الناطقُ الرسميُّ باسم التيار الشعبي/ تونس
كانت الحركةُ الانتفاضيّةُ التونسيّةُ في 2011؛ شرارةَ الاحتجاجات الشعبيّة في الوطن العربي. ولئن كان من المهمّ التأكيد على الظروف والعوامل الموضوعيّة المتسبّبة في الاحتجاجات والانتفاضات الشعبيّة، من فساد الحكم، وانتشار الفقر والاستبداد، التي أصبحت بدورها تشكّل عبئًا ثقيلًا على الدوائر الرأسمالية النافذة، التي تريد كسر الحواجز المتبقيّة كافةً أمامَ النموذج النيوليبرالي، ومزيد النهب، ووضع اليد على مصادر الثروة، إلا أن عدم تسلح المحتجين ببرنامجٍ سياسيٍّ واضحٍ، وانعدام القيادة المنظمة للحركة؛ فتح الباب أمام التدخل الخارجي، وتوجيه الحراك في مسارٍ آخرَ يخدم المصالح الغربية والرجعيات العربية. وفي هذا الإطار، وطيلة السنوات العشر الأخيرة؛ تحول تفاهم الإخوان والسلفيين مع الامبريالية الأمريكية إلى ما يشبه التحالف، تمظهر في أبشع صوره في الحرب على سوريا، وانعكس، أيضًا، في توافقٍ موضوعيٍّ بين الليبرالية المتوحشة الحداثوية، والليبرالية المتوحشة الإخوانية والوهابية في داخل الأقطار العربية المستهدفة، على اعتبارها كلها ليبرالياتٍ متلونةً، وكياناتٍ وظيفيّةً وكيلةً وعميلةً في خدمة المشغلين الدوليين والإقليميين أنفسهم.
وفي المقابل، فشلت النخبة الوطنية التقدمية في إرساء حالةٍ جادةٍ فكريًّا وسياسيًّا لإعادة صياغة المشروع الوطني التحرري، وتعبئة الجماهير الشعبية وقوى الشعب العامل لافتكاك السلطة من براثن الفئة التي تحتكرها وتحتكر معها الثروة. مشروع تحرر وطني يؤمن باستكمال تحقيق أهداف الثورة عبر إحداث تغييراتٍ جذريةٍ في طبيعة الدولة التابعة والفاسدة، وفي معادلة العلاقات الاجتماعية السائدة التي لا تخدم سوى طغمة من البرجوازية الوكيلة لمصالح رأس المال الغربي على حساب مصالح الشعب وقواه الكادحة، بل إن النخبة الوطنية التقدمية وأحزابها ومنظماتها تأثرت بمجريات الصراع في تلك السنوات مع اليمين الإخواني، وتحت ضغط القوى الليبرالية الحداثوية ونخبتها الإعلامية والثقافية - سقطت في خطيئة المفاضلة بين شقي الليبرالية المتوحشة، الذي كان الصراع بينهما ظرفيًّا وشكليًّا، ويدور حول تقاسم السلطة والنفوذ لا على أساس اعتباراتٍ وطنيةٍ أو اجتماعية، كما سيتأكد لاحقًا عندما تحقق توازن نسبي للقوى بينهما، أدى الى إفراز دستور 2014، ثم تقاسم السلطة مباشرة بعد الانتخابات في العام نفسه. كما سقطوا في مطب توصيف طبيعة الصراع، فعدّوا أنفسهم مدافعين عن "مدنية" الدولة، وتهمّشت التوصيفات العلمية والتاريخية والموضوعية، التي تقيّم الفرز السياسي بين قوى التحرر الوطني والاجتماعي من جهة، وبين قوى الهيمنة ووكلائها وأدواتها من الفئات والطبقات المستغلة والوكيلة من جهةٍ أخرى، دون اعتبارٍ للفروقات الثقافوية بين هذه الأخيرة.
قبلت القوى الثورية والتحررية بقواعد اللعبة الوليدة، ووافقت على الدستور رغم إدراكها أنه إفرازٌ طبيعيٌّ لموازين القوى بين جناحي الليبرالية المتوحشة في ظرفٍ معين، وباركت مخرجات صناديق الاقتراع في أكتوبر 2014، واتّخذت لنفسها موقع المعارضة البرلمانية والحقوقية، دون تطويرٍ لقراءاتها، وتحيينٍ لبرامجها وخطط عملها الميداني وتحالفاتها. فتمكنت بذلك الفئات الاحتكارية بالتعاون مع القوى الرأسمالية الدولية، والقوى الإقليمية الرجعية من تحويل مسار الثورة إلى مجرد واجهةٍ ديمقراطيةٍ مضللة، حيث تحول ما سمي بالانتقال الديمقراطي إلى ما يشبه الملهاة طيلة السنوات الفارطة، وتحول الشعب إلى أداةٍ في يد هذه الطغمة وأحزابها للحفاظ على مصالحها، ومن ورائها مصالح قوى الهيمنة، فبعد كل انتخاباتٍ يتلقى الأمل في التغيير ضربةً قاسمة، ونكاد نصل إلى نقطة الانهيار النهائي؛ نتيجةَ الوهم الذي نعيشه طيلة السنوات الفارطة، وهو أن أهداف النضال الوطني في الديمقراطية التي هي بالأساس سيادة الشعب، ووضع السلطة بيده، وفي إقامة مجتمع الكفاية والعدل، وتكافؤ الفرص، ستتحقق بمجرد الذهاب إلى صناديق الاقتراع، وقد نسينا أن النظام الذي كان جاثمًا علينا طيلة عقودٍ ليس مجرد واجهةٍ سياسيةٍ متمثلةٍ في الرئيس وعائلته وحزبه، وإنما شبكة مصالح داخلية مرتبطة بالخارج، لا يضيرها في شيء أن تتغير الواجهة الاستبدادية إلى واجهةٍ ديمقراطيّةٍ أو دستوريّةٍ شكليّةٍ مخادعة، مقابل الحفاظ على مصالح مجموعة العائلات ومن ورائها مصالح قوى الهيمنة.
لقد حولت المنظومة الليبرالية مفهوم الديمقراطية إلى هوس بصناديق الاقتراع لذاتها، واختزلتها في الحريات الفردية والعامة، في إلغاءٍ تامٍّ للاستحقاق الاجتماعي والوطني، دون مضمونٍ حقيقيٍّ يعطي الفئاتِ الشعبيّةَ السلطةَ والقوةَ لتحقيق السيادة الوطنية، ولتغيير معادلة العلاقات الاجتماعية السائدة لصالحهم.
انتخابات 2019 المنعرج الحاسم
منذ 2014 بدأت مرحلة تحالف بين جناحي المافيا المتمثّلة في عائلات الريع التقليديّة المتحكمة في اقتصاد البلاد منذ عقودٍ وبين دولة الإخوان الموازية، والمتمثّلة اقتصاديًّا في مافيا التهريب والتوريد وتبييض الأموال، وقد نجح هذا التحالف بعد انتخابات 2019 في إحكام قبضته على السلطتين، التشريعية والتنفيذية، ومختلف أجهزة الدولة ومؤسساتها، ودخلت البلاد في صراعٍ داخل مؤسسات الدولة، لطالما حذرنا منه؛ بات يهدد وحدتها وسلامة كيانها خاصة، وقد عادت جماعة الإخوان للعبتها القديمة الجديدة، وهي الدفع بأتباعها ومليشياتها في مواجهة الشعب من جهةٍ، واستدعاء التدخل الخارجي من جهةٍ أخرى.
تحولت منظومة 2019 إلى عبءٍ ثقيلٍ على الشعب والمؤسسات السياديّة للدولة على السواء، حيث حوّلت البلاد إلى مصبّ نفاياتٍ، وفضاءٍ لتبييض الأموال، وترويج السموم، وأغرقت في الديون، ودمرت قطاعاتها الإنتاجية، وانهارت المرافق العمومية الرئيسية، كالتعليم، والصحة، والنقل، وتصحر القطاع الفلاحي، كما حدث مع القطاع الصناعي في السابق؛ فازداد حِمْلُ الكادحين والفُقراء ثِقَلًا، وتعمّقت سيطرة بعض العائلات القليلة على ثروات البلاد، والتحقت الشرائح الوُسْطى بصفوف الفُقراء. كما باتت المؤسسات السيادية ترزح تحت التمكين الذي شكّل ذروة العبث بالدولة ومؤسساتها وسيادتها؛ جرّاء تفاقم التدخل الخارجي للحد الذي باتت فيه بعض السفارات تقرر للشعب التونسي بدل مؤسساته، وأصبح سفراء بعض الدول محددين وفاعلين في الأزمة أكثر من التونسيين.
25 جويلية 2021 وأفاق الديمقراطية في تونس
جاءت 25 جويلية 2021 حدثًا فارقًا في مسار الأحداث في تونس؛ فقد كانت، كما وصفها الدكتور عبد الاله بلقزيز "مثالًا نادرًا للصدام بين الدولة والسلطة؛ إذ اجتمعت على إنفاذ هذه الإجراءات إراداتٌ سياديّةٌ عدّة (رئاسة الدولة، الجيش، القضاء، أجهزة الأمن)، وتلقاها أغلب الرأي العام بالقبول".
25 جويلية كانت تعبيرًا عن إرادةٍ ثلاثية: شعب، ومؤسسات سيادية على رأسها القوات المسلحة، ورئاسة الجمهورية، وهي تعبير، أيضًا، عن ذروة عزلة السلطة الحاكمة ورفضها من الشعب والمؤسسات، وهي بمثابة عملية تأميمٍ مؤقّتٍ للسلطة لصالح الشعب، قامت بها المؤسسات السياديّة، وبذلك يمكن اعتبارها فاتحة أفقٍ جديدٍ لتونس وشعبها وديمقراطيتها.
شروطُ تصحيحِ المسار، وتكريس الديمقراطية السليمة
1- المحاسبة القضائية لكل من أجرم في حق تونس وشعبها؛ هي الممر الإجباري للإصلاح: فرض محاسبة المجرمين سواءً الذين نهبوا مقدرات الشعب، أو زوّروا الانتخابات، أو الذين سفكوا دماء أبنائنا مدنيين وعسكريين، وسفروا شبابنا لبؤر التوتر، واغتالوا خيرة المناضلين الوطنيين، الشهيدين: محمد براهمي، وشكري بلعيد، وهو الممر الإجباري لتنقية الحياة السياسية. فلا يمكن لمنظومة الفساد أن تكون جزءًا من عملية الإصلاح، وكل تراخٍ أو انتقائية في هذا الأمر؛ ستجعل المرحلة القادمة تحمل في أحشائها عامل هزيمتها، وحل البرلمان الحالي، كأحد أهم المعاقل المتبقية لعصابات السلطة المنهارة؛ إحدى أهم خطوات النجاح؛ لأن العصابات بجميع تشكيلاتها، وكل المستفيدين من مرحلة الفوضى والغنيمة يضغطون من أجل رفع التجميد، وعودة البرلمان؛ ليشكل بؤرةً لإعادة التجميع والتركيب لإنتاج واجهةٍ جديدةٍ للمافيا، تمكنها من الالتفاف على المطالب الشعبية، مثلما حصل سنة 2011 و2013 إثر اغتيال الشهيد محمد براهمي مؤسس التيار الشعبي.
2- الإصلاحاتُ السياسية: أمام العجز الذي بات عليه النظام السياسي والأزمات المتتالية التي أفرزها، والتنصل المستمر من تحمل مسؤولية الحكم وتبعاته؛ بعد كل انتخابات بات من الضروري تعديل النظام السياسي، تجاه توحيد السلطة التنفيذية ومراجعة علاقتها بالسلطة التشريعية، وإعادة بناء باقي المؤسسات الدستورية بعيدًا عن المحاصصة والتمكين. ومن جهةٍ أخرى تعزيز الإرادة الشعبية، مما يستوجب تغيير النظام الانتخابي؛ لتتمكن القوى الشعبية ذات المصلحة من المشاركة في صنع القرار في مختلف المجالس المنتخبة، وهذا هو جوهر المشروع السياسي للحزب القائم على تكريس الطابع الشعبي للسلطة لا في الحضور الشعبي المباشر فحسب، وإنما من خلال تمثيليةٍ نسبيةٍ شعبيةٍ، ونعني بها الحضور الفعلي للقوى الشعبية، من عمالٍ وفلاحين والقوى المعطلة قسرا في مجلس نواب الشعب، والمجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، وهذا يتطلب بالضرورة تغيير القانون الانتخابي الحالي لفتح الباب القانوني لهذه القوى الاجتماعية من المشاركة في السلطة.
3- التنميةُ المستقلة ضمانةٌ للديمقراطية، وضمانةٌ ضد عودة الفساد، وضمانةٌ للسيادة الشعبية والوطنية على السواء: في استمرار اقتصاد الريع والتهريب لن يقضى على الفساد باعتبار هذا المنوال الاقتصادي هو مكينة فساد، وليس مكينة إنتاج، وباستمراره استمرارٌ للفساد السياسي، حيث ستعمل "الألغارشيا" على تكوين واجهاتٍ سياسيةٍ جديدةٍ توصلها للسلطة بالمال السياسي والإعلام الموجّه، وباستمراره استمرارٌ للهيمنة الخارجية باعتباره اقتصادَ وكلاء؛ فالتنميةُ المستقلة تعني اعتماد المجتمع على نفسه، وهو ما يعني الاعتماد على قدراته الخاصة وتعبئة قدراته، ومن ثَمّ فإن أول القدرات هي قدرات أفراده، وبذلك يكون الإنسان في قلب ساحة الفكر والحركة، فهو صانع التنمية وهدفها في آنٍ معًا؛ فالتنمية تطرد وتتسارع إذا توفر العمل المنتج لكل مواطن، وبارتفاع إنتاجية العمل؛ يصبح توفير الصحة والتعليم والسكن والنقل أمرًا ممكنًا، بل ضروريٌّ باعتبار أهم دافعٍ لاستمرار التنمية المستقلة هو شعورُ الناس بأنهم المستفيدون من جهود التنمية.
وباعتبار أن للجماهير حاجاتٍ غيرَ ماديةٍ، وهي الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ تأتي ضرورة المشاركة الشعبية في صنع القرار على المستويات كافةً، وكذلك من يريد دورًا إيجابيًّا للناس في بناء صرح التنمية المستقلة، وحماية المنجزات الوطنية، عليه إتاحةُ فرص المشاركة الشعبية الواسعة في صنع القرار السياسي، وبذلك تتحقّق الديمقراطية الفعليّة والسليمة.
إن التنمية لا يمكن أن تتحقق على يد شعبٍ يقع معظم أبنائه تحت عبء الفقر والحرمان والتمييز والظلم الاجتماعي والسياسي؛ فالتنمية لا تكون تنميةً بمعزلٍ عن مصالحَ وإرادة المحرومين؛ فالتنميةُ المستقلةُ هي عملٌ ثوري بالمعنى العلمي؛ لأن طريق التنمية المستقلة يبدأ بتمكين القوى الشعبية وعموم المحرومين من السلطة، وتوظيفها لخدمة مصالح الأغلبية الشعبية.
من شروط نجاح مشروع التنمية المستقلة، هو استلهام الذات الوطنية، وحشد الطاقات والإمكانيات القائمة والمحتملة، والإفلات من سيطرة النخبة العميلة، التي تعمل على إقناعنا بأن النموذج الاقتصادي التابع هو النموذج الوحيد الممكن، دون الدخول في متاهاتٍ شعبويّةٍ تكون آثارها مدمرة، وإنما من خلال خطابٍ علميٍّ، ومتوازنٍ ونضالٍ جادٍّ ومتواصل، وتونس اليوم تعيش أكثر مرحلة في تاريخها؛ يمكن خلالها استلهام هذه الذات الوطنيّة؛ نظرًا للالتفاف الشعبي الكبير حولَ 25 جويلية، والآمال الوطنية الكبيرة المعلّقة عليها؛ فهل ننجح هذه المرة...؟

