Menu

عمالةُ القصر لآل صهيون علامةٌ مسجّلةٌ باسمه!

خليفه بن قاره

نشر هذا المقال في العدد 30 من مجلة الهدف الإلكترونية

يُخطئ مَن يظنُّ أنّ ما ألحقه القصرُ الملكيُّ المغربيُّ من ضررٍ بالجزائر؛ هو نتيجةُ وقوفها إلى جانب الشعب الصحراوي منذ كان تحت الاحتلال الإسباني، ذلك أنّ المُطّلعين على تاريخ هذا القصر، لم يتفاجؤوا باستقدامِ الصّهاينةِ إلى أرض الشعب المغربي وتهديدِ الجزائر بهم، وهو الذي يفاخر بأنّه صدّر للكيان الصهيوني (الذي احتلّ أرضَ فلسطينَ وشرّد شعبَها) أكثرَ من مليون يهودي؛ عزّز بهم ذلك الاحتلالُ البغيضُ وجودَهُ في أرض الآخرين.

إنّ قرار الجزائر بقطع العلاقات الدبلوماسية – دون المساس بالعلاقات الشعبيّة، حتى وإنْ حاول المخزن مسّها بسوءٍ؛ ليزرع الضغينة والحقد والبغضاء بين الشعبين الشقيقين – إنّما هو وضعُ حدٍّ لمظالمَ تاريخيّة، اقترفها هذا النظامُ ضدَّ الشعب الجزائري، كلما وجد في النظام السياسي الذي يحكم الجزائر ما لا يتماشى مع هواه الذي يتجاوز مصلحته الخاصّة، ليخدم المصالح الحيوية للاستعمار الغربي، وإنْ استطاع أن يُحقِّق بعضَ النجاح في بعض الأوقات، فإنّه سرعان ما يكتشف المغاربةُ خيانةَ قصرهم، فيطردون شيطانه ويعودون إخوةً مع الجزائريين كما كانوا وسيظلون.

لمن لا يعرف تاريخَ القصر المغربي من الأجيال الجديدة؛ نُذكِّره ببعض محطّات الغدر بالجزائر – كبلدٍ مكافحٍ عبر الحِقَب، وك قطر من أقطار الوطن العربي الكبير، الذي وحّده الإسلام وجعله جسمًا واحدًا، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسد – وهي:

* حينما ابتلى اللهُ الجزائريين بآفة الاحتلال الفرنسي الهمجي سنة 1830؛ لم يستسلم الشعبُ كما استسلمت "إيالته" أي النظام الذي كان يحكمه، بل ثار في كلّ جهةٍ من جهات الجزائر الواسعة، إلى أن تولّى قيادة ثورته الأمير عبد القادر، ابتداءً من عام 1832، وخاض به معاركَ ضاريةً كادت أن تُنهي ذلك الاحتلال، وتطرد آخر مَن بقيَ حيًّا إلى ما وراء البحر، ولما رأى ملكُ ذلك الزمن عبد الرحمن بن هشام، التفافَ القبائل حولَ مشروع الأمير التّحرّري، والمؤازرة غير المشروطة من الشعب المغربي له؛ أوجس خيفةً على حكمه؛ فانساق وراءَ التحالف مع عدوّه "الكافر" ضدّ الأمير "المجاهد"؛ فاشترط عليه ذلك الحليفُ الفرنسي، أن يقتل الأمير أو يأسره ليخلوَ له الجو، وزاد هو كيلُ بعيرٍ بأنْ منع معونات الشعب المغربي إلى جيش الأمير، وقال: أنا أولى بها منه، ما جعل المغاربةَ يثورون ويطلبون من الأمير مبايعته عليهم؛ فرفض واكتفى بمراسلة الأزهر الشريف، يشكو له فيها أفعالَ ملكٍ مسلمٍ جار، حتي وإن جاءت الفتوى مستنكرةً ما يقوم به ذلك الملك الضال، إلا أن وضع جيش الأمير ازداد صعوبةً على الأرض؛ فاختار الأمير أخفّ الأضرار حقْنًا لدماء المسلمين وحفظًا لأرواحهم وأرزاقهم.

* ما إن بدأت المفاوضات بين ثوّار جبهة التحرير الوطني الجزائرية وجيشها وبين فرنسا، ولاحت في الأفق ملامح استرجاع الجزائريين لأرضهم ووطنهم، بعد التضحية بأكثرَ من مليون ونصف المليون من الشهداء، ولم يبقَ إلا تحديد آليات تسليم الإدارة لأصحاب الأرض، وضمان خروجٍ آمنٍ للقوّات الغازيّة الفرنسيّة؛ حتى اتّصل الملك محمد الخامس بالجنرال شارل ديغول، وطلب منه اقتطاع أجزاءٍ من الجزائر "المُستعمَرة" وإلحاقها بالمغرب، قبل التوقيع النهائي على أيِّ اتِّفاقٍ بين فرنسا والثوّار الجزائريّين، وهو ما رفضه ديغول كما جاء في مُذكِّراته، مع أن الجزائريين، وهم في أتون الحرب، خرجوا عام 1956 في مظاهراتٍ كبرى؛ احتجاجًا على نفْي محمد الخامس ويطالبون بإرجاعه إلى عرشه.

* ما زال حبرُ الاتّفاق بين الجزائر ودولة الاحتلال لم يجفّ، ودموع الجزائريّين وجراحهم لم تندمل، حتى قام الأمير المغامر الحسن الثاني (الذي أصبح ملكًا في لحظة طيشٍ وراثيّة) بغزو الجزائر عام 1963 فيما يُعرَف بحرب الرمال، في أكبر عمليّة دناءةٍ يقوم بها جار شقيق، في محاولةٍ يائسةٍ منه، لتحقيق رغبة "الوالد" باحتلال أراضٍ جزائريّة؛ يدَّعي أنّها أرضٍ تاريخيّةٌ ملكٌ للقصر، ولأنّ الجزائريّين كانت أيديهم ما زالت على زناد أسلحتهم؛ هبّوا جميعًا إلى مواجهته؛ متناسين ما بينهم من خلافاتٍ تركها فيهم الاحتلالُ قبل الترحيل؛ فلقّنوه درسًا لا أظنّ أنّه نسيه حتى رحل، ولأنّه خسر الحربَ وخسر معها سمعتَه؛ حاول استرداد بعض ما ضاع، إذ دعا إلى استضافة القمّة العربيّة في المغرب، التي سيُصبح منها رئيسًا للجنة القدس ، أو تحرير القدس، أو تسليم القدس، في إطار المواجهة المفتوحة، بين المجموعة العربيّة، التي كانت كلّها في جبهة القتال، من أجل استئصال الزرع الصهيوني، الذي زرعه الغربُ الاستعماري في قلب الأمّة، ولكنّه راح ينتقم من الجميع، حيث باع للموساد كلَّ التسجيلات التي جرت في القمّة العربيّة عام 1965، التي حضرها وتحدّث فيها، الرؤساءُ والملوكُ العرب، ووزراءُ دفاعهم وقادةُ جيوشهم، ومسؤولو أجهزتهم الأمنيّة؛ ما كشف كلَّ الخطط العسكريّة العربيّة، أمامَ قادة الكيان الصهيوني، وألحق الهزيمة بالجيوش العربيّة فيما يُعرَف بنكبة 1967.

* أدخل سَفَهُ السياسة الجزائريين في دوامة الجنون، الذي سرعان ما تحوّل إلى جنونٍ دموي، في ذلك الوقت استعار ملكُ القصر من أبي لهب مُهمّته وراح يؤجِّج الحرب، ويُزوِّد الخارجين عن الدولة بالمال والسلاح والإقامة الآمنة، وحينما امتدّ إليه لهبُ ما أوقده، من خلال تفجيرات مراكش عام 1994، سارع في خطوةٍ مُتهوِّرةٍ إلى فرْض التأشيرة على الجزائريين؛ مُتّهِمًا إياهم بتلك التفجيرات، لترد عليه الجزائرُ بخطوةٍ لم يحسب حسابها، وهي غلقُ الحدود تمامًا، التي كان الجزائريون – عبرَها – قد أعادوا الحياةَ إلى المناطق الغربيّة، من مملكة ملك "شعبي العزيز" لتعود بعدها إلى تصحّرها القديم؛ فأجدبت تلك المناطق، وجفّت فيها كلُّ منابع "الخضرة والوجه الحسن".

* ولما لم يجد القصرُ وحلفاؤه بعد التذلّل والتوسل للجزائر، ولم تشفع له وساطاتُ الأشقاء والأصدقاء، في فتح الحدود، بلا شروطٍ كما يهوى؛ راح يستعمل الوسائل غيرَ المشروعة، وانساق وراء وهْمِ مقايضةٍ أغراه بها دونالد ترامب (الرئيس التاجر)؛ المُخرَج من البيت الأبيض الأمريكي، بأن تعترف إدارته في آخر أيامها؛ بمغربيّة صحراء يقاتل أبناؤها من أجل استقلالهم، مقابلَ أن يُخرِج القصر الملكي ما كان مخفيًّا بينه وبين الصهاينة إلى العلن، ويقيم علاقاتٍ دبلوماسيّةً بينه وبين الكيان الصهيوني؛ ظنًّا منه أن ذلك سيُرغم الجزائر على فتْح حدودها، التي سيهرب إليها المغاربة، من عوزٍ يطاردهم، وشماتةِ الأشقاء التي تلاحقهم، وليندسّ بينهم عملاءُ الموساد، وكلُّ مَن لا يريد خيرًا للجزائر وشعبها، ولأنّ المعتوهين يفعلون ما لا يحسبون له حسابًا؛ استضافوا وزيرَ خارجيّةِ الكيان الصهيوني، وتركوه أو همسوا له، ليهاجم الجزائر وهو على بُعد حجرٍ منها؛ مُتَّهِما إياها بالتُّهَم الجاهزة، لعلّ أقلَّها السيرُ على خطى إيران.

القصرُ الملكي يدفعه صهاينتُهُ اليهودُ دفعًا، إلى ارتكاب مزيدٍ من الحماقات والأخطاء، ليس في حقّ الشعب الجزائري فقط، إنّما في حقّ الشعب المغربي أيضًا، وهما الشعبان اللذان وحّدتهما الجغرافيا والتاريخ، والدِّين واللغة، والألسن المحليّة المتنوِّعة، وتحاول مصالحُ الآخرين الضيّقة، أن تُلحق بهما الأضرار، ولِمَ لا تكون المواجهةُ العسكريّة، هكذا ربّما هم يأملون. ولأنّ الجزائر من ثوابتها التي لن تُفرِّط فيها؛ مناصرةُ كل قضايا التحرّر في العالم، وعلى رأسها القضيتان؛ الفلسطينيّةُ التي تناصرها "ظالمةً أو مظلومة"، والصحراويّةُ التي تتحمّل تبعات نضالها وكفاح أبنائها، وهي تُعتبَرُ خطًّا أحمرَ في فهمها الرسمي والشعبي، وكلّ مَن يحاولُ تجاوزه أو يستعين بمن يحاولُ تخطّيه، فهو في مرمى نيرانها التي لا ترحم، واسألوا المقبور الذي لفظته الحياةُ وعافه الموتُ (شارون) عن بأس الجزائريين، الذين أبادوا كتيبته في الحرب العربيّة الصهيونيّة عام 1973، بأسلحةٍ بسيطةٍ وكادوا يأسرونه، لولا فرملةُ مَن ذهبوا لنصرتهم؛ فما بالُك وهم يحوزون على أفضل ما أنتجته تكنولوجيا السلاح، ويتحكّمون فيها باقتدارٍ كبير، وفوق ذلك يملكون إرادةً لم تنهزم ولن تنهزم، رغم كلّ الحواجز التي وُضِعت على الطريق، منذ بدايةِ تسعيناتِ القرن الماضي.