Menu

نُشر هذا المقال في العدد 28 من مجلة الهدف الإلكترونية

التمثيلُ الأدبيُّ للصهيونيّة، ودورُهُ في تحقيقِ الاستيطانِ اليهوديِّ في فلسطين

د. نهلة راحيل ناقدةٌ وأكاديميّةٌ ومترجمة/ مصر

عكَس الأدبُ العبريُّ الحديثُ -خاصةً في مراحلِهِ الأولى- التغيّراتِ الاجتماعيةَ والتطوّراتِ الأدبيّةَ التي حدثت في المجتمعاتِ الأوروبيّةَ التي عاش بها اليهودُ قبلَ استيطانِ فلسطين، فجاءت موضوعاتُهُ وأنماطُهُ تتماشى مع معاييرِ الآدابِ الأوروبيّةِ ومفاهيمِها. وعندما انتقل مركزُ الأدبِ العبريّ إلى داخل فلسطين، في مرحلةِ الهجراتِ اليهوديّة، وكذلك عقبَ إقامةِ الدولةِ المزعومة، حتّمت عليهِ الحاجةُ التطويرَ في موضوعاتهِ وأفكارهِ؛ كي تتلاءم وطبيعةَ الواقعِ الاستيطانيّ الجديدِ في فلسطين، وتلبّي احتياجاتِ الفكرِ الصهيونيّ المهيمن، الذي يسعى إلى خلقِ هُويّةٍ إسرائيليّةٍ جديدة، تتّسم بسماتٍ محدّدةٍ تؤهلها لفرضِ الهيمنةِ على أصحابِ الأرض، ويحاول أن يحثَّ المبدعين على تحويلِ الخطابِ الصهيوني-عبرَ مؤلفاتِهم الإبداعيّة- من مقولاتٍ نظريّةٍ إلى واقعٍ حياتيّ، لا يكتمل إلا بقدومِ المستوطنين اليهودِ إلى أرضِ فلسطين.

من هنا، كان للأدب العبري تأثيرُهُ الملحوظُ في تجسيد الأوضاعِ الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة للجماعاتِ اليهودية في أوروبا في القرن التاسع عشر، وثمّ، استغلالها كأحدِ المبررات الدعائيّةِ للحركة الصهيونية، وطرح إقامةِ الدولة كمخرجٍ وحيدٍ لما سُمّي – آنذاك – بالمشكلةِ اليهوديّة، فروّجت الأدبيّاتُ العبريّةُ بوضوحٍ لمرتكزاتِ الفكر الصهيوني، التي تمحورت حول ثلاثةِ عناصرَ رئيسةٍ، أوّلُها: نفيُ المنفي، أي رفضُ الوجودِ اليهودي خارجَ فلسطين، وثانيها: خلقُ شخصيّةِ اليهودي الجديد، أي صنعُ نموذجٍ يهودي يتّسم بسماتٍ إيجابيّة – كالقوّةِ الجسديّةِ والذهنية – تمكّنه من تحقيقِ الاستيطان، وأخيرًا: تهميشُ الآخر، أي استبعادُ أي أقليّةٍ لا تتماشى طبيعتُها مع النمطِ الأوروبي الصهيوني، الذي تتبناه المؤسّسةُ الحاكمة، وعلى رأسهم بالطبعِ الفلسطينيين سكان الأرضِ الأصليّين.

فكان من الطبيعيّ أن يصبحَ الفلسطينيُّ العدوَ الأوّلَ الذي يجب القضاءُ عليهِ والعملُ على إبادته؛ لتحقيقِ الوجود اليهودي على أرضِه، فجسّد الأدباءُ الإسرائيليون - مثل سامخ يزهار وأهارون ميجيد وموشيه شامير وغيرهم- الفلسطينيَّ في شكلِ المناضل/العدو الذي لا يتخلّى عن أرضهِ، ويسعى لتحريرها، واحتلت صورةُ الفلسطيني "المتسلل" العديد من الأدبيّات العبريّة -خاصة في الفترة ما بين 1948 و1956- التي أظهرت محاولاتِ عودةِ الفلسطينيين لأراضيهم وديارهم، التي احتلّها مهاجرون يهودٌ في السنوات الأولى من إقامةِ الدولة الإسرائيليّة المزعومة، بوصفِها "هجماتٍ" تخريبيّةً تهدفُ إلى القضاءِ على الدولةِ الناشئة، وتهدّد شرعيّةَ الاستيطان اليهودي للأرض، ورغمَ استدعاءِ الشخصيّة الفلسطينيّةِ وتمثيلِها أدبيًّا بالمرويات العبرية – آنذاك – في شكلٍ نمطي: "العدو المخيف" أو "المتسلل المخرب"، فقد ظهرت بعضُ الأصواتِ الأدبيّة التي جسّدت الشكلَ المعقّدَ للشخصيّة الفلسطينيّة، التي وضعت المستوطنَ اليهوديَّ في اختيارٍ أخلاقيٍّ بين الالتزامِ الجمعي، الذي يحتّم عليه قتال "العدو" الفلسطيني لترسيخِ الوجودِ اليهودي على الأرض، والشعورِ الإنساني، الذي يحتّم عليه التعاطفَ معه بعدَ هدمِ منازلهِ وتخريبِ قراه وطردهِ من وطنه.

في هذا السياق كانت أحداثُ نكبة عام 1948، وما نتج عنها من تساؤلاتٍ حولَ شرعيّةِ دولةِ إسرائيل – المزعومة – وتهجيرِ الفلسطينيين من أراضيهم، من أهمِّ القضايا التي يجسّدُها الأدباءُ في نصوصِهم الإبداعيّة العبريّة، سواءً بهدف إنكارِها ومحاولاتِ تغييبِها عن الوعي الجمعي العالمي، أو بهدفِ إعادةِ تفسيرِها واستيضاحِ عملياتِ التطهير العرقي، التي نفذتها الحركةُ الصهيونيّة؛ لتحقيقِ السيادةِ الإسرائيلية على الأرض. وقد حاولت بعضُ الأصواتِ الأدبيّة الترويجَ للتقاطع بين ما حدث للمستوطنين اليهود في أوروبا خلال أحداثِ النازي وما وقع للفلسطينيين أثناءَ النكبة، وهي مقارنةٌ غيرُ عادلة، تحمل ضمنًا إنكارًا للعنف الذي ارتكبه اليهودُ الناجون من النازية أثناءَ إبادة الشعب الفلسطيني في عام النكبة، ومحاولة تبرير إدارتهم الوحشية لحرب 1948 بما تعرضوا له هم أنفسُهم من أحداثِ عنفٍ في الماضي.

ولا شكّ أن احتمالَ انضمام اليهود العرب -المهاجرين للدولةِ في خمسينات القرن العشرين- إلى عرب فلسطين- الباقين في موطنهم- وتحالفهما معًا، كان من أكبرِ مصادرِ القلق الذي ساور النشطاءَ الصهيونيين عقبَ إقامةِ إسرائيل في ظلّ صعوبةِ الفصل الهوياتي/ الثقافي بينهما، ولذلك عمدت المؤسسةُ الرسميّة إلى تنفيذِ سياساتِ الاستعباد والتغييبِ لكلٍّ من الفلسطينيين ويهودِ الشرق؛ حتى تتمكّنَ من فرض سيطرتِها على الدولة، وتحقيقِ حلمِ المشروع الصهيوني الاستعماري بإقامة مجتمعٍ قويٍّ متّحدٍ يترابط داخله اليهودُ بذاكرةٍ جمعية "غربية" مشتركة، ونسيجٍ ثقافي "أوروبي" موحّد، فزخر المشهد الأدبي العبري بنماذجَ تحاول- زيفًا- إبرازَ نجاحِ الدولة الناشئة في صهرِ الثقافات المتعدّدةِ لليهود القادمين من دولٍ مختلفةٍ في بوتقةٍ إسرائيليّةٍ جديدةٍ ومتجانسة.

وقد ارتبط المشهدُ الأدبيُّ العبري، بطبيعة الحال، بمجملِ حروبِ الصراع العربي- الصهيوني، بَدْءًا من نكبة 1948 وما أعقبها من حروبٍ متتاليةٍ مع العرب. وقد وجّهت نتائجُ تلك الحروب الأدباءَ الإسرائيليين -على اختلاف توجهاتِهم- نحو التعاملِ مع التغييراتِ التي أحدثتها تلك الحروب، فانعكست في نصوصِهم الأدبيّةِ حالةُ التشكّك في القيم، التي رسختها الصهيونيّةُ في أذهان جموعِ اليهود، وبدأت تظهر موضوعاتٌ تتعلّق بالنقدِ التفكيكي لتوجهاتِ المجتمعِ الإسرائيلي وسلطتهِ الإقصائية، وبنزعِ السحر عن الحركة الصهيونيّة التي حوّلها أصحابُها إلى يوتوبيا قوميّة عليا، فسعى الأدباءُ إلى الكشف عن الأسباب المتعدّدةِ التي صنعت شروطَ انتصارِ المشروع الصهيوني في البداية، ثم الظروف التي تسببت في انتكاسه، وتزايدت أنواعُ الأدب العبري الاستباقي الذي يستشرف كلَّ ما ينتظر المجتمعَ الإسرائيلي في المستقبل، ويقدّم رؤيةً مختلفةً عن اليوتوبيات الصهيونيّة الأولى. 

فبرزت ما بعد الصهيونيةِ كتيارٍ نقديٍّ تفكيكي رأى أن وجودَ دولةِ إسرائيل، لم يكن حلًّا لمشاكلِ الجماعاتِ اليهوديّةِ كلّها، وبالأخصّ في ظلّ فرضِ الهيمنةِ الصهيونيّةِ الأوروبيّة على الأنظمة الاجتماعيّة والثقافيّة بالمجتمع، وتهميشها للآخر –اليهودي الشرقي أو العربي الفلسطيني – ومحاولات صهره المستمرة داخل ثقافة غربية مختلفة عنه، بدعوى الحفاظِ على وحدةِ النسيج "القومي" الجمعي للدولة، وتجسّدت دعواتُ هذا التيار النقدي في نصوصٍ أدبيّةٍ عديدة -وبالأخصّ من إبداع يهودِ الشرق- تدحضُ النتائجَ السلبيّة للصهيونية، ليس على الفلسطينيين فحسب، بل أيضًا على يهودِ الشرق الذين جُرّدوا من حقِّ تمثيلِ أنفسِهم، وتعرّضوا إلى إنكارِ تاريخِهم العربي، ووعيهم الثقافيّ، لأسبابٍ تخصُّ الصهيونيّةَ كحركةٍ أوروبيّةٍ استعماريّةٍ هدفت إلى خلقِ هُويّةٍ إسرائيليّة/غربية مهيمنةٍ تقوم على تاريخٍ رسميّ واحد، لذلك وضعت نفسَها في موضعِ السيّد وحولت الفئاتِ الأخرى إلى وضعيّةِ التابع.

ونشأ خطابٌ أدبيٌّ مضادٌّ يتبنى مقولاتِ ما بعد الكولونياليّة، ويقوّض الفرضيّاتِ الصهيونيّةَ الرسميّة، وما تدعمه من التراتبيّةِ الهرميّة للثقافات، ويعبر أدباؤه عمّا أطلقوا عليه "الاستعمار الجديد" الذي تمارسه دولةُ إسرائيل ضدَّ مواطنِيها عن طريقِ محاولاتِها المستمرّة لمحوٍ هوياتهم الأصلية، متخفّيةً وراءَ مقولاتٍ تعميميّةٍ مثل: "التقدم" و"التنوير" و"المواطنة" وغيرها من مفاهيمَ تسهم – في ظنّها – في تحديدِ العلاقةِ بين الدولة والفرد، فجاءت النصوصُ الأدبيّة العبريّة لتعبّرَ عن أن إلغاءَ الطابع "القومي" الجمعي للدولة، ودحضَ افتراضاتِها المركزية، هو السبيلُ الوحيد الذي سيمكن المواطنَ من تحريرِ ذاته من "عنصرية" الصهيونية و"ظلم" المؤسسة الحاكمة، ثمّ، خلق شرعيّةٍ بديلةٍ تقوم على تقويضِ الأسس الأيديولوجية للدولة، خاصةً تلك التي تتعلق باليوتوبيا الصهيونيّة وبوتقةِ الصهر.

وفي النهاية، يمكن القولُ إنّ الإنتاجاتِ الأدبيّةَ العبريّةَ قد تراوحت في الآونةِ الأخيرةِ بين اتجاهين مركزيّين، أوّلُهما: يوجّهُ جهودَهُ نحو صناعةِ ولاءاتٍ جديدةٍ للمشروعِ الصهيوني، وتنميةِ قيمِ الشعورِ القومي والانتماءِ السياسي لدى اليهود في إسرائيل، وزرعِ مفاهيمَ تؤكد "عدالة" الحركةِ الصهيونية وضرورتِها التاريخيّة، خاصةً وسطَ الشبابِ الإسرائيلي الذين انصرفوا مؤخرًا عن الفكرِ الصهيوني بشكلٍ أو بآخر، وأما الثاني: فينشغل بإعادة ِتفسيرِ الفرضيّاتِ الكبرى التي تدور عن تاريخِ اليهودِ في أوروبا وذاكرةِ أحداث النازي، والحركةِ الصهيونيّة، وترويجِها لتحريرِ اليهود وإنقاذِهم بنقلِهم إلى فلسطين، وكذلك انشطار الهُوِيّة داخلَ المجتمع الإسرائيلي بعد فشلِ سياساتِ الصهر في خلق نسيجٍ ثقافي/اجتماعي موحدٍ للمهاجرين اليهود القادمين من خلفيّاتٍ ثقافيّةٍ متعدّدة، والتحوّلات التي رافقت تعيينَ وضعِ اليهود القادمين من الدولِ العربيّة، وتحديدَ النظرةِ إلى الثقافةِ العربيّةِ التي يمثلونها.