِها، وفي البَدْءِ مِنْهَا ومِنْهُم، على أرضِ فِلَسْطِينَ وعلى شَعْبِهَا بِأسرهِ، وضِمْنه، بطبيعة الحالِ، الفِلَسْطِيْنِيُّونَ اليهودُ، والفِلَسْطِيْنِيُّونَ المسيحيونَ، والفِلَسْطِيْنِيُّونَ المُسْلِمُونَ، والفلسطينيُّونَ من أيِّ لونٍ، أو دِيْنٍ، أو مُعتَقَدٍ، أو تَوجُّهٍ فِكريٍّ، أَو رأيٍّ ، الذين هُمْ جَميْعًا، وسَواسِيَةً، فِلَسطينيُّو الْهُوِيَّةِ من حيثُ انتمائِهم الثَّقافيّ، الحَضَاريّ، التّاريخيّ، القَوميّ، والإنسَانيِّ الْجَوهَريّ، المُتَأصِّلِ في كينُونَتِهم الوُجودِيَّةِ الجَامِعَة، والمائِرِ في أصْلابِ وِجْدَانِهم الْجَمعيِّ الْكُلِّيِّ.
ومَا هَذِه المُؤَامرةُ الاستعماريَّةُ، إِذًا، إلَّا مُؤَامَرةٌ مشروطَةٌ بزَمنِها التَّاريخيّ، وبدوافِعِ تبلّورِهَا، وبمصالحِ أطرافِهَا، وهي، إلى ذلِكَ، مُؤَامَرةٌ ذاتُ أهدافٍ وغاياتٍ ومَقَاصِدَ لاتَقْتِصِرُ على سَرقَةِ فِلَسْطِينَ و"هَودَنتِهَا"، أو على الأصَحِّ "صَهْيَنَتِهَا"، ونفي وُجُودِ شَعْبِهَا والفَتْكِ بِه، وإنَّما تتجاوزُ كِلا الأمرينِ، لا لِتَشْملَ الهيْمَنَةَ المُطْلَقَةَ عَلَى الشَّرق الأوسطِ وشمال أفريقيا فَحَسْبُ، بَل لِتُحَقِّقَ غَايَةَ التَّحَكُّمِ الصُّهيونيِّ العُنْصُريِّ الرَّأسماليِّ الغربيِّ المُطلَقِ في مواردِ العَالمِ بِأسرهِ، وفي مقاديرِ قاطنيْهِ من البَشَرِ مِنْ كُلِّ الثَّقافاتِ والقوميَّاتِ والأديانِ! ومَا "العَولَمَةُ المُنْفَلِتِةُ" الجاري فَرْضُهَا، بوسَائلَ وتَجسُّداتٍ شَتَّى على العالَمِ بِأَسْرهِ إلَّا مسارٌ مُتَشَعِّبٌ من مساراتِ هَذا السَّعيِّ الرَّأسماليِّ العُنْصُريِّ المَحَمُومِ المُناهضِ للتَّعَدُّديَّة الثَّقافيَّة، وللتَّنَوُّعِ الإنْسَانيِّ الْخَلَّاق!!!
***
وبِطبيَعَةِ الحالِ، وَوَفْقَ منْظُومَةِ المعايير الرَّءيَويَّة والجَماليَّة الَّتي بلورتْهَا تبصُّراتُنا السَّابِقَة، لَم يَكُنْ للأدبِ الفِلَسْطِيْنيِّ المُعاصِرِ، بِشَتَّى أجْنَاسِهِ وأشكالِه، أنْ يكْتَسِبَ هُوِيَّتَه الحقيقيَّةَ، وأنْ يَكونَ جديرًا باسمه، بِمَعزلٍ عنْ تركيزهِ، وَفْقَ مَنْهجٍ جَدَليٍّ رصِينٍ، وبموضًوعيَّةٍ صَافِيَةٍ، وبِطرائِقَ وأساليبَ وكيفيَّاتِ تجسيدٍ رُؤْيَويَّةٍ وجماليَّةٍ مُتَواشِجَةٍ، على مُقارَبَةِ السَّرديَّة الصُّهيونيَّة الاستعماريَّة الزَّائِفِةِ بُغيَةَ تَفْكيكهَا، ونَقْضِها، ونَفي جدارتِهَا، منْ كُلِّ مَنظورٍ إنسانيٍّ حضاريٍّ وتاريخيٍّ ومَعرفيٍّ، بالبَقَاءِ على قيدِ الوُجُودِ إنْ شَاءَ بَشَرُ العالِمِ أنْ يُدركُوا إنسانيَّتَهَم. وهذا هُو ما سنَعِملُ على قراءةِ تجلِّياتِه النَّصّيَّة في الأدب الفلسطيني المُعاصِر، وذلِكَ على مدى فُصُول هذه القراءة التَّحليليةِ النَّقْدِيَّة التَّطبيقيَّة التي نرجوهَا عميْقَةً وموسَّعَةً.
ولَعلَّ في تذَكير القارئات والقارئينَ بِوَمْضَةٍ وردتْ في روايَة إميل حبيبي: "الوقائِعُ الغريبة في اختفاءِ سعيد أبي النَّحس المُتشائِل"، أنْ يَكُونَ مُفتتحًا يُومئُ إلى ما تَعِدُ هذه القراءةُ بإضَاءَتِهِ مِنْ تجلِّياتِ مُقاربَةِ السَّرديَّةِ الصُّهيونيَّة في الأدب الفلسطينيِّ، وهي التجليّاتُ السَّرديَّةُ الَّتي يَبدو أنَّ النَّقدَ الأدبيَّ قَدْ أغْفلَ إضَاءَتَها، أو مرَّ بِها مُرورًا عابرًا في سياقَاتٍ نَقْديَّةٍ لَم تُتِحْ اكتشافَهَا، والكشفَ عنْها، وتركيزَ أضواءِ التَّناولِ النَّقْديِّ المُعَمَّقِ عليها.
في لَحْظَةٍ من لحظاتِ صيرورةِ السَّردِ الغَرائبيِّ في روايَة "الوقَائِع الغريبة في اختفاءِ سعيد أبي النَّحْس المُتشائل"، يلتقي "الْمُتَشَائِلُ" مع مُعَلِّمِهِ القديم في مسجدِ الجزار بعكا، فَيدورُ بينَهما حوارٌ يَرِدُ فِيه قولُ "المعلم" عن اليهود: "حقًّا إنهم هاجموا القرى التي ذكرها القوم، وشرَّدوا أهلَها ولكن يا ولدي، إنَّ في قلوبِهم رأفةً لم يحظَ بها أجدادُنا من الغُزاةِ الذين سبقوهم ... هؤلاء ليسوا مماليك، ليسوا صليبيين، بل عائدون إلى وطنهم بعد غيبة ألفيْ سنة"(الوقائِع ...، ص 35، 36)؛ فيعلق "الْمُتَشَائِلُ" على هذا القول بعبارةٍ لا تُفَارقُ دلالةَ التَّعجُّب الاستنكاريِّ، والتَّهَكُّم اللَّاذعِ، في نفيها مُكَوِّناتِ الأسطورةِ الصُّهْيُونيةِ السَّوداءِ الَّتي جُعِلِتْ، فِي أَزمِنَةِ الحداثَةِ وما بَعد الحداثَة، ذاكرةً يُرادُ لَهَا أنْ تَحْدُثَ: "- ما أقوى ذاكرتهم!"(الوقائِع ...، ص 36).
وإذْ يكتشفُ "الْمُتَشَائِلُ"، بفطرتهِ السَّاذجة، وبالرَّغم من حُلكةِ الوعي الزَّائف التـي تُعَتِّم عَقَلَهُ فَتُظْهِرُ ومْضَ فِطْرَتِه بِجلاءٍ، أنَّ دولةً تقوم على أعراقٍ وأجناسٍ وقوميّاتٍ مختلفة، ولا تجمعُ القاطنين، فيها هُويَّةٌ ثقافيِّةٌ أصيلةٌ ومتماسكةٌ ومفتوحةٌ على الصَّيرورة والمستقبل، لا يمكن أنْ تعيش، يقول سَاخرًا من هذه "الدَّولةِ المُصْطَنَعَة"، ومُتهكِّمًا عليها، وكاشفًا، في الوقْتِ نفسِه، عن شيْءٍ من مُكوِّناتِ شخصيَّتِهِ الْجُحَوِيَّة، يقول: "رحت أتعجَّبُ من جهلِ العاملِ باللُّغةِ العبريةِ حتَّـى أقنعتُ نفسي بأنَّ هذه الدَّولةَ ليست بنتَ معيشة ..." (الوقَائِع ...، ص 65).

