Menu

تونس عوامل متعدّدة عمّقت الأزمة

د. رضا مقني

 صدر لنا نصّ يوم 21 جانفي 2011 تحت عنوان "انتفاضة 2011: خطوة مهمّة على طريق النّضال الوطني الدّيمقراطي". وقد حذّر النّصّ، بعد أن أشاد بانتفاضة ديسمبر/جانفي 2011، من عدّة تطوّرات لاحقة ممكنة. فجاء في النّقطة الأولى قولنا "أنّ الثوريّين لا يخفون الحقيقة عن الجماهير ويتجنّبون زرع الأوهام أو النّفخ في الانتصارات كما أنّهم لا ينتقصون من قدرات الشّعب الخلاقة على صنع المعجزات وإنجاز التّحوّلات التّاريخيّة غير أنّه من الضّروري التّنبيه، ارتباطا بوفائنا لخطّنا ولقراءتنا لواقع قطر نا في علاقته بمحيطه العربي والدّولي، من المسائل التّالية:

أوّلا: لم تسقط انتفاضة 2011 النّظام اللاوطني واللاديمقراطي ولم تكن قادرة على ذلك بحكم غياب الأدوات الضّروريّة، ولكنّ الانتفاضة فتحت آفاقا واسعة أمام الطّبقات الشعبيّة لتتنظم وتتدرّب وتستعدّ لخوض نضالات جديدة من أجل الحفاظ على المكاسب وإنجاز مهامّ جديدة بأبعادها الوطنيّة والقوميّة.

ثانيا: اختلطت في هذا المسار مصالح فئات اجتماعيّة مختلفة، فمنها الكادحة ومنها المنتمية إلى شرائح وسطى وأخرى عليا لها ارتباطات بمصالح امبرياليّة وإن أخفت ذلك مؤقّتا تحت يافطة "الدّيمقراطيّة" و "الثورة الشعبيّة" وغيرها.

ثالثا: ستسعى كل فئة، دفاعا عن مصالحها، للتّنظم وإيجاد الأداة السّياسيّة المعبّرة عن مصالحها الطبقيّة وعن مرجعيّتها الإديولوجيّة. وستستميت هذه القوى من أجل افتكاك مواقع في المنظمات المهنيّة ومؤسّسات الدّولة ومحاولة كسب ثقة الجماهير والتّرويج لبرامجها السّياسيّة وهو ما سيضفي إلى تطوّر حركة الصّراع الطبقي والوطني في القطر خاصّة إذا أضفنا لذلك مطالب الجماهير الاجتماعيّة والاقتصاديّة المشروعة التي ضحّت من أجلها والتي لن تسكت على أيّة لامبالاة اتّجاهها.

رابعا: الظاهرة الدّيمقراطيّة في المجتمعات الزّراعيّة المهيمن عليها تتميّز بهشاشتها. فهي كظاهرة ليست لها قاعدة مادّية متينة. ثمّ إنّ قاعدة المجتمع المادّية "المتخلفة" تنتج باستمرار رؤى وبرامج فكريّة وسياسيّة مضادّة لحركة التّاريخ ومهدّدة لمصالح الجماهير تعمل على ضرب المكاسب التي تحقّقت وتجعلها تحت رحمة الأعداء المتربّصين بها.

خامسا وأخيرا: دخل الجيش التّونسي لأوّل مرّة مسرح الحياة السّياسيّة في تونس وقد استفاد من مساهمته في إسقاط عصابة زين العابدين بن علي واكتسبت قيادته تجربة في إدارة الصّراع ستمكّنها لاحقا من استثمار هذا الرّصيد عند حدوث أيّة تطوّرات سياسية واجتماعيّة قد يشهدها قطرنا.

كانت تلك هي أهمّ النّقاط التي نبّه لها نصّنا الصّادر بعد أسبوع فقط من سقوط حكم زين العابدين بن علي. وكانت تلك هي البوصلة التي قادتنا في قراءتنا لمختلف الأحداث التي عاشتها تونس طيلة العشريّة الماضية وصولا إلى يوم 25 جويلية 2021.

إنّ العوامل المتحكّمة في الوضع في تونس طيلة العشريّة الماضية وقبل انتفاضة 2011 كانت دوما تختزل في ثلاثة محاور أساسيّة متمثلة في تطوّر وتصاعد النّضالات الشعبيّة أوّلا، واشتداد الصّراع داخل السّلطة حول كيفية معالجة هذه النّضالات ثانيا، وصراع الامبرياليّات على مراكز نفوذها في تونس ارتباطا بوضع إقليمي وعربي وبمسار الصّراع العربي – الصّهيوني ثالثا.

لقد تجذّرت وتنوّعت النّضالات الشعبيّة بعد 2011. واتّسعت لتشمل فئات اجتماعيّة لم تكن منخرطة في النّضال الشّعبي بنفس الدّرجة. فاكتسحت الاحتجاجات المدن والقرى.  واتّخذت النّضالات أساليب متنوّعة. فكانت الاعتصامات وقطع الطرقات والإضرابات وإضرابات الجوع والمسيرات. واكتسب شباب الأحياء الشعبيّة والقرى تقاليد جديدة في مواجهة قوات البوليس والتّصدّي لها بشكل أفزع حكومات ما بعد 2011 التي كان دوما لحركة "النّهضة" الثقل الرّئيسي فيها مباشرة أو بصفة غير مباشرة.

تعمّقت أزمة النّظام التّونسي الحاكم بتصاعد الغضب الشّعبي وباحتداد الصّراعات في صلبه بين حركة "النّهضة" والدّستوريين التي تخفت تارة- مثلما حصل في فترة الباجي قائد السّبسي- وتشتعل تارة أخرى. وأضيف للأزمة السّياسيّة وضع اقتصاديّ صعب جدّا إذ ارتفعت نسبة البطالة حسب الأرقام الرسميّة من 14% بنهاية سنة 2010 إلى 20% في 2021. وارتفع حجم الدّيون الخارجيّة لتبلغ نسبتها 90% من النّاتج المحلّي الإجمالي أي حوالي 100 مليار دينار (30 مليار دولار). وتحتاج تونس هذه السّنة لتمويل بحوالي 6 مليار دولار من القروض لتكملة الميزانيّة وتسديد قروض. وقد اعتبر العديد من خبراء الاقتصاد أنّ تونس في حالة إفلاس غير معلنة وأنّها ارتهنت للخارج وستضطرّ لتقديم تنازلات مضرّة بمصالح أوسع الجماهير طبقا لشروط صندوق النّقد الدّولي.

وعمّقت من جهة أخرى أزمة الكوفيد الوضع في تونس خاصّة بعد ظهور عدم قدرة المنظومة الصّحيّة العموميّة على مواجهة انتشار الوباء مقابل جشع القطاع الخاصّ؛ إذ احتلت تونس المرتبة الأولى عربيّا وإفريقيّا مقارنة بعدد السّكّان في عدد ضحايا الكوفيد.  وتعالت النّداءات في مشهد مأساوي مطالبة بالأكسجين الذي عانت من فقدانه عدّة مستشفيات وبأسرّة الإنعاش وتأخّر إضافة لذلك توفير اللقاح لتطعيم التّونسيّين.

كان لأزمة الكوفيد أيضا انعكاسات سيّئة على الأوضاع الاجتماعيّة لعدّة فئات تضرّرت من حالات الحجر الصّحّي ومنع الجولان. ولم تتمكّن حكومة هشام المشيشي من معالجة هذه الأزمة، بل إنّها عانت بدورها من حالة الشّلل التي أصابتها، بسبب رفض قيس سعيد استقبال عدّة وزراء لأداء اليمين الدّستوريّة متّهما بعضهم بالفساد ممّا زاد من حدّة الصّراع بين جناحي السّلطة: جناح النّهضة وحلفائها من ناحية وجناح قيس سعيّد والأحزاب الدّاعمة له الممثلة في "الكتلة الدّيمقراطيّة" داخل البرلمان.

لم يكن بوسع حركة "النّهضة" رغم نفوذها داخل البرلمان من تمرير التّحوير الحكومي المصادق عليه من قبل البرلمان وإقامة المحكمة الدستوريّة؛ بسبب رفض قيس سعيّد لذلك مستعملا حقّه في الإمضاء على القوانين وضرورة أداء الوزراء لليمين قبل الشّروع في مباشرة مهامّهم. وازداد المشهد السّياسي رداءة وترذيلا بانخرام الأوضاع داخل البرلمان  وتصاعد الصّراعات بين الكتل وبصفة رئيسية كتلتي "النهضة" و "الحزب الدّستوري الحر" إذ تتالت الجلسات التي لا تكتمل أشغالها وتعدّد تداول أسماء نوّاب فاسدين مورّطين في التّهريب والتّحيّل واستعمل العنف بين النّوّاب.

لقد قرفت الجماهير هذا المشهد السّياسي المتأزّم المقترن بفضائح فساد مالي شملت أحزابا سياسيّة ونوّابا ووزراء، بل إنّ قيادات من حركة "النّهضة" طالبت، دون خجل وبكل وقاحة، بتعويضات كجبر ضرر لأعضائها قبل 25 جويلية بلغت قيمتها 3000 مليار دينار، في حين لم تقدر الحكومة على توفير الأموال الضّروريّة للميزانيّة التّكميليّة. وارتفع من ناحية أخرى صوت رئاسة الجمهوريّة المندّدة بالفساد والمهدّدة والمتوعّدة بمحاسبة "الذين يقفون ضدّ مصالح الشعب". وتسارعت وتعدّدت لقاءات قيس سعيّد بقيادات الجيش والأمن مع تأكيد من قبله على أنّه "القائد الأعلى للقوّات المسلّحة والأمنيّة" كما أنجز قيس سعيد في ظرف وجيز عدّة زيارات خارجيّة لدول مثل مصر والعربية السعودية وليبيا وفرنسا.

راقبت القوى الامبرياليّة والصّهيونيّة والرّجعيّة العربيّة تعفّن الوضع السّياسي والاقتصادي في تونس. وتدخّلت المحاور الاقليميّة بالدّعم المالي والإعلامي للتّأثير في القرار التّونسي ولتقطع الطّريق أمام تجذّر وتطوّر الغضب الشعبي بشكل تصعب السّيطرة عليه وترويضه. وبدت القرارات المتّخذة من قبل قيس سعيّد مساء 25 جويلية 2021 قرارات معدّة منذ مدّة بعد أن رفض رئيس الجمهوريّة الحوار الوطني الذي دعا له الاتّحاد العام التّونسي للشغل منذ بداية السّنة واستغل قبح المشهد في البرلمان ونقمة شعبيّة واسعة ضدّ هذه المؤسّسة وضدّ حركة النهضة ورئيسها. وجاءت هذه القرارات التي جمّدت البرلمان وأسقطت الحكومة وجمّعت السّلطات بيدي الرئاسة لتحسم الصّراع بين أجنحة السّلطة وتحدث تغييرا في موازين القوى لصالح جناح الرّئاسة.

إنّ مرحلة ما بعد 25 جويلية التي تراهن عليها بعض القوى العروبيّة  اليساريّة إلى حدّ القول "أنّها انتصار للمسار الثّوري" تنطوي على مخاطر عديدة تتعلّق بالوضع الاقتصادي والاجتماعي وبمكاسب انتفاضة 2011 المتمثلة أساسا في الحرّيات العامّة والفرديّة خاصّة إذا علمنا أنّ قيس سعيد أعلن خلال حملته الانتخابيّة الرئاسيّة "أنّه لا يملك برنامجا  ووعودا" واعتبر في بعض التّصريحات "أنّ عهد الأحزاب ولّى" رافضا النّظام البرلماني ومناصرا للنّظام الرّئاسي ولما سمّي بالانتخاب المباشر تحت شعار "الشّعب يريد" في حين كان شعار انتفاضة 2011 "الشّعب يريد إسقاط النّظام".

لقد انقسمت الأحزاب السّياسيّة إثر إجراءات 25 جويلية بين مناصر بصفة لا مشروطة مراهنا على توظيف شعبيّة الرّئيس لصالحه لجني الأصوات خلال انتخابات قادمة وعلى موقع داخل السّلطة، ومناصر مع بعض التّحفّظ تحت عنوان المطالبة بخارطة طريق  وتشكيل حكومة جديدة والتّحذير من ضرب الحرّيات العامّة و الفرديّة، وقد انضمّ لهؤلاء اتّحاد الشغل في حين اعتبر حزب العمّال ما حصل انقلاب ونبّه لخطورة الوضع.  وأصدرت قوى يساريّة أخرى لم تنخرط في تجربة "الجبهة الشعبيّة" سابقا بيانات أكّدت على أنّ ما حصل هو حسم في اتّجاه واحد لصراعات أجنحة داخل السّلطة لن يكون حولها أوهام كثيرة.

إنّ الأيّام القادمة قد تحمل في طيّاتها العديد من المفاجآت تجعل بعض المراهنين على حدث مساء 25 جويلية يستفيقون من سباتهم ويقتنعون أنّ المراهنة الصّحيحة والثوريّة، هي تلك التي تراهن على الشّعب بتنظيمه وتدريبه سياسيّا وجمعياتيّا على استكمال مشوار انتفاضة 2011، في إطار برنامج وطني ديمقراطي شعبي واضح؛ يقطع مع الإصلاحيّة والرّجعيّة  وينتصر للقضايا المحليّة والقوميّة ويقف سدّا منيعا ضدّ التّطبيع مع الكيان الصّهيوني  ويكون مع وحدة سوريا والجزائر وليبيا ومع المقاومة الوطنيّة في لبنان.