Menu

الأوهام الفلسطينية بين الأحلام والواقع وعقلية البدائل (1) أ.د. محسن صالح يجيب عليها

ثائر أبو عياش

في كتابة "القتال.. هو الطريق" يقول الشهيد كمال عدوان: جاء روجر فيشر أستاذ العلاقات الدولية واختصاصي المنازعات الدولية وصديق كيسنجر؛ زيارة مكوكية في أيلول من عام 1970 وتموز 1971، ليعرف ما هو الحد الأدنى السياسي المقبول لدى الثورة الفلسطينية، لاستكشاف غطاء الآفاق، وطرح فيشر في تلك الزيارة سؤال أخرج العقلية القيادية؛ من مربع المقاومة إلى مربع البدائل، وكان السؤال كالتالي: "لماذا تحشرون أنفسكم بين خيارين فقط الثورة الشاملة "Total Revolution"، أو الاستسلام الكامل "Total Surrender"؟ وأكمل روجر بعد السؤال بإجابة هناك خيارات أخرى كثيرة غير هذين الخيارين؛ يمكنكم أن تجدوا بدائل متعددة، لا تجعلكم تستلمون، ولا تجعلكم تنتحرون بالثورة.

يؤكد عدوان طوال أربعون صفحة؛ أن هذه الزيارات كانت تهدف إلى إخراج العقلية الفلسطينية من إطار الثورة إلى مربع البدائل، وعندما تتعدد البدائل سيكون لكل مجموعة فلسطينية طموح وتصور ورأي لحل القضية، يعني ذلك خلق مشاريع متناقضة للوضع الفلسطيني، ويعتبر عدوان هذه البدائل والتفاؤل بها هو انسياق نحو عالم الأحلام والأوهام والتخدير.

ما بين عقلية البدائل التي طرحها الشهيد كمال عدوان يكتب د. محسن صالح مدير مركز الزيتونة عن أحد عشر وهماً فلسطينياً موجودة في العقلية السياسية الفلسطينية داخل أروقة السلطة، وأعتقد أن هذه الأوهام هي محور الصراع الداخلي الفلسطيني الفلسطيني، والتي تأسس عليها الانقسام المتراكم حتى وصل إلى تغيير نوعي في عام 2006، وأعتقد أيضاً أن هذه الأوهام هي بمثابة أسئلة يحاول؛ خصوصاً الشباب الفلسطيني؛ إيجاد حل لها في النقاشات التي تدور بينهم وهي جزء أساسي في الحوارات السياسية داخل العائلات الفلسطينية في كل لقاء اجتماعي.

الأوهام الفلسطينية وعقلية البدائل:

الوهم الأول: دولة 67

يبدأ د. محسن صالح بالوهم الأساسي الأول الذي دخلت فيه القضية الفلسطينية مربع الاستسلام والأصعب التعايش مع هذا الاستسلام وهو "دولة 67"، وهو الوهم أيضاً الذي وقع على أساسه اتفاق أوسلو، ويقول د. صالح في هذا الصدد: "وقد بُني الوهم على فرضية خاطئة، أنه إذا اعترف الفلسطينيون بالكيان الصهيوني (إسرائيل) وحقه في الوجود على 77 في المئة من أرض فلسطين التاريخية، فإن هذا الكيان سيقوم بالانسحاب من الأرض المحتلة سنة 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة)، ويسمح بإقامة دولة فلسطينية مستقلة عليها بما فيها شرقي القدس ".

في كتابه "مصيده 67" يقول الكاتب ميخا جودمان: أن الصراع بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني هو صراع عواطف- مشاعر؛ الشعور الخوف لدى اليهود من الفلسطينيين هو شعور سائد، بالإضافة أن الفلسطينيين لديهم شعور بالإهانة التي يمارسها عليهم الاحتلال، وهو يؤدي إلى صدام عاطفي بين المشاعر.

يؤكد ميخا أن هذا الشعور هو شعور عتيق لدى الطرفين الإسرائيلي خائف من ما بعد المحرقة، والفلسطيني الإسلامي خائف بسبب اندثار الدولة الإسلامية على حد قوله،  وبسببه يقوم الإسرائيلي بالانتقام من الفلسطيني، ويقوم الفلسطيني بسبب حالة الإهانة والاحتقار التي يمارسها الاحتلال ضد الفلسطيني بخلق مناخ غاضب ينمي العنف "المقاومة" عند الأخير، وهذه الحالة من العنف "المقاومة" تعمل على زيادة الخوف لدى الإسرائيليين.

ديناميكية هذا الخوف يضيف مخيا لا ينحصر على العلاقات المتبادلة بين الشعوب على المستوى النفسي والاجتماعي فقط، بل على المستوى السياسي القومي. الفلسطينيون يريدون التوصل إلى اتفاق لا يكون فيه إهانة لهم، بالمقابل الإسرائيلي يريد اتفاق لا يعرضهم للخطر، وهنا تكمن المشكلة أو كما تسمى مربط الفرس، أن الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية قد تمس كرامة الفلسطينيين وكمثال على ذلك: أن التواجد العسكري في منطقة غور الأردن هو حاجة أمنية اسرائيلية _ والمعروف أن إسرائيل هي دولة أمن_ لا يمكن التنازل عنها، لكن هذا التواجد هو نفسه إهانة قومية للفلسطيني لذلك يرفض الفلسطيني التواجد الإسرائيلي داخل غور الأردن.

ما بين ميخا ود. محسن صالح فكرة إقامة الدولة الفلسطينية هي وهم محض والدلائل على أرض الواقع تشير أن هذه الفكرة هي غير مناسبة لحل القضية الفلسطينية وهي بديل فاشل؛ خصوصاً في ظل ازدياد أعداد المستوطنين، وارتفاع وتيرة الاستيطان ورفض القيادة السياسية الإسرائيلية إقامة دولة فلسطينية، وهذا ما يؤكده رئيس الوزراء الإسرائيلي الأخير بينت؛ أن القضية قضية اقتصادية بحته.

يعيش السياسي الصهيوني في مصيده حقيقية، فهو يدرك تماماً أن القبول بدولة قومية يعني أنه سيصبح أقلية داخل فلسطين، والسؤال كيف يُمنح المواطن الفلسطيني دولة، أي أن يصبح مواطن في دولة وهو يرفض فكرة الدولة ذاتها؟ وإذا وافق على دولة على حدود الرابع من حزيران ستصبح حدوده غير آمنه، وهو فعلاً يعيش تناقض حرج ويريد الحفاظ على الوضع القائم بدون تغييرات جذرية، لأن فكرة الدولة القومية من الناحية الديمغرافية غير قابلة للتطبيق، وفكرة دولة الرابع من حزيران غير قابلة أيضاً من الناحية الأمنية، وهو يعيش صراع يقوم على ثلاثة محاور مع المحيط والمكان والحجم لما تسمى دولته.

بينت ونتنياهو وغيرهم من القيادة السياسية؛ يتبنون أفكار مؤسس اليمين الصهيوني جابوتنسكي والأخير يؤكد أو يرفض فكرة إقامة اتفاقيات سياسية مع العرب، لأن الاتفاقيات لن تغير من الطبيعة البشرية للعرب، ومن السذاجة الإيمان أن هذه الاتفاقيات سوف تؤدي إلى ذلك. ويؤكد جابوتنسكي أن على كل مواطن وطني صهيوني إدراك القاعدة التالية: "وهم أن يتخلى العرب عن قوميتهم مقابل تحسين ظروف حياتهم المعيشية، وعلينا نحن بالذات الاستعداد لحرب كبيرة مع العرب في البلاد".

الوهم الثاني: سلطة مقاومة تحت الاحتلال

يتناول د. محسن صالح هذا الوهم من زاوية المستحيل بأن يقبل الاحتلال بوجود سلطة توافق وتدعم المقاومة، ويستند على ذلك بتجربة انتخابات عام 2006 عندما نجحت حركة حماس وما لحق ذلك من حملة اعتقالات للنواب الفلسطينيين لتعطيل المجلس التشريعي، واعتبر بعدم وجود أفق بسبب هذه التجربة؛ أن يكون هناك سلطة مقاومة في ظل الاحتلال.

يؤكد د. محسن على ضرورة إعادة تعريف دور السلطة وتكييفها مع الواقع بما يتلاءم مع بيئة الشعب في مواجهة الاحتلال، حيث يحاول د. صالح طرح حل يتناسب وواقع الضفة الغربية المعقد أمنياً "بأن تترك السلطة المقاومة تفعل ما تشاء إذا لم تستطع دعمها، ويحول الفلسطينيين خسارتهم لأي مؤسسة إلى مزيد من الأعباء والتكاليف على الاحتلال".

أتوافق والرأي مع د. محسن بهذا الصدد أن الاحتلال لن يقبل بسلطة تقاوم تحت حكمه، وهذا ما جعله يوافق على وجود سلطة تقوم بدور وظيفي، وأعتقد أن الاحتلال يقوم بإسقاط تجربته على السلطة؛ لأن الأول ليس إلا دولة وظيفية لنظام رأسمالي بالمنطقة.

وبشأن الحل عاش الشعب الفلسطيني ما قبل اتفاق أوسلو حالة اشتباك مستمرة مع الاحتلال سواء البريطاني أو الصهيوني، وكان هناك قيادات تنظيمية تدير الشؤون اليومية للشعب الفلسطيني، وأعتقد المطلوب هو العودة لهذه الحالة، وإعادة تعريف مفهوم السلطة ودور التنظيمات الفلسطينية بقراءة الواقع الفلسطيني المتميز بما يتناسب وحالته، وجعل الاحتلال يتحمل كلفة احتلاله من جديد؛ بإدارة الملفات التي شعر بعد أوسلو أنها ازيحت عن كاهله، واعتقد أيضاً أن هذا الحل يحتاج إلى تراكمات طويلة لكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة في الشأن الفلسطيني، ولكن قابل للتطبيق إذا كان هناك إيمان بمبدأ المقاومة والاستعداد للتضحية.

الوهم الثالث: صناعة قرار فلسطيني مستقل تحت الاحتلال

لنبدأ من النهاية، حيث يتحدث د. محسن أن وجود قرار فلسطيني مستقل، دون أن يكون للاحتلال تأثير في مدخلاته ومخرجاته، وفي عدد حضور الاجتماعات وعدد الأعضاء هو وهم. ويؤكد الدكتور محسن أن هذه الاجتماعات المتعلقة بالقرار الفلسطيني يجب أن تكون خارج مناطق الاحتلال، وغير ذلك هو نوع من المماحكة السياسية وخداع الذات، أو الاستسلام لإرادة الاحتلال، وتناول الدكتور محسن السياق التاريخي من عام 1967-1993 للقرار الفلسطيني، وأن القرار الفلسطيني كان يُعقد خارج مناطق الاحتلال للحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني.

أعتقد أن أول ضربة تعرض لها القرار الفلسطيني المستقل هو التفرد الواضح بتوقيع اتفاق أوسلو، والقبول بطرف فلسطيني واحد لتمثيل الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى عدم وجود حركتي حماس والجهاد الاسلامي داخل منظمة التحرير، هو أيضا يدلل على غياب القرار الفلسطيني الموحد.

وجود قرار فلسطيني يتحكم فيه الاحتلال حتماً وبديهي هو يخدم الاحتلال فقط، المطلوب هو التحرر من سيطرة الاحتلال على المفاصل الرئيسية للقرار الفلسطيني، وكمثال لدينا فرص كثيرة لاتخاذ القرار بعقد الاجتماعات والمجالس خارج فلسطين المحتلة في سوريا أو لبنان أو أيران مثلاً، ولدينا فرصة أيضاً أن تعقد هذه الاجتماعات في غزة في ظل القوة التي فرضتها المقاومة، وأعتقد أن القرار من هناك سيكون له تأثيرات سياسية كبيرة على القضية الفلسطينية.

ولا ننسى أن في عام 2018 تمت الدعوة لعقد جلسة المجلس الوطني في دورة نادرة وأصرت السلطة على عقد الدورة في رام الله وإصرار السلطة عمل على تعميق الشرخ السياسي بين الفصائل الفلسطينية والسلطة، ورام الله تقع فعلياً تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، ولا يستطيع أي فلسطيني الوصول إليها دون تنسيق أمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وكثير من القيادات الفلسطينية؛ ستكون عرضة للاعتقال إذا قامت بالدخول إلى رام الله، هذا إذا منحت بالأساس تأشيره للدخول.