Menu

التعدّدُ العرقي والديني في الوطن العربي: نعمةٌ أم نقمة؟!

كاظم الموسوي

بوابة الهدف الإخبارية - نشر في العدد 29 من مجلة الهدف

ضمّ الوطنُ العربي في حدوده الجغراسياسية الحاليّة، سكانًا من مختلِف الانتماءات العرقيّة والدينيّة، عاشوا بين حدوده وتحدّثوا لغته الأساس، وغلب عليهم من تسميته بالوطن العربي، الهُويّة العامة، ولحجم السكان العرب ونسبتهم العدديّة التأثير العام. وتعايش السكان دون تحسّسٍ من مكونات أجناس وأعراق وأديان، آلاف السنين على هذه المساحة الممتدة من المحيط الأطلسي، وحتى الخليج العربي، وتقبّل الأمرِ واقعَ حالٍ، بل وأعطى لطبيعة التعايش والمساهمة البنّاءة في المجتمع والتنمية والتطورات، حالةً إنسانيّةً عامة، رغم فتراتٍ سجّلها التاريخ، شابتها توتراتٌ أو صراعاتٌ من بين أسبابها: الاختلافاتُ العرقيّةُ أو الثقافيّة عمومًا، ولكنها لم تُبقِ الأوضاعَ الأمنية على توتّرها، كما حصل في فترةٍ لاحقة.

بدأت هذه الفترة اللاحقة مع التغلغل الاستعماري للمنطقة، وعمله من خلال قاعدته الذهبية، كما سميت "فرّقْ تُسد"، من قبل أكثر من قرنين من الزمان، وقد عمل عليها في وقتها بما وفّر الفرص للدخول إلى الخلافات والتباينات الموجودة أساسًا، لكنها غيرُ ظاهرةٍ على السطح، وجعلها في مواجهةٍ مباشرةٍ أو غيرِ مباشرة، من أجل مخططاته ومشاريعه المعروفة في التفتيت والسيطرة، والتمكّن من التحكّم في خيرات المنطقة وسكانها. فتم له الشحن بإظهار الاختلاف العرقي والديني والثقافي بين السكان، واستفاد منه في زرع الفتنة والفرقة، من خلال التركيز على الخصوصيات والميزات، وتشويه العلاقات.

بالمقابل كان المفروض أنه لا بد من التأكيد على التنوّع، وقَبول التعدّد الإثني، والديني، والثقافي؛ لديمومة المشترك بين أقوامٍ أو جماعاتٍ بشريّةٍ ارتبطت ببيئةٍ جغرافيةٍ واحدة، ومصالحَ مشتركةٍ وتاريخٍ ممتد، ولا بد من مأسسته قانونيًّا ودستوريًّا عبر تكريس نوعٍ من الوحدة في إطار القانون الضامن للتعدّدِ والتنوّع والاختلاف تحت دولة المواطنة والقانون؛ ليكونَ الإقرارُ بالتنوّع نعمةً لبناء مجتمعٍ متعدّدٍ ومتجدّد، ومتغلّبٍ على الإنكار وصناعة الأزمات والتهميش والإقصاء، وكسر فرص استغلالها بتعزيز روح التعايش والمشاركة، بعيدًا عن سيطرةٍ مركزيّةٍ مهيمنة، دونَ اعتبارٍ أو اعترافٍ بالتنوّع والاختلاف، وغلبة نزوع الهيمنة أو التفرد على حساب المجموع، حيث يتوجب التعايش بين الجميع، كما حصل في التاريخ والجغرافية والاحترام الإنساني، للتصدّي للمخططات والمشاريع الاستعمارية.

رأت الباحثة د. فرناز عطية أحمد في دراسةٍ لها صدرت عن المعهد المصري للدراسات بعنوان: الانتماء العرقي والديني والأمن القومي: إطار نظري، أنه: "من الصعب المضي قدُمًا في دراسة القضايا الاجتماعية والسياسية دون إلقاء الضوء على المفاهيم الرئيسية التي تتعرّض لها الدراسة، خاصةً في ظلّ تعدّدِ تعريفاتِ المفهوم الواحد، طبقًا لكل مفكرٍ أو مدرسةٍ فكرية"، وحول مفهوم العرقية، كتبت: على الرغم من البساطة الشكليّة التي يتّسم بها مفهوم “العرقيّة” إلا أنّ المفهوم في غاية التعقيد، حيث تتعدد تعريفاته، وتتعدد اقترابات دراسته، فالجماعات العرقية على حسب تعدد المفاهيم قد تتنوع من كونها مجموعاتٍ صغيرةً داخل الدولة مثل: الأمازيغ في الجزائر، أو تتّسع؛ لتشملَ الآسيويين، واللاتينيين، والعرب، والأوروبيين، والأفارقة، ويرى كلٌّ من: جون هيتشنسون، وانتوني سميث، أن مصطلحَ العرقية مصطلحٌ جديدٌ نسبيًّا، ظهر أوّلَ مرّةٍ في قاموس أكسفورد الإنجليزي عام 1953، إلا أن أصوله تعود للصفة “عرقي” التي كان يتم استخدامها بكثرةٍ في العصور الوسطى، إلا أن الكلمة تعود في أصولها للكلمة اليونانية ethnos التي كانت تشير إلى القبيلة، أو مجموعة الأفراد. وفي العصر الحديث بدأ استخدام المفهوم على نطاقٍ واسعٍ كسبيلٍ للتفرقة بين “نحن” و ”هم”، بحيث تشير “نحن” إلى الأغلبية، بينما هم “غير العرقيين”، في حين أن “هم” كانت تشير إلى الأقلية “العرقية”.

 هذا يعني أن المجموعات البشرية، هم، لهم ما يميّزهم عن الأكثرية الغالبة عدديًّا وامتدادًا سكانيًّا، ويجمع بينهم الكثير من العوامل المؤثرة، تاريخًا ومصالحَ مشتركة، والإدراك، والمعتقدات، والتوجهات الاجتماعيّة، والجنسيّة، والدينيّة، والأيديولوجيّة، وعادات وتقاليد تتجاوز حدود ( الـــ نحنُ والــ هُمْ) وترسم فسيفساء ملونة.

خلصت الباحثة بعد شرحٍ تحليليٍّ لتعريفات العرقية، أنه: "وبشكلٍ عامٍّ يمكن تعريف الجماعة العرقية على أنها: جماعة من البشر يرتبط أفرادها فيما بينهم بقواسمَ وسماتٍ مشتركةٍ من الناحية البيولوجية الفيزيقية والتاريخية والثقافية والتركيز الجغرافي، مما يجعلها مختلفة عن الجماعات الأخرى المتعايشة معها في المجتمع نفسه، ويؤدي إدراك أفرادها واعتقادهم بهذا التمايز إلى توليد الولاء والتضامن فيما بينهم داخل الجماعة، كما يتم تكريس هذا التمايز من خلال عمليات التنشئة التي يخضع لها الفرد في إطار جماعته".

ضم هذا التعريف "عددًا من الخصائص التي تتميّز بها الجماعة العرقية:

– التمايزُ الذي يتّسم به أفراد الجماعة العرقية عن غيرهم من الجماعات المحيطة بهم في إطار المجتمع الأشمل، وينقسم هذا التمايز إلى:

  • تمايز يرتبط بالعوامل البيولوجية والفيزيقية والوراثية.
  • تمايز يرتبط بالعوامل الثقافية والتاريخية والجغرافية، والتي تشمل: وحدة الدين والعادات والتقاليد واللغة والبيئة.

– أفراد الجماعة يؤمنون بتمايزهم؛ مما يولّد لديهم شعورًا بالولاء لجماعتهم، ويزيد من وحدتهم وتضامنهم في إطار الجماعة.

– استمرار الجماعة بخصائصها المميزة، يتأتى من عمليات التنشئة الاجتماعية، وغرس القيم الثقافية في أفراد الجماعة".

هذا أمرٌ مهم، حيث لا يمكن إنكار أو تجاوز الخصوصيات والخصائص والسمات، التي ينبغي أن تتمتع بها الأقوام وأصحاب الأديان في الوطن العربي، كما هي في طبعها وطبيعتها، وتتطلب النظر إليها في إطارٍ أوسع، كما ثبته الإعلانُ العالمي لحماية التنوع الثقافي، الصادر عن منظمة اليونسكو في الدورة الـ31 للمؤتمر العام، سنة 2001، ليضع قاعدةً قانونيةً دوليةً تُلزم الدول الأعضاء باحترام التنوع الثقافي بكل أشكاله، وعرفت وثيقة اليونسكو "التنوع الثقافي" بأنّه: تراثٌ مشتركٌ للإنسانية يتجلى في أصالة الهويات المميزة للمجموعات والمجتمعات، التي تتألّف منها الإنسانية. والتنوع الثقافي، بوصفه مصدرًا للتبادل والتجديد والإبداع، هو ضروري للجنس البشري، ضرورة التنوع البيولوجي بالنسبة إلى الكائنات الحية.

يشمل هذا حال الوطن العربي، وتطور التفاهم بين الأقوام العرقية المتعايشة مع الأكثرية العربية فيه. وقبل التآمر الأجنبي، لم يشكل الموضوع مأزقًا للبلدان العربية. وللأسف الشديد، تمكن الأعداء السياسيون والطبقيون للأمة العربية من جعل التنوع العرقي والديني والثقافي، في فتراتٍ متتالية، مصدرَ توترٍ وصراعٍ مصطنعٍ لأهدافٍ أخرى غير ما كانت عليه الأوضاع الداخلية. استهدف منه ابتزاز الحكومات وإضعافها، وزعزعة استقرارها، وجعلها تضطر إلى طلب الدعم أو اللجوء إلى تلك القوى الاستعمارية، وتشويه المصطلحات القانونية والإنسانية بصبغها بمفهومها الاستعماري وهيمنتها الإمبريالية، كمفهومِ حقوق الإنسان، أو التوافقية السياسية، أو الحماية الإنسانية. ويأتي كل هذا للضغط الخارجي والتدخل المباشر في الشؤون الداخلية للبلدان، لفرض الهيمنة الاستعمارية واستغلال ثروات الأمة وطاقاتها، وحتى بعد تفتيتها، السعي إلى تجزئتها أكثر مما هي عليه، والأبرز فيها الاحتلال الاستيطاني. وتداخلت هنا مشاريع ومخططات صهيوغربية في الموضوع، ونُشرت دراساتٌ وأبحاثٌ تدعو إلى استغلال التنوع العرقي والديني، واستخدامه عاملًا وذريعةً لأهدافٍ أبعدَ منه، حتى بات الحديث عن سايكس بيكو آخر، أكثر تفتيتًا وتقسيمًا للوطن العربي، من أمثال: مخطط برنارد لويس، وما بني عليه. ويزيد الأمرَ تعقيدًا إنكارُ صيغ التنوع، أو قَبولها من بعض الحكومات أو أطراف مسيطرة في البلدان العربية، التي تتمتع بالتنوع العرقي والديني، وتدفع المجموعات العرقية، أو الدينية، حينها إلى التمترس بسماتها ومميزاتها، كما تتصورها أو تريدها، لا سيما إذا تولتها جماعاتٌ سياسيةٌ لا تجد بالتعاون مع عدوها الخارجي ضدَّ أبناء شعبها خطرًا عليها، وتستثمر التآمر وخطط النزاعات والصراعات الداخلية، وتصنع حالاتٍ تتحول فيها نعمة التنوع إلى نقمةٍ في تلك البلدان، وتدمير التعايش الإنساني بين الأقوام المتعايشة في الجغرافية والتاريخ. وبالتأكيد أن من طبيعة الاجتماع البشري وجودَ اختلافٍ وتنوع، وهذا ما منح مجال القانون والدستور أهميته، وجعله مصدرًا لحلّ ما يعقد أو يؤزّم التفاهم والتعاون بين الأقوام المتنوعة، وهو الضامن للاعتراف بالاختلاف، وضدّ الإنكار، أو التجاوز المركزي على المجموعات الأخرى في البلد الواحد، أو في الوطن الأكبر.

اختلاف العرقيات والأديان في الوطن العربي يقتضي البحث المشترك لحلولٍ مشتركةٍ تحتفظ بما يجعل من كل الفسيفساء صورةً ناصعةً لطبيعة العلاقات، ويزيّنها بتعدّدها وتنوعها، ويجمع ما بينها بالمشاركة الجمعية، ومن بين الوسائل التي بُحثت في هذا الموضوع نظرية التوافق القانوني والدستوري، كحلٍّ للتعايش السلمي الاجتماعي، والمشاركة في السلطة والثروة الوطنيّة والقوميّة، دون تشنّجاتٍ واندفاعاتٍ وتعصّبٍ وغيرها، منطلقين من طبيعة التكوين الحضاري والتاريخي في هذه المساحة والبيئة الجغرافية، وإضافةً للنعم المتوفرة تتقدّم نعمة التوافق المشترك. ونقل د. وحيد عبد المجيد في دراسةٍ له عن عالم السياسة الهولندي- الأمريكي أريند ليجفارت، وهو أول من سعى إلى رسم ملامح هذا النموذج عام 1982، وتحديد ملامحه على النحو التالي، برأي الباحث (مع بعض التصرّف):

1- نظامٌ سياسي يقوم على ائتلافٍ واسعٍ يضمّ ممثلي كل الجماعات الثقافية، أو معظمها، سواءً في صورة حكومةٍ ائتلافية، أو مجلسٍ أعلى، أو هيئةٍ استشاريةٍ ذات نفوذٍ قويٍّ في مجال التوفيق عند نشوب خلافاتٍ على خلفيةٍ ثقافية.

2- "فيتو" متبادل لحماية مصالح الجماعات الأصغر يُنَصُّ عليه في الدستور أو القانون، ويُلزم باتخاذ قراراتٍ معنيةٍ بالإجماع، أو بأغلبيةٍ خاصّة.

3- نظام حصص أو "كوتا" يضمن تمثيل مختلف الجماعات الثقافية أو أهمها، بحيث لا تُهيمن إحداها، أو يُستبعد بعضها أو يُهَّمش.

4- درجة عالية من الاستقلال الذاتي لكل جماعٍة ثقافيةٍ في إدارة شؤونها الدينية والتعليمية والاجتماعية، مع تحبيذ الاتجاه صوب الفيدرالية في حالةِ تركّزِ كلٍّ من الجماعات الثقافية في إقليمٍ معين.

 ورغم عموميات النموذج وتطبيقاته في بعض البلدان، لا يرى الباحث نجاح هذه الأفكار في التجربتين، اللبنانية والعراقية، ويدعو إلى دراستهما مع ما نقله من رأي، للخروج بما يتوافق مع واقع الحال، وإمكانات البناء عليه في حلٍّ دائمٍ يرضي الجميع، ويتوافق نموذجيًّا مع التطور والمتغيرات المحيطة، سواءً بالأقوام العرقية، أو أصحاب الأديان والمذاهب، أو في السلطات واستقلاليتها، في القرارات والإجراءات التي تعبر بها عن طبيعة التعدد والتنوع والاختلاف والوحدة، في إطار القانون والوعي الجمعي.

لعلّ التعدّد العرقي والديني والثقافي، متمثّلًا بوجود أقوامٍ تتعايش في الوطن العربي مع أكثريته العربية: كالأكراد، والتركمان، والأرمن، والسريان، والأمازيغ، وذوي البشرة السمراء، وأقوام أخرى...، ومن الأديان والمذاهب المتنوعة أيضًا يكون نعمة للجميع، وتواصُل روح التعايش والتسامح والتعاون والبناء المشترك، وهو ما أنجز بناءَ حضارةٍ عربيةٍ إسلاميةٍ ممتدةٍ أبعدَ من حدود الوطن العربي حاليًّا، وأسهم في معمار الحضارة الإنسانية، من خلال تنوعه وتعدد أقوامه ومذاهبه، دون حساسياتٍ أو تبايناتٍ فئوية.

في كل الأحوال، تظلّ العواملُ الخارجية، الاستعمارية، أبرز الأسباب في تكريس الفرقة والتطرف، والإنكار والتعصب العنصري، أو الديني، وتركيز اختلافها وصراعها، بحيث تتحوّل إلى نقمةٍ لا تحمد عقباها، ولا تكون نعمةً حضاريّةً متميّزة، وهو ما شهده التاريخ في الوطن العربي وخارجه أيضًا، مستغلًا ظروفًا أو أوضاعًا أو عواملَ داخليّةً، مهّدت الطريق أو ساهمت في الوصول إلى المآسي والنكبات، ولا سيّما الاحتلال الاستيطاني الذي يكون أبرز أسباب النقمة والتدمير للتعايش الإنساني، والأبرز في هذه السياسات: التطهير العرقي، وتهجير السكان، وحرمانهم من كل حقوقهم المشروعة، سواءً للأكثرية أو للأقوام الأخرى. وبحكم طبيعة هذا النوع من الاحتلال الاستيطاني، فإنه يكون عاملًا مؤكدًا لنهج التدخل والتآمر الأجنبي، وتخريب العلاقات الإنسانية. ولعلَّ أبرزَ مثالٍ مشروع جو بايدن لتقسيم العراق، (2007) عرقيًّا ومذهبيًّا بعد احتلاله، بتكريس العناوين العرقية والطائفية الدينية، لتمزيق النسيج الوطني وتدمير الوحدة الوطنية والقومية. وشكّل الاحتلال الصهيوني لفلسطين، نموذجًا في ذلك، وصنع مظالمَ كبيرةً بحقِّ الشعب العربي الفلسطيني، وشوّه التاريخ وروايته عنه، وتركيبته الاجتماعية والثقافية والدينية، ممارسًا تلك السياسات تحت عناوينَ استعماريّةٍ ومخادعة، ومثله أو نموذجًا آخرَ، ما حاوله الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وكشف أهدافًا ومشاريعَ أخرى، تضاف إلى تلك السياسات وتجارِبها التاريخيّة، حيث وضّح مثلُ هذا الاستيطانِ نموذجًا آخرَ لتعميقِ الاضطهاد العرقي والديني، وأهدافًا جغراسياسية أخرى، وتحويلَ التعاملِ معه بأي شكلٍ من الأشكال إلى نقمةٍ على الشعبِ والأمّة.