Menu

غزة والحلقة المفقودة عربيًا

عبد المجيد بن شاوية

كاتب مغربي مهتم بالقضايا الفكرية والثقافية وباحث في الشؤون المغاربية وفاعل جمعوي

بداية لا يسعنا إلا أن نقدم تحية إجلال وإكبار للشعب الفلسطيني وهو يقاوم العدوان الصهيوني الغاشم، خصوصًا أهالي غزة الصامدين والشجعان والبواسل في حرب غير متكافئة بين طرف لا يملك غير سلاح الروح والشهادة، وطرف أخر يملك كل الوسائل المتطورة والتكنولوجيا العسكرية الأكثر شراسةً وتدميرًا وسفكًا للدماء والأرواح، والتي تأتي على الأخضر واليابس، إضافة إلى الدعم المادي والسياسي والأيديولوجي والاقتصادي من قبل القوى الإمبريالية الجديدة، إنها حرب بين طرف يرزح تحت نير الاحتلال والاستعمار طيلة عقود من الزمن، لم ينعم بشروط الحياة الكريمة ولا بتحقيق أسس دولة ذات سيادة، وطرف آخر بنى نفسه انطلاقًا من الأساطير الصهيونية ذات المرجعيات والأصول العنصرية ونهج سياسة الفساد والإفساد في الأرض والعباد في المنطقة الشرقية برمتها؛ ففكر وخطط وطبق كل ما تم التفكير فيه والتخطيط له، ولا زال هو الفاعل الرئيسي في كل المخططات التاريخية والإستراتيجية ليس في المنطقة بذاتها، بل في المسرح العربي والإسلامي عامة، من المحيط إلى الخليج، وفي كل المسارح الدولية على جميع الجبهات السياسية منها والدبلوماسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية.
إن جغرافية الكيان الصهيوني ليست لها حدود بمعاييرها الخاصة، والتي لا يمكن إخضاعها لا للضمير الإنساني ولا للوازع الأخلاقي ولا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، ولا لبنود الاتفاقيات الدولية المنظمة لمكونات المجتمع الدولي، وغير ذلك من النواميس سواء أكانت دينية أو وضعية؛ اتفاقية أو أخلاقية، كل هذا تأتى للكيان الصهيوني بفعل العمل الدؤوب والجهود المبذولة من دون فتور أو كلل أو تراجع لاختراق كل القنوات والمؤسسات المدنية والسياسية والدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية، ونجاحه في عمليات التأثير في الرأي العام الدولي، خصوصًا في المجتمعات الغربية، وبذلك أصبح هو في وضعية الضحية بدل الجلاد القاهر الشرس في رأي من شفرت له كل المعلومات والمعارف بالرغم من تأسيسها على التغليط والتزييف وتزوير كل الحقائق التي على الأرض، وبالتالي الإيمان في أحقيته بالوجود وممارسة التقتيل والتهجير والاستيطان والتدمير وإبادة الجنس الفلسطيني برمته، ثم القضاء على كل أحلامه المشروعة في تأسيس دولته وجمع شتاته من كل مهجر، وقبر حقوقه المطلقة في الوجود الفعلي والثابت تاريخيًا ووجوديًا، إلا أنه مع هذا الوجود الصهيوني الذي زرع كسرطان في جسم المنطقة العربية؛ الكاسح؛ المتعدد الدلالات والإشارات؛ يطرح التساؤل التالي: ماذا فعل الطرف المعني والمباشر في العملية بشكل علني والمستهدف مباشرة بدون ترميز؛ المصوبة كل السهام الصهيونية في وجهه والجاثمة كل الأطروحات الناسفة لكل المشاريع التاريخية والحضارية على صدره ومخيلته وعقله وتفكيره منذ مجرد النية على تصورها والتفكير بها والتخطيط لها، والعمل على ترجمتها على أرض الواقع، ألا وهو الكيان العربي الإسلامي؟

لقد برهنت الوقائع والأحداث المؤلمة والدامية على أرض غزة و فلسطين عامة، عن تفوق الآلة الصهيونية العنصرية وعن سيادة قانون الغاب في أعماق التفكير الصهيوني والتخطيط الاستراتيجي الهمجي والوحشي أمام الضعف والشتات وغياب بعد النظر والتفكير والتخطيط العربي الرسمي، وتخاذله وتآمره المعلن وغير المعلن في علاقاته بمشروعيات وجوده الغائبة والمفروضة على شعوبه، لتصبح هذه الأخيرة عبارة عن "غزات" بداخل الأوطان العربية؛ فاقدة لكل حلم بالوجود الكريم والمشرف والتواصل الحميمي بين إنسياتها، مع قطع أواصر وارتباطات وعلاقات الأخوة والعروبة واللغة والحضارة والتاريخ، على شاكلة غزة في مخططات الكيان الصهيوني؛ بيد أن المسؤولية لا تقع على الجانب العربي الرسمي أو على جانب مخططات الصهاينة وطبيعة تفكيرهم وأعمالهم ومجهوداتهم الجهنمية والرامية إلى إثبات الوجود الفعلي والوازن والمتعالي، أو على الغرب المنحاز بسياساته الكيدية والمصلحية أو ما سوى ذلك؛ حسب كل تفكير أو تصور يعلق أسباب أزمته وأوضاعه المأزومة على الغير؛ سواء كان افتراضيًا أو واقعيًا، بل إن أسباب هذه الأزمة الخانقة لكل نفس تعتمل بداخل الشعوب العربية والإسلامية، حيث لا يمكن تعطيل أو إيقاف أية إرادة لأي شعب يريد الانعتاق والتحرر من مخالب هذه الأوضاع المزرية، وهذا التخلف السائد وهذه الرجعية المخزية، وغير ذلك من المشاهد التي تفرمل وتكبح وتلجم كل انطلاقة وبعث وإحياء تاريخي وحضاري لأمة بهذا الحجم، مع امتلاكها لكل المقومات والقوى الممكن التعويل عليها، لإنجاز كل المشاريع المتوخاة؛ إن وجدت هذه الإرادة أصلًا بالرغم من الداء والأعداء.
إذن؛ فنحن أمام خارطة لوضع عربي وإسلامي يتميز بالفوضى والتردي والأزمة البنيوية، وكل هذا يعتمل ويتفاعل بداخل كينونات المجتمعات المعنية بهذا الوضع؛ فالأسباب كامنة بشكل ذاتي فظيع في بنياتها ومؤسساتها وتشكيلاتها وأفكارها وثقافتها وطبيعة تصوراتها لمفاهيم عدة من قبيل مفهوم الزمان والعلم والتاريخ والفكر والثقافة والمعرفة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والأخر والانا والهوية، معناه أن حقول الأنظمة الاجتماعية العربية والإسلامية على اختلاف مجالاتها وميادينها لها نصيب أكبر من غيرها في مسؤوليتها عن هذه النكبات من وراء المواقف السلبية القائمة والفاعلية المنعدمة، ثم وضعيات المفعول بها بدل الفاعل الناجع وردود الأفعال البناءة وبناء الذات وانجاز الممكن وفرض احترام الذات العربية والإسلامية على الآخر؛ سواء كان صديقًا أو عدوًا.

فانتزاع الحقوق الطبيعية والمكتسبة، يكون عبر العمل على نهج دبلوماسية إقرار وفرض الاعتراف بقضايانا العادلة على كل الدول والمنظمات الدولية والحكومية وغير الحكومية وتنظيمات المجتمعات المدنية، والسعي، بالمزيد من تكثيف الجهود الدبلوماسية والسياسية والمدنية والاقتصادية والثقافية والإعلامية لأجل الحضور الوازن والفاعل في المحافل الدولية والجهوية والإقليمية؛ بغية التأثير على عمليات وكيفيات تكوين الرأي العام الرسمي والشعبي العالميين، وبالتالي إضافة قوة فاعلة على المسرح الدولي، كقيمة مضافة في سلم القيم الثقافية والسياسية والأخلاقية والإنسانية والحضارية الممكن تداولها كونيًا، مع خلخلة موازين القوى لجانب العدل والسلم الدوليين، والمساهمة في بناء مكونات الأسرة الدولية بلبنات وقيم ومقاييس العقل والمصالح المشتركة؛ ذات الأبعاد الإنسانية والكونية.
وعودًا على بدء؛ فالعدوان الصهيوني على غزة وعلى فلسطين كلها، عبر كل مراحل تاريخ الاحتلال الغاشم، لا يكون من فراغ أو من وراء قرارات تتخذ بشكل اعتباطي، أو ارتجالي، أو من وحي اللحظات التي تكون فيها ذوات الكيان الصهيوني تلقي بأجسادها في المنتجعات والمصايف الاستجمامية؛ آخذة أقساطًا من الراحة البيولوجية، أو تمتعًا بأشعة الشمس الدافئة؛ بعيدًا عن جلبة السياسة وضوضاء الشارع والإعلام؛ انفكاكًا من عناء التفكير في متاعب وهموم الصراع القائم، وفرصة للتمتع بلحظات الاسترخاء الفيزيولوجي والنفسي والذهني والجسدي، بعد أن أضناها التعب والإرهاق الذهني والعقلي، بل إن العدوان الصهيوني حلقات متواصلة من التفكير التكتيكي والاستراتيجي، وكذا إبداع سيناريوهات وقرارات نابعة من وحي قراءات الجيوبوليتيك المحلي والإقليمي والجهوي والدولي؛ مرورًا بفك طلاسم الفقه الوقائقي داخليًا وخارجيًا، ثم اختيار الوقت المناسب للتطبيق الفعلي لكل القرارات المتخذة؛ خلاف ما يعتمل بداخل الكيانات العربية والإسلامية؛ دعةً وسكونًا؛ تبعيةً وانبطاحًا...