Menu

الكيانُ الصهيوني: بين العلمانيّةِ والديموقراطيّةِ والفكرِ الدينيّ

محمّد جبر الريفي

نُشر هذا المقال في العدد 29 من مجلة الهدف الإلكترونية

ما يقال عن الديمقراطيّةِ في الكيان الصهيونيّ هو مجردُ زيفٍ وتضليل؛ لكسبِ استمرارِ تعاطفِ العالم الغربي الرأسمالي للمشروع الصهيوني وتأييده، الذي من خلاله يتمُّ الالتفافُ على طبيعة الدولة اليهوديّة الدينيّة العنصريّة، التي تستمد سياستها من الفكر الصهيوني المغرق بالرجعية، الذي يعتمد على نصوصٍ دينيّةٍ توراتيّةٍ وتلموديّة؛ مشكوكٍ في صحتها، ذلك أن السياسة الصهيونية التي تتبناها وتمارسها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة؛ تنطلق من أن إسرائيلَ هي دولةُ اليهود، وفي القاموس السياسي الممارس؛ فهذا يعني الانتقاص من حقوق الأقليّةِ العربيّةِ الفلسطينيّة، وعلى قاعدة هذا الطرح؛ تبدو حالة التعارض في طابع الكيان الصهيوني بين العلمانية والديمقراطية من جهةٍ، والتأكيد على الهُويّة الدينيّة وسياسة القهر القوميّ التمييزيّة السلطويّة من جهةٍ أخرى. وفيما يتعلق بعملية الانتخابات بين فترةٍ وأخرى؛ فهي تجري في الحقيقة داخل معسكرٍ سياسيٍّ فكريٍّ واحد، وهو معسكر اليمين، وذلك بعد انحسار نفوذ حزب العمل الإسرائيلي (أحد أحزاب الاشتراكية الدولية) الذي أسهم بدورٍ أساسيٍّ في إقامة دولة الكيان الصهيوني، وظلّ مهيمنًا على الحياة السياسية لفترةٍ زمنيةٍ طويلة، حتى فوز ما كان يسمّى بحزب (حيروت) الذي كان يوصف بالصقور؛ بزعامة مناحيم بيجين، الذي أصبح رئيسًا للحكومة، التي عُدَّت في حين تشكيلها؛ متغيرًا سياسيًّا نوعيًّا في الخارطة السياسيّة الإسرائيلية، وقد تعزّز ذلك التغيير بما تمّ التوصل إليه مع نظام السادات؛ بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد.

أما فيما يخص ما يسمى باليسار الإسرائيلي، وبالتحديد الحزب الشيوعي (راكاح) الذي كان يضم في صفوفه بعضًا من مثقفي الأقليّة العربيّة؛ فإنه كان يفتقر، وما زال، لأي تحليلٍ علميٍّ للصهيونية كحركةٍ استعمارية، أي أنه لا يواجه الصهيونية وكيانها العنصري التوسعي، إلا من خلال سياستها الخارجية القائمة على مبدأ العدوان والتوسع، المرتبطة بالمصالح الأمريكية والغربية. أما موقفه من المسألة الفلسطينية، فهو مع إجماع القوى السياسية الذي يقوم أساسًا على التمسّك بالمطالب الإسرائيلية، خاصةً في قضيتي القدس واللاجئين، وهو موقفٌ لا يختلف كثيرًا عن موقف اليمين الإسرائيلي تجاه حل القضايا الجوهرية للصراع.

من خلال قراءةٍ صحيحةٍ للخارطة الحزبية الإسرائيلية؛ يتبين لنا أنه منذ تتابع فوز (الليكود)، ثم إعادة انتخاب نتنياهو لأكثرَ من مرة؛ رئيسًا للحكومة الإسرائيلية؛ فإن الحياة السياسية في المجتمع الإسرائيلي غالبيتها؛ أضحت من لونٍ واحد، وإن اختلفت التسميات؛ فنتنياهو رئيس حزب الليكود، وزعيم المعارضة الحالي، هو لا يختلف كثيرًا عن لبيد – نفتالي؛ رئيس الحكومة الإسرائيلية بالائتلاف والمشاركة مع جانتس؛ رئيس حزب أبيض أزرق ورئيس الأركان السابق، والاثنان مثلهما مثل ليبرمان؛ رئيس حزب البيت اليهودي. هكذا في المشهد السياسي الإسرائيلي الحالي.. لا يوجد فرقٌ كبيرٌ بين الساسةِ اليهود الإسرائيليين، الذين لهم تأثير وحضور سياسي؛ فكلهم عنصريون بعيدون عن جوهر الديموقراطية، وأما الانتخابات البرلمانية، فهي لا تعدو كونها عمليةً صورية؛ تندرج في إطار المصالح السياسية والتنظيمية؛ تقوم بها الأحزابُ الإسرائيلية؛ بهدف الوصول إلى السلطة السياسية، لتحقيق مكاسبَ فئويةٍ وشخصيةٍ في مجتمعٍ يمينيٍّ عنصريٍّ فاشيٍّ ونظامٍ سياسيٍّ نازيٍّ لا يؤمن بالمساواة بين مواطنيه، حيث التمييزُ الصارخ بين العرب واليهود، بل وداخل الإسرائيليين اليهود أنفسهم، بين الشرقيين والغربيين والفلاشا الإثيوبيين الأفارقة/ وذلك لإيهام المجتمع الدولي؛ من خلال هذه العمليات الانتخابية، خاصةً القوى الديمقراطية في أوروبا والغرب عمومًا؛ برقيّ الدولة الإسرائيلية ومجتمعها وتحضّرهما، وأنها الدولة الوحيدة التي تعيش وسطَ عالمٍ عربي؛ متخلفٍ ومعادٍ للديموقراطية؛ تحكمه أنظمةٌ استبداديةٌ فاسدة، وهذه مقارنة عممتها الصهيونية العالمية للرأي العام في المجتمع الدولي عند تأسيس الكيان الصهيوني، وكانت بالفعل وراء اعتراف الاتحاد السوفييتي السابق، وبلدان منظومة المعسكر الاشتراكي المنهار؛ فور إعلانه في شهر مايو عام 1948، وذلك في إطار المراهنة السياسية والأيديولوجية عليه؛ بهدف تعميم الديمقراطية، وتعزيز وجود القوى السياسية التقدمية واليسارية، خاصةً، الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية والشرق الأوسط .