Menu

نقاشٌ حولَ النّظامِ السّياسيّ الفلسطينيّ

حسن شاهين

نشر في العدد 28 من مجلة الهدف الرقمية

باحثٌ وكاتبٌ فلسطينيّ/ مصر

على مدارِ العشرين سنةً الماضية، ظلّ موضوعُ "النظام السياسي الفلسطيني" أساسًا في النقاشِ السياسيّ الفلسطيني، وجزءًا من مبادراتِ سياسيّةٍ ومشاريعَ تدعو إلى إصلاحٍ أو تجديدٍ أو حتّى تغيير. وكلّ ذلك منطلقٌ من مسلّمةٍ أن هناك نظامًا سياسيًّا فلسطينيًّا شاملٌ للشعبِ الفلسطيني، وهذه مسلّمةٌ ستحاول السطورُ القادمة فحصَها.

عادةً ما يلتبس مفهومُ النظامِ السياسي عند عامةِ الناس، وحتى لدى كثيرٍ من السياسيّين والمثقّفين، فينظرون له كتعبيرٍ عن المؤسساتِ الحكوميّةِ وغيرِ الحكوميّة في المجتمع. في الواقع إنّ مفهومَ النّظام السياسيّ أوسعُ وأكثرُ تعقيدًا من ذلك، ولا يمكن اختزالُهُ بتشكيلاتٍ وهياكلَ مؤسّساتيّة، فهو يعبّرُ عن علاقاتِ التفاعل والتأثيرِ متعدّدةِ الاتجاهات، في ما بين المؤسساتِ والأفرادِ السياسيّين. فبحسب المدخل الاتّصالي لـ"كارل دويتش"؛ النّظامُ السياسيّ هو نظامٌ اتّصالي ينظّم سلوكَ الأفرادِ الذين يعتبرون الوحدةَ السياسيّةَ هي الأولى في المجتمع، بينما نظر "ماكس فيبر" للنّظامِ السياسيّ إلى أنّه احتكارُ ممارسةِ القوّةِ الشرعيّة، وذهب "روبرت .أ.دال" إلى أن النظامَ السياسيّ هو علاقاتُ النفوذ والقوّةِ والتحكّمِ الفاعلة في مجتمعٍ ما، وكذلك بين المجتمعاتِ على الصعيدِ الدولي، بَدْءًا من الأسرةِ التي عدَّها أصغرَ نظامٍ سياسيّ وصولًا إلى النّظامِ الدوليّ القائم.

وليكون الفردُ أو الجماعةُ جزءًا من نظامٍ سياسيّ معيّنٍ لا بدّ أن يتأثرَ ويشاركَ في علاقاتِ النفوذِ والتحكّمِ والقوّة لهذا النظام، ولا يكفي أن تربطَهُ صلةُ دمٍ أو هُوِيّةٌ أو جنسيّةٌ بأفرادِ النّظام.

وَفْقَ محاولةِ التأصيلِ السريعةِ أعلاه لمفهومِ النّظام السياسي، نجد بوضوحٍ أن تأثّرَ الأفرادِ بعلاقاتِ النفوذِ والتحكّمِ والقوّةِ نفسِها شرطٌ أساسيٌّ لاعتبارِهم جزءًا من النّظامِ أو المنظومةِ السياسيّة الواحدة، وإن اعتبرنا ذلك شرطًا معياريًّا في رسمِ حدودِ النّظامِ السياسيّ، نستطيعُ أن نتبيّنَ حقيقةَ الحالةِ السياسيّةِ الفلسطينيّة، وهل هناك نظامٌ سياسيٌّ فلسطينيٌّ شامل، يؤثر ويتأثر به معظمُ أفرادِ الشعبِ الفلسطيني داخلَ فلسطين وخارجَها أم لا؟

قد يتساءل البعضُ ما أهميةُ مثلِ هذا النقاشِ النظريّ؟ وما جدوى النظرِ في النّظام أو النظمِ السياسيّةِ الفلسطينيّةِ والبحثِ فيما إذا كان الأفرادُ والتجمّعاتُ الفلسطينيّة يربطها نظامٌ سياسيٌّ واحد؟ ماذا يفيد مثل هذا البحثِ في إحداثِ أيّ تغيير؟

في الواقع، يمكن فهمُ النفورِ من النقاش النظريّ من قبلِ المتحمّسين للعمل، وأولئك الذين ضاقوا ذرعًا بالسياسةِ والكلامِ السياسي، ويرون أنه لا يؤخّر ولا يقدم، لكنّ النقاشَ النظري مهمٌ جدًا لفهمِ حقيقةِ الموقف الذي نواجهه، ومراقبةِ حركةِ المعطياتِ المؤثرة بالبيئة حولَنا، واختبارِ أدواتِنا وصلاحيّتِها. فلا بدّ قبلَ الشروعِ بالعمل أن نعرفَ الأرضَ التي نقف عليها، هل هي صلبةٌ يمكن الانطلاقُ منها لتحقيقِ الأهداف، أم رخوةٌ آيلةٌ للانهيارِ في أي لحظة؟ كذلك بالنسبةِ للأهداف؛ هل هي قابلةٌ للتحقيق أم لا؟ وفي كلتا الحالتين يجب البحثُ عن إجابةٍ لسؤال ما العمل؟ أيضًا تمحيصُ الخطابِ السياسي، هل هو واقعيٌّ مرتبطٌ بمهامِ عملٍ محدّدةٍ وواضحة، يعرضها للجمهور ويحثّه على الانخراط بها ودعمها؟ أم هو بروباغندا، أو خطابٌ شعبويٌّ لتخديرِ الناس وتضليلِهم، أو مجردُ خطابِ أمنيات؟

على كلّ حال، إنّ تهميشَ النقاش النظريّ في السياسة الفلسطينية؛ يعكس سيطرةَ الراهنِ على فعل كياناتِها، وغيابَ الماضي والمستقبل عن عقلها، ما يعني غياب التفكير العلمي والفكر السياسي.

بعد هذا الاستطراد حولَ أهميّةِ النقاش النظري نعود إلى الفكرةِ الأساس؛ هل هناك نظامٌ سياسيٌّ فلسطينيٌّ يتّصل بالشعب الفلسطينيّ كلِّه اليوم؟ وإن وجد، فما طبيعتُه؟ وما أهميةُ تعريفِه؟

إنّ الواقعَ الذي فرضته النكبةُ على الشعب الفلسطيني، جعل وجودَ نظامٍ سياسيٍّ بالمعنى المتعارفِ عليه أمرًا غيرَ ممكن، إلا أنّ وجودَ منظمةِ التحرير، وانطلاقَ فصائلِ العمل الوطني الفلسطيني ونشاطَها في كلّ أماكنِ وجودِ الشعب الفلسطيني؛ شكّلَ حالةً أشبهَ بالنّظام السياسي، أو شبهَ نظامٍ سياسيٍّ إن صحّ التعبير، تفاعل معها قسمٌ كبيرٌ من الشعب الفلسطيني رغمَ خضوعهِ لنظمٍ سياسيًةٍ مختلفةٍ في الوقت ذاته، داخلَ فلسطين المحتلّة، وفي بلدانِ اللجوء. هذه الحالة كانت الشكلَ الأرقى من بين أشكالِ مقاومةِ الشعب الفلسطيني لعمليةِ نفيهِ التي أطلقتها النكبة؛ لأنّها عبّرت عن مستوًى متطوّرٍ من التنظيمِ السياسي، والتعبئةِ الشعبيّةِ الماديّة والمعنويّة، الطوعيّة في معظم الأحيان.

لا شكّ أنّ مسارَ أوسلو وما أفضى إليه قوّض تلك الحالةَ لما يشبه نظامًا سياسيًّا فلسطينيًّا شاملًا، مع إفراغِ منظمةِ التحرير من مضمونِها، وتركّز عملُ جميعِ الفصائل المؤثرة في الداخلِ الفلسطيني المحتلّ عامَ 67، فأصبح النظامُ السياسيّ الفلسطيني مصطلحًا يعني الحالة في الضفة و غزة حصرًا.

المشكلة تكمن في أنّ القيادةَ المهيمنةَ على المنظمة، الحالية والسابقة، كذلك منافستها الأبرز و"شريكتها" في الانقسام، حركة حماس ؛ لا تريان في هذا الوضعِ مشكلةً، فقد عزّزتاه على مرِّ السنين بالممارسةِ العمليّةِ السياسيّة. وحتى توافقهما نظريًّا على تفعيلِ منظمةِ التحريرِ ودخولِ حماس إليها، كان هروبًا من مهمّة توحيدِ النظامِ السياسي في غزّةَ والضفة إلى مظلّةٍ خارجيّةٍ، صلاحياتُها محدودةٌ وتأثيرُها ضعيف، تُظهر شكليًّا أنْ هناك وحدةً للمؤسسة الفلسطينية، بالضبط كالدور الذي كان يفترض أن يلعبه المجلسُ التشريعي للسلطة الفلسطينية لو جرت الانتخابات.

عودةً للنقطةِ المحورية، من السهل إطلاقُ خطابِ الأماني، يتحدث عن ضرورةِ إصلاحِ النظام السياسي الفلسطيني أو تغييره أو تجديده، لكنّ المطلوبَ من القوى والمجموعاتِ والأفراد الذين ما زالوا متمسّكينَ بقضيّةِ فلسطين، كما هي، أن يصارحوا الجمهورَ الفلسطينيَّ بالحقيقة؛ لا وجودَ لنظامٍ سياسيٍّ فلسطينيٍّ شاملٍ للشعب الفلسطيني اليوم، هناك فقط نظامٌ مأزومٌ وممزّقٌ لجزءٍ من الشعبِ في غزةَ والضفة، والطرفان اللذان يتقاسمان مؤسساتهِ الرسميّة، يستخدمان مسألةَ إعادةِ ترتيبِ منظّمةِ التحرير للتغطيةِ على عدم جديتهما في إنهاءِ الانقسام. حتى لو نُفّذت مقرراتُ الحوار الوطني الخاصة بالمنظمة فلن تعود هذه الأخيرة -في ظلّ توافقِ فتح وحماس أو تنافرهما- وطنًا معنويًّا للشعب الفلسطيني، وعمودًا للنظامِ السياسيّ الفلسطينيّ الشامل.

هذه المصارحةُ والمكاشفةُ التي يجب أن يقوم بها هؤلاء الذين يرفضون المصيرَ الذي تقود فتح وحماس القضيةَ الفلسطينية إليه، بتشجيعٍ وتمويلٍ من النظامِ الدولي، مباشرةً أو عبرَ أدواتهِ في المنطقة، تستدعي منهم أن يبادروا إلى تشكيلِ تحالفٍ ديموقراطي وطنيٍّ واسع، يمكن أن يُحدثَ تغييرًا ملموسًا في الموازين، ويضغطَ لإعادةِ الاعتبار لمنظمة التحرير كمؤسسةٍ صاحبةِ دورٍ وفعلٍ وتمثيلٍ حقيقي، وربما يمكن أن يشكّلَ نواةً لمشروعِ نظامٍ بديل، إن تعذّر إنقاذُ المنظمة، وهذه مناقشةٌ أخرى.