بات شعار "التطبيع خيانة" شعارًا جامعًا وموحدًا لكل الأفراد والقوى المنخرطة في رفض التطبيع ومقاومته، وبات وسمًا ثابتًا وموحدًا للحملات الالكترونية المضادة للتطبيع والمطبعين، بكل ما ينطوي عليه الوسم من دلالات ومعاني أخلاقية سلبية، وعلى الرغم من أهمية وأساسية هذه المسألة إلا أن تكرارها والاكتفاء بمعناها السلبي المباشر، دون التحديد الدقيق والواضح لأسباب هذه السلبية، ومحدداتها الواضحة، قد يجعل من الشعار على المدى الطويل شكلًا من أشكال التمائم التي يرددها الإنسان بشكل آلي، دون أن يدرك معناها من ناحية، ودون أن يعي الأعمال الواجب عليه القيام بها لدرء هذه الخيانة التي لا تلطخ صاحبها فقط، وإنما تطال من يقاومها أو يرفضها رفضًا سلبيًا أيضًا. وهذا المقال محاولة للتحديد الدقيق للمعني الذي ينطوي عليه شعار التعبير خيانة، بما يترتب على ذلك من ضرورة صياغة أشكال العمل من أجل درء هذه الخيانة ومنعها من الانتشار. وفي هذا السياق يترتب عن أي عملية تطبيع، وبشكل مباشر، بناء صور ذهنية عن الصراع ومجرياته وتداعياته في وعي المتطبع، ثم تقوده هذه الصور رغمًا عنه، إلى القبول بالأيديولوجيا المنتجة للمشروع الصهيوني، وبترجمته على أرض الواقع، والتغاضي عما يتعرض له الشعب الفلسطيني، والتكيف مع الأهداف التي ما زالت مدرجة على جدول أعمال الحركة الصهيونية، ويتلخص ذلك في ست مترتبات هي:
أولًا. الاضفاء: اضفاء الشرعية على ما لا شرعية له
اضفاء صفة الطبيعية على واقع سابق لم يكن طبيعيًا ومناقضًا لمبدأ العدالة، وهو بذلك لا يعيد الأمور إلى طبيعتها وإنما ينقض هذه الطبيعة، وبذلك يقر بأن وجود إسرائيل في قلب الوطن العربي هو وجود طبيعي، ويعترف بكينونتها كدولة شرعية، تتمتع بكامل السيادة التي تخولها إقامة علاقات مع نظيراتها من الدول، وعدم التعامل معها على أنها دولة احتلال أو كيان مغتصب (أبوطربوش:13/9/2017). فالإقرار يعني الاعتراف بشرعية الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني المسمى «إسرائيل»، وشرعية مشروعه، والتعاطي معها على أنها جميعها أمر طبيعي. وبالنتيجة يتعامل المتطبعون، سواء على مستوى الحكومات، أو الأفراد، والجماعات مع إسرائيل، كجزء طبيعي من الشرق الأوسط، ويتجاهلون دورها في التطهير العرقي والجرائم المستمرة ضد الشعب الفلسطيني (Dana:1-6-2017) والشعوب العربية.
ثانيًا. الانكار: انكار حق الشعب الفلسطيني في المقاومة
يقود الاضفاء والاقرار إلى انكار ما حل بالشعب الفلسطيني وبالمنطقة، جراء الوجود غير الشرعي لإسرائيل، بما يترتب على ذلك من حرمان شعوب المنطقة حقها في أرضها، وفي تكوين خياراتها الحرة (الشولي:20ــ2ــ2013)، وكذلك انكار الحق في مقاومة الاحتلال، بما يترتب عليه من اعتبار المقاومة تصرفًا غير طبيعي؛ لأنها تحارب ما تم تطبيعه وصار طبيعياً. فالمتطبع لا يهدف إلى مقاومة أو فضحِ الاحتلال، وكلِّ أشكالِ التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطينيّ، وبذلك يلغي الحق التاريخي للأمة العربية والإسلامية في فلسطين والأراضي العربية المحتلة.
ثالثًا. المخالفة: مخالفة أسس القانون الدولي
مخالفة الشرائع القانونية الدولية، فإذا كان التعريف القانوني للتطبيع، يقوم على "العودة إلى العلاقات الطبيعية بين الدول"، فإن الانتقال في العلاقات بين الطرفين (المتنازعين) من مرحلة العداء إلى مرحلة طبيعية، تنتفي فيها حالة التناقض أو الحرب، وتقوم على أساس المصالح المتبادلة وحسن الجوار والتعاون. يصطدم في الحالة المعنية بثلاثة قضايا:
1ــ أن دولة "إسرائيل" لم تكن موجودة أصلًا قبل خمسين سنة حتى تدعو الدول المجاورة إلى إعادة العلاقات معها إلى طبيعتها.
2ـــ أن "العلاقات الطبيعية" في هذه الحالة هي ذات طابع مستقبلي، يسمح لإسرائيل النيل من الحقوق الطبيعية المستقرة للدول ولمجتمعاتها، لأنها تفرض عليهم شروطاً، على المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية والإعلامية والثقافية، دون أن يكلفها هذا التطبيع شيئًا (حماد:12ــ11ــ1999).
3ــ يتصادم مع القانون الدولي، في نصه على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتحرير أراضيها من الاحتلال.
رابعًا. الدعم: دعم "إسرائيل" وتغطية جرائمها
تتمثل النتيجة المترتبة على الإقرار والانكار والمخالفة، في أن المتطبع يوفر قاعدة دعم واسناد لإسرائيل على أربعة مستويات:
1ــ إطلاق يدها في ارتكاب الجرائم ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، ودائمًا كانت هناك علاقة طردية بين التطبيع وارتفاع معدل الجرائم الصهيونية، لذلك كانت إسرائيل ترد على كل مبادرة أو خطوة تطبيع بمزيد من الغطرسة. فبعد كامب ديفيد عام 1979، شنت الحرب على لبنان عام 1982، وبعد أوسلو زادت من بناء للمستوطنات الإسرائيلية، والاعتقالات والسطو على الأراضي. على ضوء ذلك، فإن المتطبعين يندرج عليهم الاتهام بالمشاركة في ارتكاب جرائم ضد الانسانية؛ لأنهم يساعدون إسرائيل كمجرم أساسي بتوفيرهم الظرف المناسب للقيام بجرائمها (خلف:2ــ4ــ2019).
2ـــ تراجع الموقف التضامني الدولي مع القضية الفلسطينية؛ فقبل اتفاقية أوسلو كان كل ممثلين الدول العربية يقاطعون المندوب الإسرائيلي، عند القاء كلمته، وينسحبون من الجمعية العمومية في الأمم المتحدة، ومعهم كثير من مندوبي الدول الأسيوية والإفريقية، لكن التطبيع أنهي هذا الموقف التضامني العالمي، ولم يعد مندوبي تلك الدول معنيين بالأمر، بل أن دولهم باتت بدورها تعيد علاقاتها وترتبها مع إسرائيل (خلف:2ــ4ــ2019).
3ـــ تحقيق مكتسبات على جبهة الصراع الإيديولوجي. فبعد أن تمكن العرب وحلفائهم من انتزاع قرار من الجمعية العمومية يعتبر الصهيونية حركة عنصرية، تم إلغائه بموافقة العرب كثمن لمؤتمر مدريد، وقد ارتبط بذلك إلغاء الجلسات التي كانت تعقد في المؤتمرات الدولية، مثل مؤتمر العمل الدولي في جنيف، للمقارنة بين إسرائيل ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وكذلك العمل على تكييف المناهج الدراسية بما يتوافق ومصلحة إسرائيل، بما يعنيه ذلك من تقويض حضاري وتدمير ثقافي لأجيال قادمة، وكذلك تسطيح الوعي بالصهيونية كحركة عنصرية.
4ــ توفير الظروف لمحاصرة حركة المقاطعة وتقويض جهودها، وفي هذا الصدد يتم توظيف التقدم في عملية التطبيع في مواجهة حركة المقاطعة في الساحة الدولية. ويلخص أحد الباحثين الإسرائيليين هذه المسألة بالقول: "إن الأمر الذي نستطيع تحقيقه اليوم بغطاء أميركي، وبمساعدة أوروبية، وبتأييد دولي وبموافقة من معظم العالم العربي، ليس مضمونًا في المستقبل؛ عملية كهذه ستحسن مكانة إسرائيل في العالم وتعطي مصداقية بأنها تسعى إلى السلام، وتعزز مطالبها للأمن، وتوقع ضربة قاصمة بأولئك الذين يقومون بحملة مقاطعة وعدم شرعية لإسرائيل" (غيل:11ــ12ــ2014).
خامسًا. التعطيل: تعطيل وارباك قوى محور المقاومة
إن التطبيع وبقدر ما يفتح المجال لإطلاق اليد «الإسرائيلية» في الواقع العربي، ويمكنها من إقامة الأحلاف التي تعمل لمصلحتها، وتسقط القضية الفلسطينية من أجندتها، فإن الوجه المقابل لهذه العملية هو اجبار محور المقاومة على التحوّل من القتال من أجل استعادة الحقوق الفلسطينية، إلى واقع الدفاع عن النفس على شتى الصعد الوجودية والكيانية والسيادية والأمنية (حطيط:11 ــ 3 ــ 2021).
سادسًا. المصادرة: مصادرة حق الأجيال القادمة في التحرر
إن التطبيع يصادر حق الأجيال القادمة في شق طريقها نحو مستقبل أفصل؛ فجريمة التطبيع لا تتوقف تأثيراتها على الجيل الحاضر، بل تقطع الطريق على الجيل القادم، وتمنعه من التقدم بثقة نحو التحرير والتحرر من التبعية والنهوض بالأمة، ذلك لأن التطبيع بكسره لحاجز العداء النفسي مع الصهاينة؛ يعمل على تدجين الأجيال القادمة وتزييف وعيها وتغييبه، من خلال غسل الدماغ بواسطة البرامج الإعلامية، ومن خلال مناهج التعليم التي تتعرض للتعديل الدائم، بهدف اجتثاث كل معاني الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية وعقيدتها ومقدساتها وقضاياها الحرة والعادلة (فطافطة:7ــ10ــ2020). وبالنتيجة دفعها للتسليم بالهزيمة التاريخية امام الكيان الصهيوني.
هذه المترتبات الستة بكل ما تحمله من مضامين ودلالات أخلاقية وسياسية هي التي تجعل من شعار "التطبيع خيانة" وصمة عار على جبين كل من انخرط في مسار التطبيع، ودعوة للنضال والفعل لكل من اختار موقف الرفض للتطبيع، بهدف نقل هذا الموقف من خانة التعبير إلى خانة التدبير.

