Menu

الدورُ الأمريكي وتوازناتُ السياسةِ الدوليّةِ بين الانسحابِ وإعادةِ الانتشار

د. سامح إسماعيل

نشر هذا المقال في العدد 28 من مجلة الهدف الرقمية

كان انعتاقُ السّياسةِ الخارجيّةِ الأمريكيِّة من مبدأ مونرو، الذي أقرَّ سياسةَ العزلة، إيذانًا بانفلاتِ قيودِ التعالقِ الاستراتيجي ما بينَ مفهومِ المصالحِ الأمريكيّة، وأطرِ الجغرافيا السّياسيّة، التي وضع مبادئَها الرئيسُ الأمريكي جيمس مونرو (1758 - 1831)، الذي حدّد المجالَ الحيويَّ لبلادِه، بحدودِ العالمِ الجديد، بعيدًا عن أوروبا التي مزّقها الصّراعُ الاستعماريُّ بين إنجلترا وفرنسا آنذاك.

وكان دخولُ الولاياتِ المتّحدةِ إلى أتونِ الحربِ العظمى الأولى، اختبارًا حقيقيًّا للدورِ الذي يمكن أن تسهمَ به واشطن في التّحوّلاتِ السّياسيّةِ في العالمِ القديم، قبل أن يتجلّى ذلك بوضوحٍ إبّانَ الحربِ العظمى الثّانية، ويتموضعَ مع مشروعِ مارشال، ثمّ على امتدادِ أحداثِ الحربِ الباردة، حيث عرفت واشنطن التّدخلَ الخشنَ في بؤرِ الصّراعِ ومناطقِ النّفوذِ الاستراتيجيّ، هنا وهناك.

كان الدرسُ الذي استوعبته الولاياتُ المتّحدةُ من تدخُّلِها المباشرِ في فيتنام، والثّمنُ الباهظُ الّذي دفعته، مؤشرًا على ضرورةِ حصولِ تغيّرٍ في البُنَى السّياسيّةِ الفاعلة، فيما يتعلّقُ بالتدخّلِ المباشر، باتّباعِ استراتيجيّةٍ جديدة، تقوم على احتواءِ أنظمةٍ بعينِها، وتفعيلِ برامجِ المساعدات، في مقابلِ الوجودِ العسكريّ، ومنحِ امتيازِ تكوينِ قواعدَ عسكريةٍ، بداعي حمايةِ النُّظمِ السّياسيّةِ القائمة، ومنعِ القوى الإقليميّةِ المعاديةِ من الهيمنةِ عليها؛ الأمرُ الذي ظهر بوضوحٍ مع مبدأ أيزنهاور عامَ 1957، الذي استحدثَ مفهومَ الفراغِ السّياسيّ، لكنّه لم يتكّمنْ من تحقيقِ أيّ نجاحٍ ملحوظ؛ بسببِ وجودِ قطبٍ آخر، وظهورِ المشروعِ القوميّ العربيّ، في منطقةِ الفراغِ التي استهدفَها أيزنهاور.

محاكاةُ النّموذجِ الفيتنامي

وكان استدراجُ السوفييت إلى شراكِ المستنّقعِ الأفغاني، نوعًا من تأكيدِ فشلِ النموذجِ الفيتنامي، باستنساخِهِ على الجانبِ الآخر، فبينما الجيشُ السوفياتي يعاني الأمرّين، كانت الولاياتُ المتّحدةُ تطوّق منطقةَ الشّرقِ الأوسطِ بجملةٍ من المعاهداتِ والاتفاقيّات، حيث انتشرت القواعدُ العسكريّةُ الأمريكيةُ في الخليجِ العربي، وأدخلت معاهدةُ كامب ديفيد، مصرَ إلى حظيرةِ النفوذِ الأمريكي، وتبنّت الولاياتُ المتّحدةُ مقولاتِ جماعاتِ الجهادِ الإسلاميّ؛ لتأمينِ وجودِها العسكريّ في المنطقة، وتقويضِ النّفوذِ السّوفياتيّ في أفغانستان.

استغلت الولاياتُ المتّحدةُ، الغزوَ العراقيَّ للكويت؛ لتكريسِ مفهومِ القطبِ الأوحد، الذي قاد جيوشَ العالمِ لتحريرِ بلدٍ مغتصب، وسرعانَ ما حلَّ الوجودُ العسكريُّ في المنطقةِ بشكلٍ أكثرَ كثافة، وبغطاءٍ سياسيّ، دشّنت معَهُ واشنطن شرعيّةَ وجودِها ببقاءِ نظامِ صدام حسين ( الذي قرّرت بعدَ سنواتٍ التخلّصَ منه )  وكان الصعودُ الإيرانيُّ في المنطقة، كفيلًا بخلقِ مشروعيّةٍ أخرى بديلة، بعدَ التخلّصِ من صدام حسين.

وتبدو أحداثُ 11 سبتمبر 2001، بمثابةِ المتغيّرِ الصادم، الذي أحدث نقلةً نوعيّةً في الاستراتيجيّةِ العسكريّةِ الأمريكيّة، حيث شنّت واشنطن حربًا مدمّرةً على أفغانستان، ثمّ العراقِ بعد ذلك؛ لتبدأَ مرحلةَ الوجودِ العسكريّ في محيطِ معادي، على غرارِ النّموذجِ الفيتنامي. وتبدأُ واشنطن مرّةً أخرى بدفعِ ثمنِ هذا الوجود.

مع عودةِ الحزبِ الديموقراطي إلى الحكم، قامت إدارةُ بايدن بإجراءِ مراجعةٍ عالميّةٍ لنشرِ القوّاتِ الأمريكيّة، ربما استكمالًا لقراراتِ ترامب، الذي سبق وأمرَ بسحبٍ عاجلٍ لما يقرب من 650 من قوّاتِ العمليّاتِ الخاصّةِ الأمريكيّةِ من الصّومال، ونقلِها إلى جيبوتي وكينيا، وسبق ذلك التوصّلُ إلى اتّفاقٍ مع حركةِ طالبان، على سحبِ القوّاتِ الأمريكيّةِ بحلولِ أيّار (مايو) 2021، لكنّ إدارةَ بايدن أرجأت الموعدَ النهائيَّ بعضَ الشّيء، قبل أنْ تشرعَ واشنطن في سحبِ جميعِ قوّاتِها بالفعلِ من أفغانستان، بالتّزامنِ مع خفضِ عددِ قوّاتِها الموجودةِ في العراقِ إلى 2500 جندي.

استراتيجيّةٌ جديدةٌ للتطويق

يأتي ذلك في ظلِّ خطّةٍ أعلنتها وزارةُ الدفاعِ الأمريكيّة، تتعلّقُ بالشروعِ في خفضِ الأنظمةِ الدفاعيّةِ الأمريكيّةِ في منطقةِ الشّرقِ الأوسط، التي سبق العملُ على تعزيزِها في عامي 2019 و2020، من أجلِ مواجهِة إيران، الأمرُ الذي يرتبطُ، ربّما، بتطوراتٍ إيجابيّةٍ في ملفِ الاتّفاقِ النوويّ مع طهران.

المتحدّثةُ باسمِ البنتاغون، جيسيكا ماكنولتي، كشفت في بيانٍ رسميّ، أنّ وزيرَ الدفاعِ لويد أوستن "أمرَ بسحبِ بعضِ القوّات، وخفضِ بعضِ القدراتِ العسكريّةِ الأمريكيّةِ من المنطقةِ هذا الصيف"، ما دفعَ البعضَ إلى التنبؤِ بأنّ الولاياتِ المتّحدة، ربّما ستعيدُ نشرَ هذهِ القوّاتِ في منطقةِ المحيطين، الهندي والهادئ؛ لكبحِ جماحِ الصين.

وزارةُ الدفاعِ الأمريكيّة، وَفْقًا لصحيفة، وول ستريت جورنال، "بدأت منذُ أوائلِ حزيران (يونيو) الفائتِ في سحبِ ثماني بطارياتٍ مضادّةٍ للصواريخِ من العراق و الكويت والأردن والسعودية، بالإضافةِ إلى درع ثاد المضادِّ للصواريخ، الذي نُشِرَ في السعوديّة".

وترتهنُ عملياتُ إعادةِ الانتشارِ التي ينفذها البنتاغون، بمعطياتٍ عدّة، ربّما تكونُ مؤشرًا لنهجٍ أمريكيٍّ جديد، تحاولُ من خلالهِ واشنطن، تجنُّبَ التورّطِ المباشرِ في مناطقِ النّزاع، والاعتمادَ على القوّاتِ المحليّة، مع تعزيزِ قدراتِ القواعدِ العسكريّةِ وحاملاتِ الطائرات، ودعمِ قدراتِها على شنِّ هجماتٍ إن تطلّب الأمر، للحفاظِ على التّوازنِ العسكريّ، فلا زالت واشنطن تمتلكُ القدرةَ على تحجيمِ حركةِ الشبابِ الصوماليّة، وكذا تقليمِ أظافرِ طالبان إن لزم الأمر، لكنّها تتطلّع نحوَ تعزيزِ قدراتِها في جنوبِ آسيا، ومراقبةِ الصين عن كثب، وإخلاءِ مناطقِ الرمالِ الناعمة، تمهيدًا للتعاملِ مع وضعٍ دوليٍّ جديد، قد يشهدُ تسويةَ الصّراعِ في ليبيا وسوريا، وما يترتّبُ عليه من إعادةِ رسمِ مناطقِ النّفوذِ بين واشنطن وموسكو وبكين، وتفعيلِ وسائلِ الهيمنةِ عن طريقِ القوى الناعمة، مع احتواءِ أنقرةَ وطهران، وكل ذلك يتطلّبُ إعادةَ الانتشار، لا الانسحاب، حيث تقوم الولاياتُ المتّحدةُ بوضعِ تشكيلاتٍ أيديولوجيّةٍ جديدة، موضعَ التّنفيذ، ترتكزُ على تخفيفِ الضّغطِ على قوّاتِها العاملةِ في مناطقِ التوتّر؛ عبرَ اتّفاقيّاتٍ تضمنُ لها النفوذ، دون أن تدفعَ الثمنَ الباهظ، الذي سبق ودفعته من قبل، وربما كان اتّفاقُها مع حركةِ طالبان، ومحاولاتُ التوصّلِ لاتّفاقٍ نوويٍّ جديدٍ مع إيران، مقدمةً لذلك النهجِ الذي يقومُ على احتواءِ القوى الأصوليّةِ الأقلِّ راديكاليّة، والأكثرِ قدرة على المناورة