تصريحات الرئيس ماكرون في لقاء شبابي جزائري في باريس؛ كان لها وقعًا سلبيًا في العاصمة الجزائرية، واعتُبرت تدخلًا في شؤونها الداخلية واستدعت الخارجية الجزائرية سفيرها وأغلقت الجزائر مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الفرنسية. لقد حرص الإليزيه على أن يكون اختيار الشباب (من مزدوجي الجنسية)؛ خليطًا يجمع أصولهم العربية والأمازيغية ويخلط بين دور أبائهم من المجاهدين المحاربين للاستعمار الفرنسي وغيرهم من أبناء الحركيين، هذا المصطلح الذي أطلق على المتعاونين معه، في فترة احتلاله واستعماره للجزائر.
اللقاء كان تحت عنوان (مصالحة الشعوب)؛ وفقًا لصحيفة لوموند الفرنسية التي شارك مندوبوها في اللقاء (نقلًا عن روسيا اليوم). أشارت الصحيفة إلى أن الرئيس ماكرون طرح أنه يريد إعادة كتابة التاريخ الجزائري باللغتين العربية والأمازيغية لتصحيح الأفكار التي تروجها تركيا حول الاستعمار الفرنسي، ووضح أن فرنسا ليست هي الاستعمار الوحيد، بل أشار إلى الهيمنة التركية وطرح سؤالًا تاريخيًا عن وجود الأمة الجزائرية ما قبل الاستعمار الفرنسي .
التضليل الذي مورس في اللقاء بدءًا من العنوان (مصالحة الشعوب)، وكأن الصراع هو بين الشعوب ومنها الفرنسي والجزائري؛ فالصراع لم يكن يومًا بين الشعوب، بل كان صراعًا بين الطبيعة الاستغلالية للنظام الرأسمالي الذي انتقل من إطاره القومي إلى الإمبريالي ومارس الاستغلال المركب لفئاته الاجتماعية التي كانت وقودًا لحروبه الاستغلالية وأداة لقتل وتشريد وتمزيق المجتمعات التي خضعت لاستعماره السياسي والاقتصادي والثقافي.
تميز الاستعمار الفرنسي عن الإنكليزي والإيطالي ما بعد سايكس بيكو؛ بأنه جعل العنوان الثقافي؛ مدخلًا لترويج احتلاله وحروبه واستعماره. في هذا الإطار؛ فإن المفاضلة التي طرحها الرئيس ماكرون تحت عنوان: أن الاستعمار الفرنسي ليس هو الوحيد، بل سبقته الهيمنة التركية، وأشار إلى ضرورة إعادة كتابة التاريخ، من منطلق المفاضلة بين الهيمنة العثمانية والاستعمار الفرنسي، وأن للاستعمار الفرنسي الفضل في إحياء الأمة الجزائرية التي لم تكن موجودة قبل استعماره.
إعادة كتابة التاريخ الجزائري من حيث المقارنة بين الاستعمار الفرنسي والهيمنة العثمانية هو بالواقع مدخل مضلل ويصادر دور الجزائر وشعبه في كتابة تاريخهم؛ الجزائريون هم الجهة الوحيدة المخولة للقيام بهذا الدور.
من الممكن أن تقوم الدولة الفرنسية بنشر وقائع تاريخ استعمارها وأسبابه السياسية والاقتصادية والثقافية وانعكاساته على مستقبل الجزائر وشعبها الذي ما زال يعاني من آثار تبعات استعمارها بكل أشكاله. أما أن تكتب تاريخ الجزائر؛ فهذا تدخل سافر يعبر عن عمق نظرة الساسة الفرنسيون على أن الجزائر ما زالت تعتبر امتداد طبيعي للمصالح الفرنسية.
من الممكن المقارنة بين الاستعمار الفرنسي والهيمنة العثمانية؛ من على قاعدة الاستخدام السياسي للأفكار الدينية من جهة وأفكار الثورة الفرنسية من جهة أخرى؛ فالهيمنة العثمانية كانت استمرارًا للاستخدام السياسي للفكر الديني الإسلامي الذي بدء منذ دخول مكة وصك المصالحة القبلية تحت مظلة الإسلام، هذه المصالحة (المساومة) التي اعترفت بتداخل المصالح المشتركة بين رأس المال القريشي والفكر الديني، وشكلت بداية حقبة جديدة للإسلام؛ طُوِعت فيها المصالح الدينية الفكرية للمصالح الرأسمالية النفعية، وفي هذا الإطار يُقرأ الصراع الذي نشأ بالإسلام ما بين ما اُصطلح على تسميته؛ صراعًا بين أنصار على وبين أنصار معاوية الذي كان في الجوهر؛ صراعًا على أولوية الخضوع بين الفكر الديني وبين المصالح الرأسمالية التي مثلتها الأموية ما قبل الإسلام وبعده، حيث كان أنصار فكر الإمام على بن ابي طالب؛ يقوم على أساس اخضاع دور رأس المال للفكر الديني وإظهار عدالته، في حين كان الفكر الأموي؛ يريد اخضاع الفكر الديني بما يخدم دور رأس المال.
لقد استخدم الاستعمار الفرنسي؛ أفكار الثورة الفرنسية لإعطاء مشروعية لاستعماره واستغلاله للشعوب الأخرى عبر الترويج الثقافي وإلغاء ثقافات وتاريخ الشعوب. ففي الجوهر لا فرق بين الهيمنة العثمانية وبين الاستعمار الفرنسي؛ من حيث اخضاع الأفكار لسلطة رأس المال السياسي الذي استخدم الأفكار الدينية والإنسانية للدور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لممارسة استغلالها للشعوب التي خضعت للاستعمار الفرنسي والهيمنة العثمانية.
إن أُسس كتابة تاريخ لاستعمار بأشكاله المباشرة وغير المباشرة؛ إن كان استعمارًا فرنسيًا أو انكليزيًا أو إيطاليًا، يجب أن يُقرأ من على قاعدة الدور والمصالح المركبة والمتداخلة بين التقاسم الرأسمالي في مرحلة انتقاله للإمبريالية، هذا التقاسم الذي كان له خصوصية في منطقة النفوذ العثماني؛ ارتباطًا بالمشروع الصهيوني في فلسطين.
موقف الجزائر من القضية الفلسطينية يشكل سببًا رئيسًا للصراع معها لتقويض دورها وكسر جبهتها الداخلية؛ مستغلين بعض الأخطاء السياسية والاقتصادية والاجتماعية لبعض مراكز السلطة الجزائرية، هذه الأخطاء التي يجري حلها بما تقتضيه المصلحة الجزائرية. إن مشكلتهم مع النظام الجزائري هي موقف الجزائر من التدخلات الخارجية؛ إن كانت في ما يسمى دول المغرب أو موقفها الحاسم بالشأنين السوري والفلسطيني. أما عن سؤال إذا ما كانت هنالك أمة جزائرية ما قبل الاستعمار الفرنسي؛ فهذا السؤال يجب إعادة صياغته ليطرح هكذا: ماذا لو تركت شعوب ومجتمعات المنطقة لأن تحدد خياراتها؟
فمن الممكن أن تكون هنالك أمة تسمي نفسها (مغاربية أو جزائرية أو تونسية)؛ تمتد من غرب ليبيا إلى المحيط الأطلسي؛ فالعربية والأمازيغية تختلط وتتشابك مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وظروفها التاريخية كانت مهيئة لأن تكون دولة واحدة؛ تحمل كل ما هو ثقافي واجتماعي وسياسي للمجتمعات الممتدة بين غريان ليبيا وغرب المغرب وصولًا للمحيط وشمالًا وجنوبًا، إلا أن العامل الاستعماري الخارجي؛ شكل عائقًا لعملية التطور الذاتي وعائقًا أمام الخيارات الإنسانية الطبيعية لمجتمعاتها.
الأمة التي يتحدث عنها الرئيس ماكرون هي التي أُنشِئت نتيجة لاتفاقية سايكس بيكو التي تقاسم فيها الاستعمار النفوذ والمصالح الاستعمارية في المنطقة المتناقضة مع التطور الطبيعي لمجتمعاتها، هذه المصالح الاستعمارية التي كان معيارها ايجاد حيزًا للمشروع الاستعماري الصهيوني الإحلالي اليهودي في فلسطين. وإذا ما سحبنا كلام الرئيس ماكرون؛ فإن للاستعمار الفرنسي والإنكليزي الفضل في ظهور الأمم السورية واللبنانية والأردنية والسعودية والإسرائيلية...الخ. هذه الأمم والبلدان التي تعاني بعد مائة عام من تقسيمها؛ من حالة من التناحر والتعارض بين شعوبها وحكامها والفضل في ذلك للسياسة التقسيمية الاستعمارية التي أجرت عملية جراحية دقيقة لمجتمعات المنطقة لتهيئة الظروف لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين.
الهجمة على الجزائر ومحاولات محاصرتها وتقويض وحدتها الاجتماعية ما زالت قائمة وستقوى، خاصة بعد إعلان التطبيع الرسمي بين المغرب وإسرائيل الاحلالية.
إن المدخل لإعادة كتابة التاريخ الاستعماري، يجب أن يبدأ؛ بعنوان الاعتذار الرسمي الفرنسي عن كل المجازر وآثارها على المجتمع الجزائري وإعطاء كشف ومعلومات للدولة الجزائرية عن أماكن دفن النفايات النووية في الصحراء الجزائرية التي استخدمها الاستعمار الفرنسي في تجاربه النووية، والاعتذار عليه أن يترافق مع تعويض لأسر المجاهدين الجزائريين الذي قتلتهم آلة الحرب الفرنسية. فالخلط بين الشباب الجزائري من أبناء المجاهدين والحركيين (المتعاونين مع الاستعمار) في قتل أبناء شعبهم وأبناء الفرنسيين المقيمين في الجزائر؛ يراد منه إعادة تشريع للسياسة الاستعمارية وإسقاط الفوارق بين حدود المُستعمِر وعملائه، وبين المجاهدين ضد الاستعمار وسياساته.
الشباب الجزائري يجب أن يكون موحدًا في الموقف من الاستعمار والهيمنة؛ بغض النظر عن الصفة القومية أو الدينية اللتان استخدمتا في تشريع كلًا منها، وهذا الحال يجب أن يعمم على كل الشباب من المحيط إلى الخليج، ولا يجب أن يحاكم الشباب على أفعال هم لم يرتكبوها، هذه الأفعال التي يراد الصاقها بهم من خلال تسميتهم بأبناء الحكريين حصرًا في الجزائر.
إن الموقف الجهادي من الاستعمار هو المعيار للموقف التاريخي الوطني التحرري للشعب الجزائري، فالتضامن مع الجزائر وشعبها وإعلان الوقوف معها هي مهمة الوطنيين، وعليه؛ فإن كتابة تاريخ المنطقة، يجب أن يوكل لمثقفيها اللذين يجب أن يقرؤه من خلال قراءة نقدية لإرثه الفكري الديني وتقاطعاته وتعارضاته وايجابياته ودوره في تطور مجتمعات المنطقة ووحدتها الذي لعب فيه الدين دورًا مهما في الظروف التاريخية التي حكمت ظهوره .
إن اخضاع الأفكار الدينية للمصالح السياسية هو الذي يجب أن يُنقَد؛ على أنه لعب دورًا سلبيًا تاريخيًا في طريقة وإدارة حل مشكلات مجتمعات المنطقة.

