تصدّرت تونس بموقعها الجغرافيّ، الذي يمثّل عقدةَ الربط الاستراتيجية بين بلدان المغرب العربي على مدى الشهر المنصرم؛ نشرات الأخبار على المستويينِ: الإقليمي، والدولي؛ ارتباطًا بما قام به الرئيس التونسي قيس سعيد من إجراءاتٍ، وما اتخذه من قرارات، وَفْقًا لتفسيره للصلاحيات التي يحوز عليها حسب مواد الفصل 80 من الدستور التونسي. وبما أن تفسيره لتلك المواد لم يكن محط إجماعٍ وتوافقٍ بين الأطراف الفاعلة، خاصّةً، حركة النهضة التي بدت مستهدَفةً أساسيّةً بهذه القرارات، وكثير من الناشطين السياسيين، فقد انقسمت حولَها الآراءُ والمواقفُ بين مؤيدٍ وداعمٍ لها دون تحفظ، ومن وصفها بالانقلاب على الدستور.
إن تركيز الأنظار على تونس، ارتباطًا بهذا الأمر؛ يعود إلى أسبابٍ عديدةٍ منها ما هو ظاهرٌ على السطح، ومنها ما يجري في العمق، كتياراتِ الماء العميقة، فقد كان وجودُ حركة النهضة الفاعل في الحياة السياسية التونسية، وسيطرتها على البرلمان التونسي منذ أول انتخاباتٍ جرت بعد عام 2011؛ أحدَ أسباب هذا الاستقطاب، خاصةً، بالنسبة للقوى التي رأت في الموضوع تصفيةَ حسابٍ مع قوى الإسلام السياسي، وطردًا لها من أحد مواقعها الأخيرة، بعد الغصّة التي شكلتها هذه القوى منذُ تسيُّدِها المشهدَ السياسيَّ بعد التحرّكات الشعبيّة التي شهدتها عديدُ الأقطار العربيّة منذ عشر سنواتٍ مضت؛ من تطبيعٍ ومشاركةٍ في التآمر على سورية، وارتماءٍ في أحضان تركيا . يضاف إلى ذلك، تقديرُ غالب هذه القوى للرئيس قيس سعيد بعد التصريحات التي أطلقها إبان الحملة الانتخابيّة، وعدَّ فيها التطبيعَ خيانةً عظمى. وبإقدامه على هذه الخطوة، كان الانحياز له كبيرًا. وفي الجانب الآخر، كان الموقف يتخذ صيغةَ الدفاع عن الديموقراطية والقداسة الدستورية، بما ترتب على كل ذلك من نقاشٍ متشنّجٍ قائمٍ على الاصطفاف والاتّهام المتبادل، الذي يغيّب الضوء عن القضايا ذات الطابع الاستراتيجي، التي تحفّ بأحداثٍ محليّةٍ تبدو للوهلة الأولى بأنها شأنٌ داخليٌّ محض، وبعيدٌ كل البعد عن الصراعات الدولية الكبرى؛ غير أن الحدث التونسي وما رافقه من مواقفَ إقليميّةٍ ودوليّةٍ متعدّدة؛ يكشف عن أنه قد حظي باهتمامٍ إقليميٍّ ودوليٍّ كبيرين؛ تبدّى في عددٍ لا يستهان به من التصريحات الصحفية والبيانات والزيارات، من قبل مستوياتٍ سياسيّةٍ مختلفةٍ، ولأكثرَ من دولة. وكان اللافت للنظر في هذا السياق؛ حجم حضور الولايات المتحدة الأمريكية التي سعت منذ اللحظة الأولى إلى الإمساك بالملف، وخلق الانطباع بأنها صاحبة الحل والعقد فيما يجري على الساحة التونسية. وفي هذا الصدد، تم رصد عديدٍ من الاتصالات الهاتفية، والتصريحات الصحفية المعلنة، والتي توّجت بإرسال وفدٍ أمريكي إلى تونس؛ يضم كلًّا من: نائب وزير الخارجية، ونائب مستشار الأمن القومي، ومسؤول ملف شمال إفريقيا، حيث التقى مع الرئيس وطاقمه، وعقد لقاءً جانبيًّا مع ممثلي المجتمع المدني.
وإذا كان الهدف من كثافة الاتصالات الأمريكية وتعدد مستوياتها وتواترها، هو إعطاء انطباعٍ بأن الملف ملفها؛ فإن الملاحظ أن الحركة العلنية ــ على الأقل ـــ لأطرافٍ دوليةٍ أخرى بشأن هذا الموضوع، قد تراجعت بالقدر الذي تقدمت فيه أمريكيا، بما يؤشر أن هناك تسليمًا ضمنيًّا بالدور الأمريكي في هذا الجانب، وارتباطًا بذلك؛ تبرز مجموعة من الاستنتاجات تتعلّق بالموقف الأمريكي، وطريقة إدارته وتعامله مع الحدث التونسي تتلخص فيما يلي:
أولًا: أن زيارة الوفد الأمريكي الرسمي المعلنة إلى تونس، وإذا استثنينا أية لقاءات غير معلنة، قد تكون تمّت من قبل السفارة الأمريكية، وقد جاء بعد عديد التصريحات الرسمية الأمريكية التي حددت من خلالها رؤيتها وموقفها، كما أنه جاء متأخرًا، إذا وضعنا في الاعتبار توافد وزراء الخارجية العرب على تونس، وباستثناء الجزائر، فإن زيارة وزير الخارجية المصري والإماراتي والمغربي؛ يمكن النظر إليها، كعمليةِ تهيئةٍ أو استطلاعٍ تمهيديٍّ لزيارة الوفد الأمريكي.
ثانيًا: تبلور الموقف الأمريكي على شكل إمساك العصا من المنتصف، وتوجيه رسائل تطمينٍ لكلٍّ من: رئيس الجمهورية، وحركة النهضة، بما يعنيه ذلك من خطأ الطرح القائل: بأن أمريكيا تمضي نحو التخلص من حركة النهضة، وذلك في سياق إنهاء علاقاتها مع الإخوان المسلمين، بعد استخدامهم في مشاريعها خلال الفترة السابقة. إن صيغة المعالجة الأمريكية القائمة على وضع الجميع تحت جناحيها؛ تهدف في جوهرها إلى منع توتير الوضع الداخلي في تونس.
ثالثًا: أن أمريكيا، ومن أجل ضبط حدٍّ من التوازن بين الطرفين في تونس؛ تطرح معالجة الأزمة الاقتصادية، كهدفٍ أولي، وربطه بعودة الحياة البرلمانية، وجعل النجاح في ذلك مقدمةً ضروريةً للقيام بأية إصلاحاتٍ دستوريّةٍ لازمةٍ ولاحقة، أي جعل حلّ المشكلة الاقتصادية مدخلًا للحوار حول التعديل والتطوير الدستوري. هذه الصيغة في حد ذاتها تجمع بالضرورة بين طرفٍ يستعجل عودة البرلمان، وطرفٍ يستعجل الإصلاحات الدستورية، تحت جناحي طرفٍ ثالثٍ ضامنٍ، وهو الولايات المتحدة التي تلوّح بالمساعدة الاقتصادية للشعب التونسي، وتستخدمها في الوقت ذاته أداةَ ضغطٍ؛ الأمر الذي يتبدّى من خلال الإشارة المتكررة إلى الأزمة الاقتصادية والصحية التي تمرّ بها تونس.
رابعًا: تميّزت الحركة الأمريكية بإرسال الإشارات التي يفهم من خلالها أنها ليست طرفًا ناصحًا فقط، وإنّما طرفٌ يعرف ويمسك بالوضع العام، وقد تبدى ذلك من تَكرار الحديث عن معرفتها بحقيقة الوضع الاقتصادي والصحي في تونس، وإعلانها الالتزام بدعم الشعب التونسي، وتعمد عقد لقاءٍ مع ممثلي منظماتِ مجتمعٍ مدنيٍّ ووعدهم بالدعم، وكذلك إشارتها بشكلٍ صريحٍ إلى ضرورة تكليف رئيس حكومةٍ قادر، والسؤال هنا: من يحدد مستوى القدرة، وكذلك دعوة الجيش التونسي إلى مراقبة دوره في الحياة الديمقراطية، بما يعنيه ذلك من استمرار حضورها المباشر وغير المباشر في الساحة التونسية. وبما يمكنها من إقصاء أي طرفٍ خارجيٍّ آخرَ، إقليميٍّ أو دولي، أو التأكيد على أن المرور للساحة لا يتم إلا من خلال موافقتها؟
وارتباطًا بالاستنتاجات الأربعة السابقة؛ تبرز عديد الأسئلة التي تتعلق بالمسافة بين الولايات المتحدة الأمريكية، وما حدث في تونس، وكذلك حول أهدافها، ودوافعها للتعامل بهذا المستوى مع ملفٍ في ساحةٍ لم تكن تعيرها اهتمامًا ظاهرًا على الأقل.
السؤال الأول: هل كان الحدث التونسي مفاجئًا للإدارة الأمريكية، وبالنتيجة قامت بالتكيّف مع مجرياته، ورسمت تصورها السياسي على هذا الأساس؟ أم أن الحدث كان ضمن دائرة المتوقع الأمريكي، وبالنتيجة كانت الخطة السياسية للتكيف معه حاضرةً حتى قبل وقوعه؟
يؤكد حجم الاندفاعة الأمريكية تجاه الساحة التونسية أن الحدث كان في دائرة المتوقع، إن لم نقل الحتمي الأمريكي؛ بدليل تحذير رعاياها عشيةً قُبيلَ 25 يوليو 2021 من مخاطرَ أمنيةٍ على الساحة التونسية، ما يعنيه ذلك؛ أن تصورًا سياسيًّا شاملًا قد أُعدَّ ورسمت خطوطه بإتقانٍ؛ انتظارًا للحظة التنفيذ.
السؤال الثاني: هل نسّق الرئيس قيس سعيد خطواته مع الإدارة الأمريكية؟
من الجلي أن كلّ حركة الرئيس التونسي كانت بعيدةً عن أمريكيا؛ فزياراته الخارجية التي يُستشفُّ منها أنه طرح، أو حاول التهيئة من خلالها لخطوته، كانت تجاه مصر على المستوى العربي، وتجاه إيطاليا وفرنسا على المستوى الخارجي، وهناك أعطى تصريحين يُستشفُّ منهما أن الوضع التونسي غيرُ مستقر؛ الأمر الذي يؤشر نحو تحرّكٍ ما، ولكن هذا لا ينفي إمكانية ما يسمى بالدفع غير المباشر، وعبر وسائط غير مباشرة.
السؤال الثالث: ماذا تريد أمريكيا من تونس؟ وهل ثمة علاقة بين هذا التوجه والانكفاء الأمريكي في مواقع أخرى من العالم؟
أول ما يتداعى إلى الذهن في هذا الجانب، ذلك التوافق الزمني بين الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وإصرارها على أن تكون الطرف الفاعل في الملف التونسي، ما يؤشر إلى توجّهٍ نحو التمركز في منطقة المغرب العربي التي لا يُنظر إليها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إلا كمنطقةٍ جغرافيّةٍ فقط؛ تحمل اسم شمال إفريقيا. وإذا وضعنا في الاعتبار أن جملة التطورات التي شهدها المغرب العربي، وبشكلٍ أساسيٍّ على مدى العقد المنصرم؛ تقود إلى نتيجةٍ مفادُها أن البلد الوحيد المتبقي القادر على المشاركة بفعاليةٍ في إعادة ترميم الأمن القومي العربي، وكذلك العمل على منع إسرائيل من التمركز المريح في القارة الإفريقية هي الجزائر؛ فموريتانيا منزويةٌ بعيدًا، والمغرب ذهب إلى التطبيع، و ليبيا تمزّقت؛ إذن، فالهدف هي الجزائر، وبضرب الجزائر يفتح الباب لطرح مشروع شمال إفريقيا بدلًا من المغرب العربي، وربما كانت سلسلة الأحداث التي شهدتها الجزائر؛ ارتباطًا بمواقفها الداعية إلى عدم ممارسة الضغط على تونس، تأتي في هذا السياق.

