Menu

غزو أفغانستان: نموذج لحرب الانتقام والتأهيل

اسحق أبو الوليد

بوابة الهدف الإخبارية

هنالك من يعتقد أن الهجمات على الأبراج والبنتاغون في واشنطن عام 2001، والتي مازالت تثير التساؤلات والشبهات الاستخبارية، التي بعضها يرجح تورط الإدارة الأمريكية في التخطيط والتنفيذ، هي سبب غزو أفغانستان وإعلان الحرب على تنظيم القاعدة الذي اتهم بتنفيذها، مع العلم أن الولايات المتحدة بدأت المطالبة بتسليم ابن لادن مؤسس وزعيم القاعدة الذي كان يعتقد أنه لجأ إلى أفغانستان، منذ أن هوجمت السفارات الأمريكية في كل من دار السلام ونيروبي في عام 1998، حيث قتل فيها 213 مواطن من كينيا و11 من تنزانيا، ولم يقتل حسب التصريحات الرسمية، أي مواطن أمريكي، تم على أثرها قصف السودان بصواريخ كروز وتدمير أهم مصنع للأدوية فيها، والذي كان ينتج 50% من احتياجاتها، وقصفت أفغانستان بنفس الصواريخ، دون وجود أي دليل على " تورط " البلدين في تلك الهجمات.

ففي الوقت الذي كانت فيه الإدارة الأمريكية؛ ترسم الخطط وتسرع الخطوات لغزو أفغانستان، التي احتلت موقع مركزي في الاستراتيجية الأمريكية بعد الانسحاب السوفييتي منها، وأثناء تحضيراتها لشن حربها الأولى على العراق بحجة "تحرير" الكويت من "الغزو" العراقي، وقعت الهجمات على الأبراج والبنتاغون، مما وفر الفرصة الذهبية والحجة المقنعة كي تشرع في تنفيذ استراتيجيتها الحربية الاستعمارية، ليس ضد أفغانستان فقط، بل أخذت الطابع الكوني لفرض هيمنتها على العالم وتأكيد قيادتها الوحيدة له.

الولايات المتحدة التي تربعت على قمة الهرم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية الحليفة له، عملت جهدها من أجل ترسيخ "نظام عالمي" جديد، بما يتلاءم مع ظروف هيمنتها، والعمل قدر الإمكان على منع بروز منافسين آخرين لها في الساحة الدولية، ومراجعة خططها واستراتيجيها وعلاقاتها مع الأنظمة التابعة لها والقوى الإرهابية المسلحة التي أسستها وأشرفت على تدريبها وتسليحها منذ عقود، لخدمة حروبها الاستعمارية القذرة،  في فترة الحرب الباردة لمحاربة ما أسمته "بالخطر الشيوعي" وتمدد الاتحاد السوفييتي، وخاصة بعد تدخله العسكري في أفغانستان عام 1979، لتقديم الدعم لنظامها التقدمي الصديق له الذي كان يواجه حرب عصابات دموية؛ مدعومة من الولايات المتحدة والباكستان وحكام السعودية وتركيا، الذين استطاعوا بعد عشرة سنوات من القتال الإطاحة بالنظام الأفغاني؛ بسبب فشل القوات السوفييتية من احتواء الحالة الأفغانية وتثبيت نظامها اليساري، مما أرغمها على الانسحاب بعد أن تكلف الكرملين؛ خسائر مادية وبشرية فادحة، واستنزفت هذه الحرب الاتحاد السوفييتي؛ اقتصاديًا وماديًا ومعنويًا، مما عمق أزمته البنيوية وشكلت أحد أسباب سقوطه وتفككه. بالمقابل؛ القوى الأفغانية "المنتصرة"،  والتي كدست مختلف فصائلها ثروه كبيره من خلال الدعم السخي الذي قدم لها من أسيادها الإقليمين والدوليين، لم تكن متجانسه وينخرها الفساد والتعطش للنفوذ والسلطة، فمنها الاثني القومي والديني المتزمت والليبيرالي الرأسمالي الحالم؛ دخلت بعد الإطاحة "بالنظام الشيوعي الكافر" في تناقضات وصراعات تناحرية قبلية واثنية على الثروة والسلطة؛ أدت إلى بروز "طالبان" كتنظيم فتي من طلاب المدارس الدينية الباكستانية، ومن محاربين تمرسوا في القتال ضد القوات السوفييتية والقوات الأفغانية الموالية لها، وسوقت كحركة تدعو للتخلص من فوضى الاقتتال والفساد، واعتبرت أن شرط  تحقيق الهدوء والعدالة يتمثل بالالتزام "بتعاليم الإسلام" وفي التطبيق الصارم "للشريعة التي هي مصدر القوانين"، ودعوا إلى التخلص من الأحاسيس والمشاعر القومية، وأن يكون الولاء فقط "للدين الإسلامي" وليس للقومية أو القبيلة. بالمقابل؛ غالوا وبالغوا بتصرفاتهم وممارساتهم كقومية مهيمنة في كافة المجالات، وخاصة العسكرية والإدارية والقضائية ووسعوا من نطاق امتيازاتهم القومية، مما ألب عليهم أبناء المذاهب والقبائل الأخرى الذين لامسوا وعايشوا زيف ادعاءات حركة طالبان التي سلبتهم حقوقهم وامتيازاتهم باسم الولاء الديني، ومارسوا بحق كل من اعترض أو احتج أقسى أنواع الظلم والاضطهاد والتهميش، مما أدخل البلاد من جديد، في صراع وحروب طاحنه؛ غذتها أطراف إقليمية ودولية بتوجيه وإشراف الولايات المتحدة، التي لم تزول رغم احتلال أمريكا وحلفائها للبلاد، وأن استمرارها وتطورها يعتمد على مدى استعداد الحكم الجديد، بقيادة حركة طالبان؛ الالتزام بتعهداته التي وافقت عليها "الحركة" في الاتفاق الذي وقعته في نهاية شباط 2020 مع الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. إنه اتفاق فريد؛ ثبت الاستراتيجية الأمريكية مع طالبان، وليس فقط مواعيد انسحاب القوات الأمريكية والحليفة لها وعددها، بل رسم "خريطة طريق الحكومة الإسلامية" التي ستتشكل بعد انتهاء خروج القوات الأجنبية من أفغانستان وطريقة أدائها وسلوكها وعلاقاتها الإيجابية بالولايات المتحدة، أي كان اتفاق املاءات، ولم يعبر في أي بند من بنوده على أن طالبان فاوضت "عدوها " من مركز قوة، بل عكس حقيقة ميزان القوى على الأرض، وفي ساحة القتال؛ المختل لصالح قوات الاحتلال الاستعمارية الأمريكية وحلفائها. هنالك بنود في هذا الاتفاق تسلب طالبان سيادتها واستقلاليتها بشكل مسبق وقبل أن تصل الى الحكم؛ ففي بند "ج" من الجزء الاول ورد نصًا ".. أن سجناء طالبان المفرج عنهم (5 آلاف)؛ سيكونون ملزمين بالمسؤوليات المذكورة في هذه الاتفاقية، حتى لا يشكلون تهديدًا لأمن الولايات المتحدة وحلفائها"، اما البند الخامس من الجزء الثاني؛ يمكن اعتباره الأرضية للتدخل السافر والوقح في الشؤون الداخلية الأفغانية، حيث ينص على "أن إمارة أفغانستان الإسلامية التي لا تعترف بها الولايات المتحدة كدولة والمعروفة باسم طالبان، لن تمنح تأشيرات سفر أو جوازات سفر أو تصاريح سفر أو أي من الوثائق القانونية الأخرى لأولئك الذين يشكلون تهديدًا على أمن الولايات المتحدة وحلفائها للدخول إلى أفغانستان"، هذه النصوص المذكورة تم اختيارها كعينه ودليل على ما ستكون عليه أفغانستان تحت حكم طالبان الثاني وبقرار أمريكي، وبما أن هذه الحركة لم تظهر صدفة، وأصبح من المؤكد أنها تشكلت بدعم وإشراف الاستخبارات الأمريكية والباكستانية كقوة سياسية؛ تمثل أكبر القوميات (البشتون) التي يتكون منها الشعب الأفغاني، والتي يصل عددها حسب الدستور إلى 12 قوميه معترف بها، لن تستطيع أن تفك أو تنهي ارتباطها الاستراتيجي مع مؤسسيها، رغم وجود التعارضات المشروعة بينها وبينهم.

لماذا أفغانستان؟

مما لا شك فيه أن السقوط المدوي لما كان يعرف بالمنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي بعد سبعين عامًا من الصراع الوجودي مع النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، التي خاضت حربًا وصراعًا دمويًا شاملًا، ليس فقط ضد النظام الاشتراكي، بل وضد حركات التحرير والأنظمة الوطنية؛ ازدادت شهيتها وتطور طموحها من اجل "بناء عالم على شاكلتها"؛ تفرض عليه نموذجها في ممارسة "الديموقراطية"، وشرعت بإعداد الوسائل والأدوات الضرورية؛ الأيديولوجية والمادية، التي ستقاتل بها أعدائها الجدد المفترضين، واللافت أن مؤدلجيها وسياسيها الاستراتيجيون لم ينظروا للعدو "كنظام" وركزت الحملة الإعلامية على منظومة "جديدة للعدو" تتكون من أفراد ومجموعات "إرهابية" وتؤشر إلى انتماء هؤلاء "الإرهابيين" الديني او العرقي؛ بهدف القول أن الدين أو العرق (القومية)، هما مولد وحاضنه لهذا "الإرهاب" المفترض، ليصبح "الإرهابي" من المنظور الأمريكي هو كل من ينتمي إلى هذا الدين أو تلك الاثنية؛ معبرين بذلك عن فاشيه فريدة لم يسبق أن مورست في الماضي، وتهيئة الأرضية لإبادات عرقيه واثنية او كره للآخر؛ بسبب معتقداته الدينية أو انتمائه القومي أو الاثني، مما أسس لظهور الإسلاموفوبيا والإربوفوبيا في الغرب؛ بسبب ممارسات إرهابيين إسلامويين أو متأسلمين؛ أسستهم أجهزة مخابرات الأنظمة الرأسمالية أو مخابرات أنظمة عميلة لها، وخاصة في الوطن العربي، وما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط لخدمة هذه الاستراتيجية، وشكلت أفغانستان، ليس فقط المفرخة للإرهاب، بل الحاضنة النموذج ومنصة لانطلاق وتوزيع هذه المجموعات من قبل أجهزة الولايات المتحدة والأجهزة العميلة والتابعة لها.

أفغانستان كأحد بلدان "العالم الثالث"؛ يعتمد على أسلوب الإنتاج الزراعي المتخلف، وسيادة نظام الملاكين الكبار للأراضي شبه الاقطاعي، مما فاقم وما زال يفاقم حالة الفقر للفلاحين وللعمال الزراعيين ويعزز لديهم الميول نحو المحافظة في العادات والتقاليد ورفض الأفكار الجديدة العلمية أو الليبيرالية؛ لانهم يعتقدون أنها تتعارض مع التعاليم الدينية وأحكام الشريعة وينظرون لأي إجراء جديد من منظار "الحلال والحرام"، بما فيه توزيع الأراضي على الفلاحين، أي عليهم أنفسهم؛ بحجة أن هذه الأراضي هي  حلال لمالكها "وأن الله هو الذي يوزع الأرزاق"، هذا الواقع الفريد وشبه الاستثنائي؛ يشكل سلاح قاطع في يد القوي الاستعمارية وعملائها في الداخل وفي المحيط الإقليمي ـ الإسلامي، ويتم استغلاله لتطويع الشباب وتجنيدهم بما يتلاءم ومعتقداتهم ومفاهيمهم وتصليبها وتوجيهها نحو التعصب والتزمت، وجعلهم أدوات عمياء في تنفيذ الفتاوي ـ الاوامر.

بناء على ما سبق؛ يحدث الانفصام بين الجمهور والقيادة وبين القيادة وجسم الحركة المقاتلة، وكلما ازداد الانفصام؛ تزداد عوامل التحكم السلطوي والقيادة بلا مساءلة ويستمر التجهيل باسم الوفاء والولاء، ولا يهم حركة طالبان أن يعلم جمهورها أو الشعب الأفغاني تفاصيل اتفاقها مع "الأمريكي الكافر"، أي  من قاتلتهم وتقول أنهم أعدائها، ويمتد هذا السلوك بشكل موضوعي إلى كل المؤيدين والمتعاطفين مع طالبان في العالم الإسلامي وخارجه، وتنجح سياسة تزوير الواقع من خلال التضليل الإعلامي الإمبريالي الرجعي، في رسم نموذج نضالي آخر مُجدي وفعَّال في النضال ضد الإمبريالية؛ قادر أن "يلحق بها الهزيمة الماحقة"، ليصبح معه النموذج الفيتنامي أو الكوبي ـ الجيفاري شيء من تراث الماضي والذكريات الجميلة، وقد انبرت العديد من وكالات الأنباء وأقلام بعض المحللين للمقارنة بين "انتصار" حركة طالبان وانتصار فيتنام، بل وصلوا إلى حد تقزيم النصر الفيتنامي والتهويل من "نصر" طالبان؛ بهدف تقزيم ووأد نصر حركة تحرر وطني قادها حزب شيوعي (الفيتنامي) واعلاء راية "النضال على أساس العقيدة الإسلامية" التي حسب المنظرين والمؤدلجين لهذا التيار؛ يجب صنع الشخصية الإسلامية القدوة وعدم الاقتداء بالرموز اليسارية، كي يبقى "المجاهد" متكامل في عالمه بين الصورة والحدث، لهذا يقول أحد الكتاب الأردنيين ( مهند الشرعة) أن  "عبدالله عزام (الفلسطيني . الطالباني)؛ رمز الثورة الإسلامية السنية، وعلى شباب المسلمين الاقتداء به بدل التشي جيفارا".