Menu

مخاطر التبريد أو الروتين السياسي في المنطقة

هاني خليل

القارئ لأولويات الإدارة الأمريكية في السياسة الخارجية؛ يرى أن القضية الفلسطينية تقع في ذيل اهتماماتها، وتنحصر في التزامها الأمني تجاه حليفها الاستراتيجي الكيان الصهيوني، وأن جل اهتماماتها ينصب على المارد الصيني الذي بدأ تململه وتمدده على جميع الأصعدة والاتجاهات؛ يشكل مصدر قلقاً حقيقياً للمؤسسة الأمريكية، خاصة في ظل مستوى من العلاقات المتقدمة مع الخصم الروسي التقليدي، وتوجه أمريكا لتعزيز علاقاتها ووجودها تجاه دول جنوب شرق آسيا بعد إهمالها لهذه المنطقة لحقبة زمنية ليست بالقصيرة، التي تنامي اقتصادها بالتزامن مع الصين، وزيادة قلق حلفائها في هذه المنطقة بعد انسحابها المذل من أفغانستان، إضافة إلى الملف الإيراني النووي، وعليه فإن الإدارة الأمريكية تسعى للتركيز على اهتماماتها الجديدة إلى جانب الأزمات الداخلية، واستكمال سحب قواتها الخارجية أو تخفيضها للحد الأدنى وتبريد الجبهات الأخرى وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وأهمها الصراع الفلسطيني الصهيوني، خاصة بعد حالة الاضطرابات السياسية التي خلفتها فترة الإدارة الأمريكية السابقة. والتبريد الأمريكي لا يعني فكفكة الأزمات وحلها بقدر ما يعني إدخال المنطقة في حالة من الروتين السياسي الذي يعتاده الجميع ويقبله في حدوده الدنيا، وتتقبل فيه أمريكا لحركة بسيطة ومقننة للدول الكبرى في المنطقة، ولذا فهي ذهبت تجاه عقد صفقة مع تركيا أردوغان وتغاضت عن ملاحظاتها السابقة، وتسعى للعودة للاتفاق النووي مع إيران، إضافة لإمكانية بروز تفاهمات بين عدد من الدول المتخاصمة، مستفيدة من رغبة هذه الدول لترميم شيئاً من أوضاعها في ظل الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت الجميع نتيجة الصراعات في المنطقة، وما رافقها من أعباء لجائحة كورونا وتدني أسعار النفط، فُتحدث تقاربات بين تركيا وكل من مصر والسعودية، ومفاوضات بين السعودية وإيران، وتوسيع العلاقات التطبيعية بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني، وتهدئة الساحة السورية، وهذا كله يتطلب تبريد وتخفيف لحالة الصدام على الساحة الفلسطينية؛ بالتأكيد بعد ضمان الأمن للكيان الصهيوني للوصول لحالة التبريد أو الروتين السياسي؛ فإنه على مستوى السلطة الفلسطينية استعداد للحديث عن فكرة حل الدولتين دون الجنوح لها، وتوسيع الحركة تجاه المشروع الاقتصادي الأمني، لذا يمكن أن يعاد فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وقد تفتح أبواب القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، وتقدم مساعدات مالية للسلطة وللأجهزة الأمنية ولوكالة غوث اللاجئين، وفي قطاع غزة تخفيف الحصار على منافذ الحركة من طرف الاحتلال ومصر، وتنفيذ أكبر لتفاهمات 2014 السابقة مع حركة حماس مع مرونة في وصول المساعدات القطرية أو غيرها من المساعدات المقننة، إضافة لتذليل العقبات أمام عملية إعادة الاعمار، وصولاً لصفقة تبادل الأسرى.

 ورغم أن دول المنطقة تمتلك هامشاً للتأثير والتغيير في المجرى السياسي الذي ترسمه الولايات المتحدة وسبق أن أفشلت بعض مساعيها، إلا أن ذلك يعود لمدى تعارض وصدام هذا المسار مع مصالح بعض الأطراف هنا أو هناك، وهو ما ينطبق أيضاً على الحالة الفلسطينية التي يشكل تبني هذا المسار والتماهي الكامل معه، وخاصة من قطبي السلطة الفلسطينية خطراً داهماً على مستقبل القضية السياسي، وعلى خط المقاومة الذي اشتد عوده أكثر خلال السنوات الأخيرة الماضية، فمن ناحية تمهد الأرض أكثر للحل الاقتصادي وحكم ذاتي أشبه لفكرة روابط القرى، وتهيئة المناخات لقيادات السلطة المتحالفة اقتصادياً مع الاحتلال لتبني هذا المشروع كحل بديل لفكرة حل الدولتين الذي أصبح غير ممكن عملياتياً، والدفع تجاه مجموعة من القرارات والبرامج التي قد يبدو جزءاً منها براقاً ويخاطب حاجات الجمهور الاقتصادية والديمقراطية، لتزيد من قيود أبناء شعبنا في الضفة للاستسلام للواقع الجديد، ومن ناحية أخرى فتح شهية حماس تجاه الهدنة طويلة المدى، من خلال التسهيلات التي تعرض عليها، وهي تصارع للبقاء محتفظة بالسيطرة على قطاع غزة بعد هذا الحصار الطويل، وهو ما سيدفع لتفكك محور المقاومة الداخلي والإقليمي، وسيسهل من خطة تعريتها وتجريدها من عوامل قوتها وشرعية وجدودها مع الوقت. لذا فإن أي خطوة يمكن أن تقدم في هذه المرحلة بغض النظر عن الشكل الجمالي لتغليفها، أو عن اليد التي تقدمها يجب أن يُنظر إليها بعين فاحصة أكبر، وألا يعمينا بريق بعضها عما تنطوي عليه من مخاطر، فالسياسات الناعمة للإمبريالية وحلفائها كانت دوماً أشد خطراً وأكثر فتكاً لأنها لا تكتفي باستخدام عناصر قوتها، وإنما ترتكز على نقاط ضعف خصومها وحاجاتهم.