هي الفكرةُ التي حوّلها صاحبُها إلى فعلٍ تجاوز المستحيل، ولأنّ المحتلَّ يخشى الوعيَ المقابل، وبتوجّسٍ منه؛ استعان بعنفه، وبمزيدٍ من التقنيّات؛ ليقمعَ هذا الوعيَ ويحوّلَهُ إلى أشلاءٍ بين يديه، يطوّعَه ُبعد أن يذرَّهُ، أو هكذا اعتقد. لهذا شكّلت حادثةُ التحرّر من سجن جلبوع صدمةً للمحتلّ تجاوزت الحادثةَ بعينها؛ لتحطَّ رحالَها في بنيان هواجسه المثقلة والمقفلة على ذاتها، فهو المؤمنُ بآلهة الحديد، التي يراها سرَّ بقائه؛ وفي ليلة العيد ينتبه أن هناك من عبر الأسلاك ذاهبًا إلى بيّارةِ جدِّهِ؛ ليعيدَ وصلَ ما انقطع؛ وإذا بسهل بيسانَ يعانق مرجَ ابن عامر؛ يلقي السلامَ على الناصرة؛ صاعدًا إلى جبال الجليل، هذا الانتباه الموجع بالنسبة له؛ أدخله في زمنين متناقضين؛ الأوّل: زمنُ الحكاية الأولى وأصحابها، والثاني: زمنُ القوّة الذي يبني حكايته خلفها. ولأنّه يخاف من زمن الحكايات الأولى؛ أراد أن يعيدَ محمود ورفاقه إلى الزنزانة، ويحكم بالقُفْل ِزمنَه ُالذي يحياه.
محمود أكل الصبر، في حين كان عدوُّهُ يدفع بمزيدٍ من التعزيزات والطائرات المسيّرة، ويتحدّثُ عن متانةِ آلته العمياء، التي لم ترهم وهم يتنقّلون في السهول والوديان؛ يعيشون لحظاتِ الحريّة المنتزعة من براثن السجّان. ولأنّ الصراع بين زمنين؛ كانت فلسطينُ حاضرةً هي وأهلُها، تعيشُ زمنَ محمود التي أضاءها بفكرةٍ؛ مستعيدًا كلَّ الذكريات العصيّة على الانكسار.
الاحتلالُ الذي يرى أنّ زمنه باقٍ، لا يريد أن يعكّر صفوَهُ هؤلاءِ الخارجون من نفقٍ أعدّوه مسرحًا لجولةٍ أضاءت جنين وما حولها، فاتحةً البابَ لجولةٍ أخرى، فيها من التين والزيتون ما يكفي زاد الطريق. ومن قرأ رسائلَ العشّاق المسرّبة عن تلك الرحلة؛ يدرك أنّ كلّ مفردةٍ منها جدولًا ونهرًا جارفًا بكلّ معاني الإنسانيّة يحملهم ويحملنا.
العشب حماني من الجندي الذاهب للبحث عني، حماني فلم يرني، يقول مناضلٌ ويكمل زكريا: لقد قتلتَ أهلي وكلّ خلاني وصادرتم حريتي وتطالبونا بالسلام! ويضيف محمود: حملت لك يا أمي العسل وأردت اللقاء، ليكمل أيهم: لقد دخلت الجنة عندما دخلت جنين.
وما بين البرتقال والصبر وسيرة الأرض؛ كان العدو يلهو بحكايته عن كلفة المطاردة، وعن الأرقام والأيّام والخطط والقوى المشاركة في رحلة البحث عن ستة أسرى تفرّغوا وتفرّقوا بحثًا عن الحريّة.
يقول بعضُ العارفين بمعاني أسماء القرى: إن عرابة تعني على الرابية؛ أي المكان المرتفع وأنت يا محمود أعلى من الرابية... أعلى بكثيرٍ؛ أنت الرابية التي ننظر إليها، وتتّسع حدقاتُ عيوننا ليومنا الموعود، ولن يكون لزمانهم أيّ ذكرى، فزمانُنا طوعًا لفكرتك التي آخيت فيها كلّ أحبّتك في طول البلاد وعرضها، ومن أحيا بفكرته فعلًا كمن أحيا الناس جميعًا.

