Menu

فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن_ ج ٢٢

حاتم استانبولي

خاص_بوابة الهدف

هزيمة النظام الرسمي العربي في حزيران 1967، فجر غضبًا شعبيًا فلسطينيًا وعربيًا، تفاعل بطرق مختلفة، محصلته العامة كانت تمردًا وغضبًا شعبيًا في الاتجاه الصحيح. التمرد في جوهره، كان إعلانًا واضحًا، بأن هزيمة حزيران يتحملها النظام الرسمي العربي، وهي هزيمة لفكرهِ وأساليبهِ وأدواتهِ.

هزيمة حزيران، فتحت الطريق أمام الجماهير الشعبية الفلسطينية، بأن تأخذ زمام المبادرة، وتُطلِق ثورة شعبية مسلحة، من أجل التحرر الوطني الفلسطيني، قوى شعبية واسعة متعددة التلاوين والاتجاهات؛ سارعت إلى احتضانها، وشاركت خياراتها الوطنية التحَررية، وأصبحت الثورة الفلسطينية ملاذاً وحاضنةً لكل قوى التحرر الوطني افراداً ومجموعات.

كل الظروف الموضوعية فلسطينيًا وعربيًا، كانت مهيئة للتجاوب الايجابي مع إعلان ظاهرة الكفاح الوطني التحرري الفلسطيني، مدعومة بظروف دولية، عناوينها استحقاقات انتصار الشعب الفيتنامي، وانتصار كوبا، واستقلال الجزائر، ومواقف دول حركة عدم الانحياز، هذه المواقف لحركة عدم الانحياز التي (أسست عام 1955م الدول التي حضرت مؤتمر باندونغ في اندونيسيا وانعقد المؤتمر الاول في بلغراد 1961)، كان للرؤساء المصري جمال عبد الناصر والرئيس اليوغسلافي تيتو ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو؛ دورًا هامًا في وحدة موقف الحركة من القضية الفلسطينية وتُرجِمَت في دورها بالأمم المتحدة وساهمت لاحقًا مع الدول الاشتراكية في إصدار مجموعة من القرارات الدولية التي حاصرت وكشفت دور الحركة الصهيونية وإسرائيل العدوانية.

بداية انطلاقة الثورة كان لدعم الصين وكوريا الشمالية عبر الدورات العسكرية والتسليح؛ دورًا خاصًا في تطوير إمكانيات الثورة الفلسطينية؛ سياسيًا وعسكريًا وثقافيًا المتعدد الأوجه، هذه الظروف الموضوعية؛ تلاقت مع ظروف انهيار منظومة الدفاع السياسية، والفكرية، والمعنوية للنظام الرسمي العربي، وسقوط أوهام أساليبه وأدواته، التي روج لها على مدار 20 عامًا وعلى رأسها شعار تحرير فلسطين.

انطلاقة الثورة الفلسطينية العلنية عام 1967، كانت ضرورة تلاقت فيها الظروف الموضوعية مع وعي فلسطيني ذاتي بضرورة أخذ زمام الأمور؛ شكل فيها الاندفاع الجماهيري الفلسطيني والعربي نحو الثورة الفلسطينية؛ استفتاءً شعبيًا لخيار المقاومة الشعبية الوطنية التحررية؛ ردًا على أساليب وأدوات النظام الرسمي العربي، التي أسقطتها هزيمة حزيران ١٩٦٧.

انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة؛ شكلت تحديًا سياسيًا، وقانونيًا، ووجوديًا، لبعض النظم، ولمشروعيتها التاريخية، وبشكل خاص للدولة اليهودية الاحلالية الصهيونية التي عَمِلَت منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية على تكرار المحاولات المباشرة وغير المباشرة للقضاء على الثورة وتصفية القضية الفلسطينية التي شكلت خطرًا مباشرًا على مشروعية الدولة اليهودية الصهيونية الاحلالية (إسرائيل). كما أن الثورة الفلسطينية|؛ مثلت تحديًا للخيار ألا-ديمقراطي للنظام الرسمي العربي، الذي اعتبرها تشكل تحديًا داخليًا لمنظومة حكمه، كونها شعلة سوف تأكل وتذيب منظومته السياسية، والقانونية، والاجتماعية، وتكشف ارتباطاته بالمشروع الصهيوني، من خلال علاقاته بمنظومة رأس المال العالمي المتحالفة والداعمة بلا هوادة لإسرائيل اليهودية الاحلالية الاستعمارية.

وبذات الوقت، شكلت تحديًا لإمكانيات فصائل المقاومة، الفكرية، والتنظيمية، والإدارية، والقيادية، من اجل ضرورة تطوير وعيها من جهة، ومن جهة أخرى تطوير الوعي السياسي، والفكري، والثقافي، والاجتماعي، والتنظيمي، لجماهير الشعب الفلسطيني وحواضنه، وإدارة معاركه على الجبهات المختلفة.

انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة؛ حققت عاملين رئيسيين متعارضين وفي مراحل محدده حكمها التناقض والصراع.

١ -العامل الأول:

الثورة الفلسطينية أعادت توحيد الوعي الوطني الجمعي للشعب الفلسطيني، بأهمية وضرورة تحمل المسؤولية الذاتية، لتحقيق مهمة التحرر الوطني، التي عنوانها الرئيسي هي انجاز مهمة تحقيق عدالة المخيم الفلسطيني التي هي المدخل للعدالة الجمعية الفلسطينية، التي تتمثل بحقه القانوني الثابت في العودة إلى وطنه الذي يحقق فيه ممارسة حقه في تقرير مصيره السياسي والقانوني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. هذا الوعي الجمعي الذي كان يتطلب وعيًا مضاعفًا من قبل الفصائل الفلسطينية وقادتها لاستيعابه وإدارته؛ بشكل يدرك ميكانيزم حركة التداخل والتناغم والتشابك بين المهام التحررية الوطنية السياسية والقانونية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وهذا يفرض سؤالًا ملحًا: هل كانت الفصائل وقادتها مهيئة لتحمل وعي هذه المسؤوليات وحلها ومجابهة التعارضات والتناقضات التي نشأت مع انطلاقة الثورة الفلسطينية؟ والسؤال الآخر: يتعلق بمدى معرفتها الواعية لعدوها وعمق ارتباطاته وتداخله مع مراكز رأس المال الأوروبي والأمريكي والخدمات التي تقدمها إسرائيل والحركة الصهيونية لها في مواجهة المنظومة الاشتراكية وحركات التحرر الوطني؟ هل كانوا مدركين أن إسرائيل هي في الجوهر فكرة رأسمالية استخدم فيها الغلاف الديني من خلال إبراز أكثر نصوصه رجعية وعنصرية التي تظهر الصفاء الديني لليهودية وأنها في الجوهر لا تخضع للحساب الإنساني كونها مختارة من الله وهي تخضع للحكم الإلهي، وبناء على ذلك، فإن كل شعوب الأرض وسياسييها يجب أن يسخروا أنفسهم من أجل خدمة وحماية اليهودية ومعتنقيها التي تمثلت ماديا بدولة إسرائيل الصهيونية الاحلالية؟

هزيمة حزيران؛ أعادت طرح ضرورة إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية، التي عُبِر عنها بالهوية المقاومة، التي تسعى لتحقيق عدالة المخيم الفلسطيني، هذه العدالة التي تحمل الطابع القانوني والسياسي والاجتماعي والسياسي والثقافي والإنساني.

هزيمة حزيران؛ كانت انعطافًا دراماتيكيًا للصورة القائمة من الناحية القانونية والسياسية وانعكس على عنوان المهمات الوطنية الفلسطينية، بعد أن اعترفت الدول العربية بحق إسرائيل في مناطق 1948 الذي ورد في قرار مجلس الأمن والأمم المتحدة رقم 242.

هذا الجزء هو مدخل للأجزاء القادمة في محاولة للإجابة على التساؤلات، من خلال قراءة العامل الذاتي الفلسطيني، وبنيته الفكرية، والسياسية، والثقافية، والعسكرية، والاجتماعية، بما حملته من تناقضات، وتعارضات بنيوية، وموضوعية وكيف طُوِعَ العامل الذاتي، بتناغم من داخل الظاهرة الفلسطينية وخارجها، ودور العامل الإسرائيلي في كل مرحلة لتصفية وتقويض الظاهرة المقاومة الفلسطينية..!