أدخلَ الانسحابُ الأمريكيُّ من أفغانستان، وعودة حركة طالبان للسيطرة على هذا البلد الاستراتيجيّ؛ المنطقةَ في معادلاتٍ جديدةٍ لم تكن متوقّعةً على الأغلب، وأجبرت المحيطَ القريبَ والبعيدَ على إعادة النظر بسياساته وأهدافه، بل والتشكيك باستراتيجيّاتٍ قديمةٍ أدّت إلى شنّ الحرب، وإسقاط حكومة طالبان السابقة باسم محاربة الإرهاب.
وما يدورُ على مسرح الأحداث في أفغانستان؛ يستحقُّ الإمعانَ والتأمّلَ والقراءةَ الموضوعيّةَ؛ لاستخلاص الدروس و العبر، ولا شكّ أنّ قراءةَ المشهد الداخلي الأفغاني في بُعده التاريخيّ، يحتلُّ أهميّةً لفهم ما يحدثُ الآن، وهذا يستوجبُ العودةَ لاستذكار المحطّات التي سبقت وصولَ حركة طالبان للسلطة، وانتزاع البلاد من سياق التحديث إلى القرون الوسطى، فما جرى في أفغانستان لا يمكن أن تفسّره الشعاراتُ الجوفاءُ والخطاباتُ الرنّانةُ الشعبويّة، التي يتشدّقُ بها قادةُ طالبان، وما يحلو لبعض المحلّلين وخبراءِ الغفلةِ قولُه .
انقلابُ الجنرال عبد القادر
عندما قاد الجنرالُ عبدُ القادر – قائدُ سلاح الجو – الانقلابَ العسكريَّ وأطاح بنظام الرئيس محمد داوود، الذي سبق وأن أطاح بالملك محمد ظاهر شاه؛ عندما كان في زيارةٍ إلى إيطاليا، بعد خلافٍ عائليٍّ نشب بينهما، وأعلن أفغانستانَ جمهوريّةً، واستعان بالكثيرين من كوادر حزب الشعب الديمقراطيّ الأفغاني .
تأسّس الحزبُ عامَ ١٩٦٥، (وهو الحزب الشيوعي الأفغاني)، الذي وصلته عدوى انشقاقاتِ الأحزاب الشيوعيّة؛ فسُمّي أحدُ شقّيه بحزب الشعب.. والجناحُ الآخرُ بحزب الراية؛ الأوّل: كان بقيادة نور محمد تركي، والآخر، بقيادة ببرك كارمل، الذي أصبح نائبًا لتركي بعد عودة الحزب للتوحّد، وتسلّم مقاليدَ البلاد... لكن للأسف، عادت الخلافاتُ ودبّت في صفوف القيادات الحزبيّة، وأُبعدت قادةُ جناح الراية عن السلطة، وزُجّ بالكثير من الكوادر في السجون، كان جناحا الحزب يتنابزان بالألقاب؛ فجناح الشعب الذي يتشكّل من الأغلبيّة البشتونيّة من أبناء القرى والأرياف؛ يلقّبُ جناحَ الراية بأبناء الأرستقراطيّة، الذي يتشكّل من البرجوازيّة الصغيرة والمثقفين وأبناء المدن، وغالبيّتهم من القوميّة الطاجكيّة. كما يلقّب جناحُ الرايةِ جناحَ الشعب بأصحابِ القدم المدوّرة .
حفيظ الله أمين
بعد تصفيةِ جناحِ الراية وإبعاده؛ انقلب حفيظُ الله أمين على الرئيس تركي (الأمين العام للحزب، ورئيس مجلس قيادة الثورة)، بعد عودته من مؤتمر عدم الانحياز، الذي عُقد في كوبا، وقتله بيديه، وقام بتصفية أنصاره، وادّعى أنّه قدّم استقالتَهُ لكبر سنه، واعتلال جسده، وكان يطلقُ على نفسه أنّه التلميذُ الوفيُّ والمخلّصُ للرئيس تركي .
بعد أن استولى أمين على مقاليد السلطة والحزب؛ فتح جبهاتٍ عديدةٍ على أفغانستان؛ برفعه شعاراتٍ متطرّفةً، أهمُّها: على الصعيد الخارجي "الموت للشوفينيّة الصينيّة ذات النزعة التوسعيّة"، و "الموت لملالي إيران صناعة واشنطن وباريس"، و"الموت لباكستان"، و"الموت لأمريكا"، "الموت للإمبرياليّة والصهيونيّة"، و"الموت للرجعيّة العربيّة" .
وعلى الصعيد الداخلي "الموت للمنحرفين أبناء البرجوازيّة"، "الموت للانتهازيّين"، "الموت للقوميّين الشوفينيّين"، "الموت لإخوان الشياطين" (الإخوان المسلمين)، وأعلن أنّ على كلّ مواطنٍ أن يحدّد موقفه من الثورة؛ إمّا مع الثورة أو ضدها، ولا خيار ثالث لأحد، والموت لأعداء الثورة. فزادت وتيرةُ الاعتقالات والملاحقات، وزاد أعدادُ المفقودين والفارّين؛ ممّا فاقم الأمور، وحوصرت البلاد، وقُطعت العلاقاتُ الدبلوماسيّةُ معها حتى تدخّل الاتّحادُ السوفيتي بشكلٍ ميدانيٍّ ومباشر .
المرحلةُ السوفييتيّة
نشبت خلافاتٌ كثيرةٌ بين الاتّحاد السوفييتي وأمين، وبمساعدة القوّات السوفييتيّة، سيطروا على مقاليد الحكم، وعاد الأمين العام لجناح الراية من موسكو وتسلّم مقاليدَ الحكم، وأطلق على هذه المرحلة مرحلةَ تكاملِ الثورة، وطُرحت سياسةُ المصالحة الوطنيّة، واستعدّ للحوار مع أطراف المعارضة كافةً، وهذا ما عُزّزَ بعد تنحي كارمل وتسليم مقاليد الحكم للدكتور نجيب الله، الذي كان يشغل – سابقًا – عضوَ مكتبٍ سياسيٍّ في الحزب ومدير المخابرات العامّة .
البيروسترويكا وإعدامُ نجيب الله
وصلت عدوى البروسترويكا إلى أفغانستان؛ فغيّرت اسمَ الحزب إلى حزب الوطن، وأُجريَ الكثيرُ من التعديلات على النظام الداخلي والرؤية السياسيّة والتنظيميّة للحزب، وأعلن الرئيسُ أنّه مستعدٌّ للقاءِ قادةِ المعارضة في أيّ مكانٍ يريدون، واقترح مكّةَ المكرّمةَ أو العاصمة كابل، وأبدى استعدادَهُ للتخلّي عن السلطة دون قيدٍ أو شرط، وأن كلَّ ما يهمّه هو وحدةُ الأراضي الأفغانيّة، والحفاظ على سيادة البلاد واستقلالها وحقن الدماء ووقف القتال بين الأشقّاء، ووجّهَ نداءً لزعيم المعارضة في وادي بانج شير أحمد شاه مسعود، وأطلق عليه لقبَ أسد بانج شير، الذي اغتيلَ – لاحقًا – على أيدي عناصرَ من القاعدة خدمةً لأهدافِ حركة طالبان وتوجّهاتها، كما قال الرئيسُ نجيب الله: إنّ كابل العاصمة الأفغانيّة تفتح ذراعيها لاستقبال البطل مسعود وترحّب به؛ ليتقلّدَ أرفعَ المناصب العسكريّة والسياسيّة التي يرغبُ بها .
للأسف؛ قوبلت كلّ هذه الجهود والمبادرات بعدم الاستجابة من أطراف المعارضة، حتى في أوساط حزب الوطن، وكان هناك ردٌّ في الصحيفة المركزيّة للحزب على لسان رئيس تحريرها، وعضو اللجنة المركزيّة للحزب: بأن اترك السلطةَ وغادرْ! فأنتَ لستَ وصيًّا على البلاد والعباد!
ومن المفارقات التي تحضرني؛ ما كتبه نائبُ رئيس الجمهوريّة، ونائبُ رئيس الحزب سليمان لائق، في روايته الشهيرة "رجل الجبال" الذي انتصر في حربه، ولمّا سألتُ لائق: كيف انتصر رجلُ الجبال على الدولة؟ أجاب: هذا هو سياقُ الأحداث وليس رغبتي. وهذا ما تحقّق – لاحقًا –؛ إذ استولى ائتلافُ المجاهدين على السلطة، وسقط نظامُ حزب الوطن، وقُبض على الرئيس نجيب الله، وأُعدمَ بدمٍ باردٍ أمامَ مقرّ الأمم المتّحدة في العاصمة كابول.
سقوطُ حركةِ المجاهدين وصعودُ طالبان
لم تستطعْ حركةُ المجاهدين إعادةَ الأمن والأمان والاستقرار إلى البلاد، ونشبت الخلافاتُ في أوساط الائتلاف، وسادت الفوضى والمحسوبيّة والفساد؛ ممّا استدعى من الاستخباراتِ العسكريّةِ الباكستانيّة تشكيلَ حركة طالبان ودعمها وتمكينها من الاستيلاء على السلطة، فطردت ونكّلت بائتلاف المجاهدين .وبعدَ أن استولت طالبان على السلطة؛ تعهّدت بحماية رموز القاعدة والدفاع عنهم، ثمّ وقعت أحداثُ سبتمبر في قلب أمريكا، وأعلنت القاعدةُ مسؤوليّتَها عن تفجيرات الأبراج؛ ممّا سهّل مهمّةَ أمريكا في إقصاء حركة طالبان بكلّ يسرٍ وسهولة
الاحتلالُ الأمريكي
استولت أمريكا على أفغانستان، وثبت أنّ عشرين عامًا من الاحتلال فشلت في معالجة الاختلالات الرئيسيّة في أفغانستان؛ بسبب فشلها في تقديم حلٍّ أفغانيٍّ أصيل، وكان الانسحابُ الأمريكيُّ والأوروبي المذلّ بمثابة إغلاق دائرةٍ على زمنٍ فائتٍ غيرِ مُجدٍ، وعادت طالبان من جديدٍ إلى السلطة، وكأنّ شيئًا لم يكن، مرتديةً ثوبًا جديدًا؛ غيرَ أنّ بقع الثوب الأوّل ما زالت واضحةً للعيان، لمن يريد أن يدقّق ويمحّص في مسرح الأحداث.
دروسٌ وعبر
الدرس الأول: تثبتُ التجرِبةُ الأفغانيّةُ أنّه يجب الحذرُ من محاربي طواحين الهواء؛ أصحاب الخطابات الشعبويّة والديماغوجيا السياسيّة، وتركُهم يستمرّون في حروبهم الوهميّة، وفضحُ شعاراتِهم الجوفاءِ وتعريتُها، التي تضلّل وتخدع جماهيرَ الكادحين باسم الدين، كما فعلت وتفعل شقيقاتُها في مشارق الأرض ومغاربها، التي فشلت جميعها واحدةً تلو الأخرى في تحقيق شعار (الإسلام هو الحل).
الدرسُ الثاني: أنّه يجب الحذرُ من القوى التي أُنشئت في أروقةِ الأجهزة الأمنيّة، مهما يكن انتماؤها وجنسيّتها؛ لأنّها لن تعمّر طويلًا، وسوف يُكتشف أمرُها في الملمّات. كما أن الشعارات البرّاقة الجوفاء لم تعد تقنع الناس؛ فالناس تريد الأفعال وليس الأقوال، والصراع على السلطة، وتغليب مصلحة التنظيم والحزب على مصلحة الوطن لا يجلب لأصحابه في النهاية إلا كراهية الجماهير ورفضها لذلك .وقد أثبتت التجرِبةُ الأمريكيّةُ المكلّلة بالفشل في أفغانستان، أنّ الولايات المتّحدة – وكل من يدور في فلكها – عدوةٌ للشعوب المتطلّعة للحريّة والاستقلال ،وأنّها هي المغذي الأوّل للرجعيّة والفوضى والإرهاب.
الدرس الثالث: أثبتت التجرِبةُ الأفغانيّةُ – أيضًا – أن التشرذم والتشتّت وعبادة الأشخاص، واعتبار الحزب هدفًا واختزاله بالفرد؛ يعود لأفدح الأضرار على الوطن .
وخلاصةُ القول: لن تصدّق طالبان بالشعارات التي أطلقتها وتطلقها، ولم تفِ بتعهّداتها التي قطعتها للغرب، ووعدت المواطنين الأفغان بها، وسوف تبقى مصدرَ قلقٍ وعدمِ استقرارٍ في المنطقة؛ وكما يقول المثل) أول الرقص حنجلة) فما تقومُ به من اعتقالاتٍ وإعداماتٍ خيرُ دليلٍ وشاهدٍ على ذلك، وستبقى بانج شير شوكةً في حلق طالبان، الذي يعيش معاركَ الكرّ والفرّ والبيانات المتناقضة في سقوط الوادي أو استمرار مقاومته، وتبقى أفغانستانُ حاضنةً للتطرّف والمتطرّفين، وقبلةً لقوى الإسلام السياسيّ، ومحطّةً لتصدير كلّ ما يعكّرُ صفوَ المنطقة واستقرارَها.

