وهكذا تمكّن الكيانُ الصهيوني أخيرًا من تحقيق حلمه الكبير؛ بوضع قدمه رسميًّا داخل الاتّحاد الإفريقي، في خطوةٍ تتجاوز كثيرًا الطابعَ البروتوكولي للعضويّة المراقبة، ليشكّل هذا الانضمام نصرًا مبينًا، شئنا أم أبينا، لجهود التغلغل الصهيوني في القارّة السمراء، وتداعي الدور العربي فيها وتخاذله.
في كل هذا، كانت الدول العربية، إما متفرّجةً وعاجزة، أو متخاذلةً ومتواطئة، وأحيانًا متحالفةً مع الكيان في مد نفوذه، سواءً خدمةً لما تعتقد أنه مصلحةٌ مشتركةٌ، أو تنافسٌ مع دولةٍ عربيّةٍ أخرى؛ أو خضوعًا لإملااءاتٍ أمريكيّةٍ، أو وعودًا كاذبةً لا تتحقّق، ولكن، نادرًا ما كان الكيان الصهيوني وجهوده السريّة والعلنيّة في مهداف جهدٍ عربيٍّ واضح، لذلك، أسفر الأمرُ عن تقاسم النفوذ في القارّة دون أن يكون للعرب حصةٌ أو دور، بل إنّ ردّ فعل الدول العربية يدعو للخجل، وإن جاء متفاوتًا، فمباشرةً بعد إعلان رئيس مفوضيّة الاتّحاد، التشادي موسى فكي، عن إجرائه غير القانوني، بل غير الأخلاقي قبل هذا، سارعت الجزائر وجنوب إفريقيا بتسجيل اعتراضهما ورفضهما للخطوة، واستغرق الأمر أسبوعين كاملين لتنسيق مواقف سبعِ دولٍ عربيّةٍ في الاتّحاد من أصل 10، لرفض الإجراء؛ هي الجزائر، ومصر، وليبيا، وتونس، وموريتانيا، وجزر القمر، وجيبوتي، بينما انصرفت المغرب و السودان والصومال إلى صمتٍ مخجل، له تفسيره الواضح.
الاحتجاج السباعي العربي الذي أحيل الفضل فيه إلى الدبلوماسيّة الجزائريّة التي عادت بزخمٍ بعد ركودٍ وسباتٍ طويلين، وقعت عليه أيضًا دولٌ عربيّةٌ مراقبة، وإن لم تكن إفريقيّةً، هي الأردن، والكويت، و قطر ، وفلسطين، واليمن، إضافةً إلى بعثة جامعة الدول العربيّة، وتوّج التحرك بحلفٍ إفريقي أو طاقم تنسيقٍ بالأصحّ، يضم 13 دولةً إفريقيّةً بانضمام جنوب إفريقيا (التي تحرّكت مبكرًا مع الجزائر) والسنغال، والنيجر، والغابون، ونيجيريا، ومالي، وسيشل، وزيمبابوي أيضًا، ولكن ليس المغرب ولا السودان ولا الصومال كما ذكرنا، ويبدو الموقف غريبًا، إذ لا يمكن قياسه بمجرد وجود علاقاتٍ مع الكيان الصهيوني، كمصر، والأردن، اللتين رفضتا القرار الإفريقي، بينما يبدو أن الأمر حصل على مباركةٍ مغربيّة، فسّرتها الجزائر بأنها جزءٌ من حلفٍ صهيوني - مغربي يستهدفها.
كيف تمكّنت "إسرائيل" من اختراق القلعة الإفريقيّة؟
من اللافت للنظر غرابةُ طريقة الانضمام الصهيوني إلى الاتحاد، التي أثارت جدلًا واسعًا، حولَ قرارٍ منفردٍ اتّخذه رئيس المفوضيّة، خاصةً أن طلب الكيان سبق أن تمّ رفضه ثلاث مرات في 2013-2015-2016، في ظل زخم حكومة نتنياهو وصعود سياسته الخارجيّة، وفسر مندوب جنوب إفريقيا هذا الأمر بالاعتبارات السياسية الواضحة؛ بالدعم الثابت للقضيّة الفلسطينيّة، وأيضًا اعتبارات قانونيّة تتعلّق بالسلوك "الإسرائيلي" المتعارض مع القيم التي يتبعها الاتّحاد، خصوصًا أيضًا أن الطلب الأخير للكيان قد تم تدبيره بليل، حيث لم يتمَّ بحثه مع الدول الأعضاء في الدورة 34 لمؤتمر الاتحاد الإفريقي المنعقد في 6-7 شباط/ فبراير 2021. خصوصًا أن تصرف المفوض جاء التفافًا على طلب الهيئة الاستشارية تعديل بنود القانون الأساسي المتعلّقة بقَبول دولٍ في وضعية المراقب، وهي مبادرةٌ تبنّتها الجزائر، وتشدّد من خلالها على ضرورة تعديل ميثاق الاتحاد الإفريقي، بما يضمن عدم السماح لأي دولةٍ من خارج القارة، تقوم على أساس احتلال أراضي الغير، بالحصول على أيّ صفةٍ داخل الاتحاد. وتأتي مبادرة الجزائر لمنع تفرّد المفوضيّة بأيّ قراراتٍ حسّاسةٍ ومتعارضة، كالقرار الأخير الذي اتّخذه المفوّض الذي تحوم حوله شبهاتُ فسادٍ، وتحرشٌ جنسي، وممارساتٌ أخرى، وَفْقَ تقرير مجموعة الأزمات الدولية. نضيف إلى ذلك أن موسى فكي أثناء شغله لمنصب رئيس وزراء تشاد (2003-2005) ثم وزير خارجيتها، هو من قاد نحو تطبيع علاقات هذا البلد مع الكيان الصهيوني. في الفترة 2003-2005، ووزيرًا لخارجيّتها في الفترة 2008-2017، قبل انتخابه رئيسًا لمفوضية الاتحاد الإفريقي عام 2017.
ورغم حالة الفساد في المفوضية إلا أن الإنجاز الصهيوني هو تتويجٌ أيضًا لسلسلةٍ من النجاحات في إقامة علاقاتٍ دبلوماسيّةٍ وتجاريّةٍ وعسكريّةٍ أيضًا مع عددٍ من الدول الإفريقية، خلال السنوات الأخيرة ليس فقط مع دولٍ إفريقيّةٍ، بل مع دولٍ عربيّةٍ أيضًا، بنيت جميعها على الاختراق الأصلي الذي سمح به نظام السادات في مصر عبر إقامة سلامٍ مع الكيان، أدّى إلى ضرب القلعة الإفريقية في أقوى حصونها، أي الموقف التاريخي الذي قاده ورعاه الرئيس جمال عبد الناصر، فكانت العلاقات التطبيعية مع المغرب والسودان عام 2020، وهي التي كانت دون أي ثمنٍ يذكر، ودون أي فائدةٍ تعود على البلدين وشعبيهما عدا مصالح وطموحات الطبقتين الحاكمتين، كذلك ما سبق من علاقاتٍ مع تشاد (2019) أثناء فترة وجود موسى فكي رئيسًا لوزرائها، والتطبيع مع أخرى، بما فيها دول عربية. وكانت إسرائيل توصّلت إلى اتّفاقاتِ تطبيعٍ مع المغرب والسودان (2020)، فضلًا عن إقامة علاقاتٍ دبلوماسيّةٍ مع تشاد (2019) كما ذكرنا أعلاه.
الجهود الدبلوماسيّة الصهيونيّة التي اعتمدت على سياسة تقديم معوناتٍ أمنيّةٍ وعسكريّة، وأيضًا بعض المنافع المدنيّة، كرشاوى لدولٍ إفريقيّةٍ متعدّدة، قادها بنيامين نتنياهو الذي صرّح بعد زيارته إلى تشاد في أيلول/ سبتمبر 2020، إنّ "إسرائيل عادت إلى إفريقيا، وإفريقيا عادت إلى إسرائيل"، وأيضًا، وزير خارجيّة الكيان في حينه أفغدور ليبرمان الذي قام بجولةٍ إفريقيّةٍ عام 2014، شملت: رواندا، وساحل العاج، وغانا، وإثيوبيا، وكينيا؛ لتعزيز مساعي الكيان من أجل الحصول على صفة العضو المراقب في الاتّحاد الإفريقي
أيضًا، قام نتنياهو عام 2016 بجولةٍ شملت: أوغندا، وكينيا، وراوندا، ثم أثيوبيا، وتوجت الجهود في تشرين الأول/ أكتوبر2017، بتنظيم قمّةٍ "إسرائيلية – إفريقية" في لومي عاصمة توغو، تجمع رؤساء الدول الإفريقية باستثناء دول المغرب العربي، إلّا أن القمّة أُلغيت في ضربةٍ لدبلوماسية نتنياهو، وإن لم تلغَ طموحاته الإفريقية.
الدوافع الصهيونيّة للانضمام إلى الاتّحاد الإفريقي
منذ نشأة الكيان الصهيوني على أنقاض فلسطين، سعى قادته إلى ترسيخ شرعيته الدولية عبر الحصول على الاعتراف بقيامه، سواءً من الدول أو المنظمات الدولية والتجمعات الإقليمية، ومن المعروف أن الفشل كان حليفه في تلك المساعي خصوصًا برفض دعوة الكيان إلى قمة باندونغ، التي تأسّست فيها منظمة الدول غير المنحازة، وكذلك فشل الكيان في الانضمام إلى منظمة الوحدة الإفريقية السابقة على الاتّحاد الإفريقي.
ولا يمكن تجاهل تصريح أحد الدبلوماسيين بالخارجية الصهيونية "لقد مثل مؤتمر باندونغ أكبر انتكاسة دبلوماسية لنا، إنه أقسى مأساة عانيناها، حيث تجمع أكثر من مليار ونصف شخص في مواجهة 1.8 مليون في إسرائيل. وهذا، في حد ذاته، تحطيم معنوي لنا". لكن الظروف الجغراسية المتغيرة، غيّرت واقع وجود الكيان في هذه الأطر، خصوصًا أن تحقيق اختراقٍ في هذا المجال كان في صلب النظرية الأمني التي صاغها بن غوريون بخصوص الدول المحيطة بالعالم العربي، عبر نظرية "حلف المحيط" لاختراق دولٍ محيطةٍ بالعالم العربي، وقد بدأ الأمر في حينه مع تركيا ، وإيران، وإثيوبيا.
ورغم أن الكيان تربطه علاقاتٌ علنيّةٌ وسريّةٌ مع 46 دولةً عربيّةً وإفريقيّة، في إطار ترتيباتٍ عسكريّةٍ وأمنيّةٍ واقتصاديّة، بما في ذلك مبيعات الأسلحة والتدريب العسكري ومجال التكنولوجيا؛ ولم يمكّنها ذلك من إحراز مكاسبَ سياسيّةٍ فحسب، بل مكّنها، أيضًا، من تحقيق مجموعةٍ من المصالح الاقتصادية، إلا أن اختراق المنظمة الجامعة للعالم الإفريقي، يعني انتصارًا معنويًّا مهمًّا للكيان، فهو انتصارٌ على السياسات التاريخيّة لإفريقيا عبد الناصر وكاوندا وهواري بومدين ومعمر القذافي، ونيلسون مانديلا...وغيرهم، من قادة إفريقيا الذين وقفوا صخرةً صلدةً أمام الاجتياح الصهيوني للقارة. لذلك فإن مساعي الجزائر وجنوب إفريقيا وغيرهما من الدول الإفريقية، تتّخذ طابعًا استراتيجيًّا لمنع فوز الكيان الصهيوني بهذه الغنيمة، إذ أنه كما هو انتصار معنوي للكيان، فإن هذا سيمنح تل أبيب بعض الامتيازات، للوصول إلى القنوات الرسمية للتأثير ودعم مصالحه، وسيكون الهدف الرئيس بالطبع تقويض التعاطف الإفريقي مع القضيّة الفلسطينيّة، وهو ما ينعكس ليس على فلسطين فحسب، بل على المصالح العربية بالجملة.
ومن أهم هذه الأهداف الاستراتيجية التي يسعى إليها الكيان الصهيوني تحقيق مكاسبَ في سياق الشرعية العالمية للكيان الصهيوني وكسر العزلة، وإجرائيًّا تغيير أنماط تصويت الدول الإفريقية لمصلحة الكيان وضد المصالح الفلسطينية، أو على الأقل ضمان حيادها في قاعات الأمم المتحدة، وأمنيًّا، يسعى الكيان إلى تأمين نفسه وتعزيز مسار هجرة اليهود الأفارقة إلى فلسطين المحتلة، والسيطرة على موارد المياه خصوصًا منابع حوض النيل، وأيضًا منع تحويل البحر الأحمر إلى بحرٍ تحت السيطرة العربية مع ما يعنيه موضوع النيل من تأثير صهيوني خطيرٍ على الأمن الغذائي والمائي لمصر والسودان، والدور الصهيوني في أزمة نهر النيل وسد النهضة بات معلومًا.
في المجال التصويتي الأممي يعتمد الكيان معادلةً بسيطة، إذ مقابل امتناع الدول الإفريقية عن التصويت لصالح القضيّة الفلسطينيّة، يتم إبرام عقود التنمية الاقتصادية والتعاون الأمني، وقد نجح الكيان في تحييد الصوت الإفريقي أو اكتسابه لصالحها خلال السنوات الماضية. وهكذا، فإن أكثر من 20 دولةً إفريقيّةً امتنعت عن التصويت على قرار الولايات المتحدة إدانة حركة "حماس"، في الأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2018، وصوّتت دولتا توغو وأريتريا لصالح القرارالأمريكي، كما أن رفض القرار الأميركي الخاص ب القدس المحتلة في الأمم المتحدة، لاقى حيادًا من 8 دولٍ أفريقية، وواحدة صوّتت لصالحه هي توغو أيضًا.
من الناحية الاقتصادية، وبدائرةٍ أوسع، يسعى الكيان أيضًا إلى تقديم نفسه لدى الدول الإفريقية التي تعاني من صعوباتٍ تنمويّةٍ كنموذجٍ للتنمية يحتذى به، ويجب الاستفادة من خبراته، ومن ثَمَّ رشوة الدول الفقيرة للتعامل وفتح أبوابها لخبراء الكيان وشركاته ومستثمريه.
تقدم الكيان وتراجع العرب: لن يكون الأفارقة ملكيّين أكثر من الملك
يبدو أن التغلغل الصهيوني في القارة الإفريقية مرتبطٌ جدليًّا مع تراجع الدور العربي في القارة مع ازدياد الشرخ اتّساعًا بين العرب والإفريقيّين، بعد أن فقدت مصر تحديدًا دورها التاريخي قوى إفريقية جديدة على رأسها إثيوبيا التي تربطها علاقات وثيقة بالكيان. وقد سبق أن ذكرنا تجاهل الدول العربية العديدة للاختراق الصهيوني، وصمت بعضها عن الإجراء الأخير دون أن تبرر ذلك، ثمّ أنه ليس من المتوقع أن تبادر دول إفريقية للصمت أو الحياد تجاه هذه القضية أسوةً بالعرب، ولولا الجهود الدبلوماسية للجزائر، وحرص مصر على الدفاع عن مصالحها، واستشعار الخطر على حوض النيل، ولولا الموقف المبدئي لتونس، وجنوب إفريقيا، ربما كان القرار مر دون أن نسمع به.
تراجع الدور الفلسطيني
لا يمكن تجاهل التراجع الدبلوماسي الفلسطيني الكبير وفشل الدبلوماسية الفلسطينية في إفريقيا، كما في مناطقَ عديدةٍ من العالم كسبها الكيان الصهيوني وتغلغل فيها بعد أن كانت عصيّةً عليه، سواءً في الهند، مثلًا، أو أمريكا اللاتينيّة أو حتى الصين.
وفي الواقع علينا الاعتراف أن القضيّة الفلسطينيّة مع العوامل الذاتيّة والموضوعيّة التي تحيط وتطيح بها، منذ توقيع اتفاقات أوسلو، لم تعد للأسف قضيّةً مركزيّة، ومحلّ إجماعٍ إفريقي، كما كانت عليه في ستينات وسبعينات القرن الماضي. كل هذا ترافق مع موجة تطبيعٍ عربيةٍ غير مسبوقة، ونزاعاتٍ عربيّةٍ داخليّةٍ مدمرة، وأيضًا لا ننسى التغيير المستمر في بِنية النظام الدولي، وظهور نخبٍ حاكمةٍ في إفريقيا بمفاهيمَ وأولوياتٍ مختلفة، في مرحلة ما بعد حركات التحرير. مع افتقاد القيادة الفلسطينية الحالية إلى استراتيجيّةٍ واضحةٍ في التواصل مع إفريقيا، والاستفادة من الحلفاء التقليديين والتاريخيين.
ختامًا
إن وعي الأنظمة العربية بالخطر الصهيوني في القارة الأفريقية لا يمكن أن يكون وعيًا مجزوءًا، منفصلًا عن وعي خطر وجود هذا الكيان من حيث المبدأ، وإذا كان الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ومصير شعب فلسطين قد تراجع على قائمة الأولويات العربية العامة، فعلى الأقل مطلوب من هذه الأنظمة أن تحرص على مصالح دولها وشعوبها واستشعار الخطر الحقيقي الذي يمثله الكيان واختراقاته العديدة؛ سياسيًّا، وأمنيًّا، واقتصاديًّا، بل حتى على مستوى الماء والغذاء. لذا، فإن التصدي للهجمة الصهيونية لا يمكن أن يتمّ دون التصدي لانهيار التطبيع العربي المشين، وبناء حلفٍ مع الدول الإفريقية التي ما زالت ترى حقيقة المخاطر التي يمثّلها الكيان، وتهديده لأمنها واستقرار شعوبها.
أما الجانبُ الفلسطيني، ففي الواقع لا يمكن توجيه أيّ نصيحةٍ لسلطةٍ تنسّق مع العدو أمنيًّا وتخضع له اقتصاديًّا، وتهرب أمامه سياسيًّا، ولعل غياب دبلوماسيتها الفاشلة عن هذه المعركة أفضل من وجودها فيها، وأكثر فائدة لاحتمال النّجاح.

