في نيسان/ أبريل من العام الحالي أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس وبشكل مفاجئ قرار بتأجيل الانتخابات الفلسطينية التي تمت الدعوة لها في 15.1.2021، وكانت بحسب الدعوة تتم انتخابات المجلس التشريعي بتاريخ 22 أيار/ مايو، وانتخاب رئيس دولة فلسطين بتاريخ 31 تموز/ يوليو، واستكمال تشكيل المجلس الوطني في 31 آب/ أغسطس من العام الجاري.
قامت السلطة الفلسطينية برمي كرة الانتخابات في حضن الاحتلال " لا انتخابات بدون القدس " الامر الذي جعل الاحتلال يتجاهل الكره وينهي المباراة، ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه كيف نطالب من سلب حريتنا منذ أكثر من 70 عاماً ان يمنحنا حرية الاقتراح على الصندوق وهو لا يمنحنا حرية الحياة؟، ولو _ لعنت لو_ اقتنعنا انه وافق على ذلك سيبقى يحاول إظهار الوجه الاخر لوجوده على ارض فلسطين، وباعتقادي نحن هنا نتعلم افضل الدروس من المحتل الذي يمارس الدهاء بأنه يفعل أي شيء من أجل البقاء على قيد الحياة زمناً أطول.
شهد الاعلام السياسي الفلسطيني وغير الفلسطيني تحليلات سواء من قبل المعارض أو المناصر لهذه الانتخابات منذ اتفاق مكة 2007 ، وستجد الكم الهائل من حجم الحلول للمشكلة وبدون الخوض في التفاصيل التي إذا جلست عبر الانترنت وقرأت مجموعة من التحليلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية... عبر مواقع مراكز الأبحاث المختلفة التي تقول لك: أن الاحتلال هو المستفيد الأول والأخير من الانقسام والذي الاخير هو ترياق جلجامش الذي يعطي الاحتلال حرية الوجود في فلسطين إلى ما لا نهاية، وأن الشعب الفلسطيني يزداد مشاكل اجتماعية كالبطالة والفقر...الخ فوق مشكلته الأساسية الاحتلال.
خاضت مجموعة من الفصائل الفلسطينية بالإضافة إلى بعض الدول العربية محاولات لردم الفجوة بين فتح وحماس_ رغم الاختلاف على الدور العربي في السيطرة على القرار الفلسطيني_ وتعتبر هذه المحاولات لتوحيد الساحة الفلسطينية تحت مقولة الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي في روايته الف يوم في زنزانة العزل الانفرادي "أن الوحدة قانون الانتصار"، وكان اخر تلك اللقاءات والاتفاقيات مبادرة الفصائل الثمانية التي طرحت في أيلول 2019 ومن ضمن تلك الفصائل فصائل في منظمة التحرير، والتي ساهمت بشكل أو بأخر في توقيتها لدعوة للانتخابات خصوصا أن حماس باركت هذه الاتفاقية، وفتح اعتبرتها "مضيعة للوقت" كما تحدث المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية-مسارات في ورقته بعنوان "أي انتخابات نريد2019 "؟
انتخابات المجالس المحلية.. التفرد بالقرار
مرسوم صادر عن وزير الحكم المحلي بتاريخ 13.9.2021 يؤكد على إجراء انتخابات المجالس المحلية بتاريخ 11.12.2021، هذا القرار صدر دون إجراء انتخابات التشريعي والرئاسية والمجلس الوطني، وأعتقد أن هذا القرار هو ذر للرماد بالعيون ومرتبط بالقرار الدولي القائم على دعم السلطة الفلسطينية وشرعيتها، خصوصا بعد معركة سيف القدس ومقتل الجندي الاسرائيلي على حدود غزة وعملية نفق الحرية.
الثلاثة محاور الأخيرة رفعت نسبة حضور المقاومة ليس في فلسطين فقط بل في معظم إنحاء العالم، ويأتي محور رابع هو فشل مشروع التسوية الذي تقاتل فيه السلطة بسيف مكسور منذ 28عام، وهذا ما تؤكده تصريحات قادة دولة الاحتلال أن لا تسوية مع السلطة، وأن زيارة وزير جيش الاحتلال بيني غانتس الأخيرة إلى مقر المقاطعة في رام الله لم تكن إلا زيارة لترتيب الوضع الأمني والاقتصادي والمالي للسلطة.
صدور هذا القرار هو تفرد واضح بالقرار الفلسطيني، وضرب بالحائط كل الجهود التي بذلت في سبيل انهاء حالة الانقسام الفلسطيني، ورضوخ واضح لشروط الممول الرئيسي الذي يريد ديمقراطية مسخه، ومحاولة من السلطة لترميم صورتها.
المطلوب هو مقاطعة شاملة لهذه الانتخابات من قبل الفصائل الفلسطينية وخصوصا فصائل اليسار الفلسطيني التي تندرج تحت سقف منظمة التحرير الهالك، وعلى هذه الفصائل أن تسأل نفسها هل نحن بحاجة إلى رئيس أم قائد في ظل مرحلة تشهد تطور كمي ونوعي لقوى المقاومة في المنطقة؟، وهل نحتاج قائد يصعد إلى الشجرة وينظر ما بعد الشوك أم رئيس يجلس تحت الشوك وينظر تحت إقدامه؟.
من يجب أن يسلم من؟
منذ الانقسام باتت الرواية المعروفة يجب تسليم قطاع غزة لبوابة الشرعية _على الرغم أنني لا اعرف ما المقصود بالشرعية هنا؟_ هل هي شرعية التنسيق الأمني واتفاقية اوسلوا ام شرعية المفاوضات التي يوصل بها الاحتلال السلطة إلى نصف البئر وتقطع بهم الحبل لتهوي قيادة السلطة من جديد إلى قاع البئر وترتطم خائبة، وإذا كان لابد من شرعية تحت الاحتلال فلتكن للمقاومة.
ربما يسأل القارئ نفسه ما العلاقة الان بين الانتخابات والانقسام وما هو المطلوب اولاً انهاء حالة الانقسام او اجراء انتخابات وربما تكون الانتخابات هي الحل لهذه المشكلة؟، وفعلياً لا نستطيع سلخ الانقسام عن الانتخابات لان المسبب الرئيسي للانقسام هو ديمقراطية الانتخابات عام 2006، على الرغم أن الانقسام ما قبل عام 2006 كان جزء من النسق السياسي الفلسطيني وكان له اوجه مختلفة خصوصا بعد توقيع اتفاق أوسلوا عام 1993.
من يجب ان يسلم من؟ سؤال يؤخذنا مباشرة إلى سؤال آخر من يحب ان يسلم هل على حماس ان تقوم بتسليم غزة عبر اتفاق مع للسلطة في الضفة لأنها تعتبر بوابة الشرعية خصوصا بعد مطالبة أبو مازن حماس بالاعتراف بالاحتلال والشرعية الدولية !، أم السؤال الأهم لماذا لا تقوم السلطة بتسليم نفسها للمقاومة خصوصا بعد أكثر من 28 عاماً على مفاوضات لم تكن فيها السلطة إلا الطرف المضغوط عليه بالأساس وتقدم التنازلات كقربان للاحتلال، وهنا اعتقد انه ليس المطلوب ان تقول حماس للسلطة: زوجتك نفسي بل ما هو المطلوب ان تقوم السلطة كل السلطة في غزة والضفة بتزويج نفسها للمقاومة.
الطوفان!
المدقق لسلوك السياسي للاحتلال بخصوص الانتخابات تجد ان قاعدة السلوك لديهم تقول: من بعدنا الطوفان!، وهذا الاحتلال لا يهمه الشارع أو ربما يعي جيداً الشارع ولكنه يغمض ضميره وخصوصا انه يدرك جيدا أن الانقسام هو مدمر للمواطن الفلسطيني من الداخل بخلق مشروعين متناقضين، مشروع يعيش على المقاومة، ومشروع يعيش بعيداً عن المجتمع في عزلة تشبه ان تكون معادية للمجتمع كأن لسان حال الأخير يقول: ليهلك المجتمع كله، الأهم أن نكون بخير، لذلك ستكون الانتخابات هي احد مراحل الطوفان الذي يعيشه الشعب منذ اتفاقية اوسلوا إذا قامت بفرز سلطة تقود السفينة بالحلول السلمية قائمة على المفاوضات وتسحب سلاح المقاومة وتمنع أي نشاط وطني غير سلمي وتجعل من اوسلوا بوصلتها!
ويبقى السؤال هل الديمقراطية، ديمقراطية الانتخابات إذا قامت بإنتاج سلطة تحت مظلة اوسلوا تبقى ديمقراطية ويجب ان نحترمها؟، وفعليا إلا تشرعن هذه الانتخابات إذا تمت في الضفة وغزة والقدس فقط فكرة دولة 67، وهل علينا كشعب فلسطيني أن نقبل رغيف الخبز مغمس بحبر الانتخابات؟، ام فعلا تصبح ديمقراطية الانتخابات جريمة كأن حال لسانها يقول: لقد أنهيت حياتكم بإرادتي حراً، فلا تتهموا أحداً".
يقول الامين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد الخالة: "المصالحة غير ممكنة، وأن أي وساطة في هذا الإطار ليست سوى تضييع وقت"، متسائلاً: "كيف يُمكن الجمع بين برنامجين متناقضين، أحدهما يتبنى المقاومة والآخر يرفضها؟"، كأن حال لسانه يقول: " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان"، ويقول ايضاُ الاسير الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احمد سعدات: "أن قرار المصالحة يفتقد للإرادة السياسية والوطنية"، وإذا اردنا أن نزيد من الشعر بيت على حديث أحمد سعدات علينا إدراك أن قرار المصالحة يجب أن يكون داخلي فلسطيني قبل أن يكون خارجي بالتحرر من عباءة القرار العربي، وعلينا إدراك قاعدة " من لا يساعد نفسه لن يساعده الآخرون"، وأن من يقاوم أكثر بات واضحاً أنه يربح أكثر.

