كاتب صحفيٌّ فلسطينيّ/ بريطانيا
في الثاني من أغسطس هذا الشهر؛ حاول القضاءُ الإسرائيلي إيجادَ مخرجٍ لمأزق قضية الشيخ جراح، بعد أن وجدت دولتُهُ نفسَها عالقةً بداخله، وبعدما اكتشفت أن المسألة هنا لا تتعلّق بطرد عائلاتٍ من بيوتها؛ بقدر ما أنها تجسّد الاختبار الأبرز لصراعِ الإرادات؛ عندما وقفت الإرادةُ الفلسطينيّةُ أمامَ امتحانِ جدارتها بالدفاع عن نفسها، وتلك معركةٌ لم يكن لإسرائيلَ فيها ما يمكّنها من تحقيق الانتصار الذي تصوّرت أن آلتها العسكرية يمكن أن تحقّقه، كما فعلت على امتداد عقودٍ ماضيةٍ بالقوّة فقط.
كان اليمينُ يتقدّم مسيطرًا على الدولة في العقدين الأخيرين، وتتقدّم مشاريعُه، وسطَ حالةِ انهيارٍ فلسطينيةٍ وعربية، وانعدامِ ممانعةٍ لكل جرائمه التي يرتكبها، وكانت القدس ُ درّةَ التاج التي يجري الصراعُ عليها حتى بعد احتلالها؛ إذ تقوم إسرائيلُ بعملية تطهيرٍ عرقيٍّ منظّمة، مستخدمةً كلَّ ما تمتلك من أدوات الحكومة، والشرطة، والقانون، والبلدية، والجمعيات الاستيطانية، والأموال.. كلَّ شيءٍ من أجل إخلائها، وجعلها يهوديةً باعتبارها المدينة الأهم التي تقول التوراةُ: إن سليمان بنى هيكلًا فيها، بالرغم من إنكار كبار علماء الآثار اليهود، مثل: إسرائيل فلكنشتاين لذلك، ولكن إسرائيل وجمعياتها، تصرّ على طرد الفلسطينيين منها.
رغبةُ إسرائيلَ بالبحث عن مخرجٍ، سواءً بالتهدئة في الشيخ جراح، أو بإيجاد حلولٍ تعدّها وسطيةً، أو بالاتصال بالولايات المتحدة الأميركية والطلب منها إقناع الفلسطينيين بالحل الوسط، الذي اقترحته المحكمة؛ تعكس الشعور الذاتي بعدم القدرة على تحقيق هدف التطهير، وهو لم يكن سهلًا لعقودٍ ماضية، لكنّ الأمر هنا هذه المرة، اصطدم بجدارٍ مختلِف، حيث كانت في الشيخ جراح الشرارةُ التي اتّقدت؛ لتشعلَ كل فلسطين، ويمتدّ لهيبُها إلى باقي عواصمِ العالم، الأمر الذي أصاب إسرائيلَ بدهشةٍ بعد أن اعتقدت أنّ كلَّ شيءٍ حولَها يمهد لإنجاح كل مشاريعها المعجّلة والمؤجّلة، خاصةً في القدس، بعد حصولها على اعتراف رئيسٍ أميركي.
ردودُ الفعل الدوليةُ، هذه المرة كانت صاخبة؛ المظاهرات في الشوارع...في العواصم.. ضاغطةً على سياسيّي الدول، ولكن كل هذا لم يكن ليحدثَ دون "تنين" الإرادة الفلسطينية، الذي نفث النارَ من فمه، بعد أن ظنّت إسرائيلُ أنها أخمدته للأبد؛ فقد تحرك العالمُ على وقعِ الأقدام الفلسطينية، ولو لم يفاجئ الفلسطينيون العالمَ بتصدّيهم؛ لم يكن ليتحرّكَ أحدٌ أو يصرّح؛ فقد وصل اللهبُ إلى البيت الداخلي للحزب الديمقراطي الأميريكي.. كان حريقًا بدأ في الشيخ جراح ليملأ الكرة الأرضية، وهنا كانت لحظةُ العجز الإسرائيلي.
أهالي الشيخ جراح العُزّل من كلّ شيءٍ سوى الإرادة، كانوا الصخرةَ التي وقفت في البداية وتلقت إسرائيل ما يكفي من التحذيرات، لكنها تجاهلت ارتباطًا بواقع العجز الذي يتجسد في الإقليم منذ عقدٍ وأكثرَ، وحالةِ الانقسام التي فتّتت الفلسطينيين، وانشغلوا يطحنون بعضَهم، ولم تتوقع أن هذا المارد الفلسطيني الرابض على الأرض حين يتحرّك، فإنه يحرّك العالم، وهذا ما حصل.
الآن، مرةً أخرى، وقعت إسرائيلُ في مأزقٍ صنعته لنفسها؛ فالتراجع يعني هزيمةً محقّقةً ستكون بدايةَ هزائمَ وتراجعاتٍ وانتصارِ الإرادة الفلسطينية بشكلٍ معلن، والتقدّم في إخلاء سكان الحي يعني الحريق الكبير، الذي شاهدتَ كيف اشتعل ولم تتمكّن من إطفائه في الداخل، واستدعى ضغوطاتٍ دوليةً، وانتقاداتٍ وعواصمَ؛ لذا، فإن البحث عن مخرجٍ إنّما هو محاولةُ إسرائيلَ لحفظ ماء الوجه من معركةٍ بات واضحًا أنه ليس من السهل كسبُها بتلك السهولة، وهي معركةٌ لا تصلح معها كلُّ ترسانةِ إسرائيلَ العسكريةِ التي دججت مخازنها بها.
لقد رفض سكانُ حي الشيخ جراح الحلولَ الوسط: فماذا ستفعل إسرائيل؟ هو السؤال الذي بدأ مع بداية هذا الشهر حين حاولت المحكمةُ الالتفافَ على السكان بإبقائهم في بيوتهم، ولكن بدفع إيجارٍ لجمعياتٍ استيطانيّة، كان ذلك يعني ملكيةَ المستوطن للبيوت، وتلك سابقةٌ يمكن أن تتكرر. وبالمناسبة لم يقس القضاءُ الإسرائيلي هذا على الفلسطينيين، فكلُّ البيوت التي يسكنها الإسرائيليون بيوتٌ فلسطينيةٌ تمّ الاستيلاءُ عليها بالقوّة منذ النكبة: فلماذا لا يدفعون إيجارًا لأصحابها، إذا كان الأمر هكذا؟
إنه المقياسُ العنصري الذي يكيل بكل المكاييل لمصلحةٍ قوميّةٍ واحدة، ويمارس التطهير العرقي من أجلها، لكن، هذا المقياسُ انكسر على صخرة صمودِ عائلاتٍ فلسطينيّةٍ قليلة، وتلك معجزة الفلسطيني الأكثرِ ضعفًا، لكنه الأكثرُ قوة... قوة الحق والإرادة التي جعلت دولةً تتبجّح في الإقليم، لكنها أمام حي الشيخ جراح تبحث عن حلولٍ وسط، وتوسّط الولايات المتحدة؛ ليقبلوا بهذا الحل. وتلك هي معجزة الإرادة...!

