نقول أن على كل القوى والطاقات الوطنية الفلسطينية أن تتحرك بمنتهى الجدية، والمسؤولية قبل أن يفرض الاحتلال واقعًا جديدًا في القدس والأقصى لا يمكن اجتثاثه مع الزمن، وعلى القوى العربية الحية أن تتحرك بدورها قبل أن ينجح الاحتلال بتمرير مخططاته الجهنمية، فعمليات الاقتحامات اليومية المتصلة للحرم والأقصى تنفذ باصرار عبر ثلاثة محاور خطيرة: الأول اقتحامات المستوطنين الإرهابيين اليومية، وهم إنما ينفذون مخططًا حكوميًا بالوكالة (وقد وصلت هذه الاقتحامات إلى ذروة جديدة اليوم الخميس 23/9/2021، حيث وصل عدد المستوطنين المقتحمين إلى نحو 600 مستوطن). والمحور الثاني اقتحام الجنود بلباسهم العسكري وجولاتهم الاستكشافية والإرشادية، أما المحور الثالث فهو اقتحامات لمجموعات المخابرات وجولاتهم في أنحاء أبنية المسجد الأقصى المبارك. والواضح تمامًا من وراء منهجية الاقتحامات اليومية للأقصى أن يسعى إلى فرض أمر واقع صهيوني تهويدي جديد في القدس والحرم والأقصى لا يمكن تغييره مع الزمن من وجه نظرهم. ولذلك نوثق ونشدد على أن القصة في المدينة المقدسة إنما هي قصة صراع شامل وجذري ووجودي على الرواية والتاريخ والهوية والسيادة والمستقبل، وليست قصة مسيرات الأعلام الصهيونية السنوية التي تنطلق في أنحاء القدس للتعبير عن "السيادة الصهيونية على القدس"، كما إنها ليست في الحقيقة الصراع على المسجد الاقصى أو الصلاة فيه فقط، وليست كذلك قصة البوابات الالكترونية التي أجبرت هبة الاقصى حكومة نتنياهو على إزالتها، أو قصة انتهاكات واقتحامات يومية للحرم والأقصى كما نتابع على مدار الساعة، فهم-أي بني صهيون- يسعون منذ بدايات مشروعهم من أجل اختطاف القدس وتسويقها "مدينة يهودية عاصمة لإسرائيل إلى الأبد"، وكان نبيهم مؤسس الحركة الصهيونية ثيودورهرتزل قد عبر عن هذا الجوهر في إحدى خطبه في المؤتمر الصهيوني الأول [ 29 – 31/ أغسطس – آب/ 1897 ]، حيث قال: "إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت لا أزال حيًا وقادرًا على القيام بأي شيء.. فسوف أزيل كل شيء ليس مقدسًا لدى اليهود فيها، وسأحرق الآثار-ويقصد العربية الإسلامية طبعًا- التي مرت عليها قرون". ولم تتوقف الحكاية عند هرتزل، وإنما تواصلت عبر العقود والساسة والحاخامات اليهود، ومن هرتزل إلى بن غوريون، إلى بيغن، إلى بيريز، إلى شامير، إلى رابين، فشارون فباراك فاولمرت فنتنياهو ثم أخيرًا بينيت، ثم جاء الرئيس الأمريكي ترامب ليتوج المشروع الصهيوني التهويدي للقدس باعترافه ومنحه "القدس عاصمة لإسرائيل"، وهم يؤدلجون هجومهم التهويدي بنصوص توراتية مزيفة...!
واليوم، وما بين زمن هرتزل وبعد نحو قرن وأربعة وعشرين عامًا، فإن العنوان الذي يسود المشهد المقدسي هو: أن الصراع على القدس والمقدسات بات واضحًا تمامًا إنه صراع على الرواية والهوية والسيادة والمستقبل في ظل موجات متلاحقة من الهجمات الاحتلالية التهويدية التزييفية التي تهدف إلى تغيير معالمها التاريخية والحضارية والدينية والتراثية...الخ.
ما يستدعي من الجميع فلسطينيًا وعربيًا إعادة ترتيب الأوراق والأولويات والحسابات كلها، لتعود الأمور إلى بداياتها، باعتبار أن الصراع صراع وجودي وجذري مع المشروع الصهيوني ومن يقف معه من الغرب الاستعماري ومن المطبعين من العرب الأعراب.

