حين اعتزلَ بن غوريون السياسةَ بشكلٍ نهائيٍّ عامَ 1963، نُقل عنه أنه كان يرحلُ مطمئنًا؛ لأنّ واحدةً من أسبابِ هذا الاطمئنانِ أنه أودع قرارَ الدّولةِ لدى مؤسّساتِ الأمنِ القوميّ، وليس لدى "هواة السياسة المتشاكسين" هكذا وصفهم بن غوريون الذي سئمَ مؤامراتِهم التي لم تتوقّف منذ تشكيلِ الدولة، وسئم حزبَه "مباي" الذي أسّسَ وحكم الدولةَ كأكبر حزبٍ حتى بعد اندماجهِ عامَ 68 في حزبِ العمل.
مع السنواتِ واختفاءِ جيلِ المؤسّسين وبروزِ الجيلِ الثاني، وحتى الثالث في السياسةِ الإسرائيليّةِ يتّضحُ أكثرَ ما حاول الكبارُ إخفاءَهُ على امتدادِ عقودٍ ماضيّة، فالجميعُ كان يعرف مدى الكراهيةِ الشديدةِ التي كانت بين قائديْ حزبِ العمل اللذينِ تداولا حكمَهُ منذُ منتصفِ السبعينياتِ، وحتى منتصفِ التسعينيات "رابين وبيرس"، لكنّ الصورةَ العامةَ كانت تعطي دلالاتٍ وانعكاساتٍ مختلفةً، خصوصًا فيما يتعلّق بالسياساتِ العامةِ للحزب، وفي حالةِ انسجامٍ مع المفاهيم التي قامت عليها الدولة، وهي بالقطعِ مفاهيمُ احتلاليّة.
وإذا كان المؤسّسون يصفُهم الرجلُ الأوّلُ بهواةِ السياسة، فكيف يتصرّفُ الجيلُ الثالث؟ هذهِ اللوحةُ التي تشهدُها إسرائيل حاليًّا، وتعزّزُها حالةُ الانتقالِ السريع بين الأحزاب، وإن كانت تعكسُ حيويّةً في النظام السياسيّ، لكنّها تعكس أكثرَ إذا ما دقّقنا بطبيعةِ الاصطفافاتِ وحجمِها، ذاتِ الطابع المصلحيّ الشخصيّ، والانتهازيّ. وإذا ما نظرنا إلى ما يجمعُ هذا الائتلافَ الحكوميَّ القائمَ، فسوف نجد أنّ الإجماعَ على الكراهيةِ الشخصيّة فيه سمةٌ ثابتة، وهذه الكراهيةُ لفردٍ هو رئيسُ حزبِ الليكود، باعتبارِ أنّ ثلاثةً من قادةِ الائتلاف كانوا موظفين لديهِ، تمّت إهانتُهم والتآمرُ عليهم من قبل نتنياهو وزوجتِهِ؛ إذ بات المشهدُ في إسرائيلَ يعكس حلبةَ تصفياتٍ شخصيّةٍ أكثرَ مما يعكس اختلافًا في السياسةِ أو الاقتصادِ أو الأيدلوجيا. فقد تداخلت كلُّ الخطوطِ ما بين الائتلافِ والمعارضة إلى الدرجةِ التي جعلت الكاتبةَ كارولينا ليندسمان تكتبُ: أنه باتتَ مطلوبةً خدماتُ تحليلٍ فوريّة حتّى نفهم ما الذي يحدث في الكنيست.
وهو الأمرُ الذي يصبّ معظمُ الإسرائيليّين والمراقبين باندهاشةٍ شديدةٍ؛ بسببِ ذوبانِ الفروقِ الأيدلوجيّةِ والأخلاقيّة، وذوبانِ التصنيفات القديمةِ بين يمينٍ ويسارٍ ووسط. حتى أنها ذهبت لأبعدَ من ذلك عندما ينقلبُ الموقفُ بشكلٍ معاكسٍ تمامًا لاستكمالِ تصفيّةِ الحسابات الشخصيّة؛ لإسقاطِ الخصم أو الحفاظِ على السلطةِ وامتيازاتِها.
من كان يصدق أنّ نفتالي بينيت رئيسَ حزبِ يمينا القوميّ، ووريثَ المفدال المتطرف، يتشاورُ حتّى مطلعِ الفجرِ مع الإسلامي منصور عباس، ويستجيبُ لتعديلاتٍ يقدّمها "عباس" يسمح جزئيًّا بلمِ شملِ بعضِ الفلسطينيين، حتى وإن كان نظريًّا، وهو وريثُ الحركةِ الاستيطانية التي تعدُّ أنّ كلَّ فلسطين أرضٌ إسرائيلية، ويُعدُّ فيها الاستيطانُ واجبًا قوميًّا ودينيًّا، وليس للفلسطينيّين والعرب أيُّ مكانٍ في هذه الدولة.
من كان يصدّق أن نتنياهو الذي عدَّ العربَ قبلَ ربعِ قرنٍ – حين تسلّم رئاسةَ الحكومةِ منتصفَ تسعينياتِ القرنِ الماضي – "خطرًا أمنيًّا كامنًا" وكان دائمَ التحريضِ ضدّهم، باعتبارِهم "يهرعون للصناديق" ويطلبُ من الإسرائيليين انتخابَهُ حتى لا يأخذَ العربُ حكومةً فيها. ونذكر شعارًا "إما بيبي أو الطيبي". والآن، يصطفُّ في جبهةٍ واحدةٍ مع الطيبي وأيمن عودة مصوتًا ضدَّ قانونِ لمّ الشملِ، وهو قانون تمت صياغتُهُ في عهدِ الليكود، وكان أحدَ مهندسيهِ ومقرّريه، وأكثرَهم حرصًا على تجديدِه. الآن نتنياهو مع لمِّ شملِ الفلسطينيين "يا لمعجزة السلطة".
حين قدّم رئيسُ القائمةِ المشتركة أيمن عودة مشروعَ اقتراحٍ لتشكيلِ لجنةِ تحقيقٍ برلمانيّةٍ للتحقيقِ في إخفاقاتِ السلطة أمامَ منظّماتِ الجريمةِ في المجتمع الفلسطيني في مناطقِ ال48، التي كان يقف خلفَها نتنياهو، للمفارقةِ المضحكةِ كانت ميرتس اليساريّة وحزبُ القائمة الموحّدة العرب، يصوتون ضدَّ الاقتراح، والأكثر إثارة أن نتنياهو – وهو المتهم الرئيس بهذا الانفلات والجريمة – يصوّت إلى جانبِ الاقتراح، الذي يمكن أن يحمّلَهُ المسؤوليّة ويخضعَهُ للتحقيق؛ المهم، أيّ شيء ضدّ حكومة بينيت، وتلك باتت سمةً في السياسةِ الإسرائيليّة، وهي حالةٌ مدعاةٌ للسخرية حقًّا، تحتاجُ إلى خدماتٍ كي تفهمَ مدى التناقضاتِ الصبيانيّةِ في السياسةِ الإسرائيلية، التي بالتأكيد هي بشرى لكلِّ خصومِ إسرائيل، حين تقف قواها السياسيّةُ بكل هذا العري، ويصوّت كلٌّ منهم ضدَّ نفسِهِ وثقافتهِ وسياستهِ ومنظومتهِ الفكريّةِ مقابلَ مصلحتهِ الشخصيّة.
لم يكن ذلك مكشوفًا بهذا الشكلِ لدى الهواةِ والأوائلِ الذين تمكّنوا من إخفاءِ أو تبريرِ مواقفَ سابقةٍ، لكنّ الصورةَ الآن في إسرائيلَ مدعاةٌ للسخريةِ كما يصفها أحدُ المعلقين قائلًا: إنّ الحكومةَ تنجرّ خلفَ منصور عباس، والمعارضةَ تنجرّ خلفَ أيمن عودة، ثم أصبحت الشخصيّتانِ العربيّتانِ الأكثرَ حضورًا وتأثيرًا في السياسةِ الإسرائيلية؛ لأنّ الساسةَ الإسرائيليين يكرهون بعضَهم ويتصارعونَ على السلطةِ ويصفّون حساباتٍ بأيّ ثمن...!

