Menu

اللغة العربية من منظار الواقع السياسي-الاجتماعي

نبيل عودة

لا أتعامل مع اللغة من منظار لغوي، بل من منظار فكري وسياسي من رؤيتي أن مسألة اللغة، أو التجديد والتقليد في اللغة، وكل ما يتعلق بإنجاز تطوير اللغة العربية وجعلها لغة معاصرة، يرتبط بشكل نسبي كبير (ولا أريد أن أقول بشكل مطلق، رغم أن هذا أقرب للحقيقة) بالواقع السياسي والاجتماعي والتعليمي والعلمي السائد في المجتمعات العربية.

بكلمات واضحة، اللغة لن تحظى باهتمام اجتماعي، ثقافي وعلمي واسع وحاسم، في ظل واقع لا تشارك فيه المجتمعات العربية بالنهضة الحضارية للمجتمعات البشرية، بل تكاد تبدو مجتمعات على هامش التاريخ!!
***
واجهت مرات عديدة عاصفة من التعليقات تتهمني بالاستهتار باللغة العربية وقواعدها ونحوها، وأن العربية لغة في منتهى الكمال، لغة الجنة ولغة القرآن، قداستها من قداسته، وهي اللغة التي أنزلها الله لأفضل عباده. بالطبع لا علاقة بما يسمى قداسة وإيمان غيبي يردده حتى الأميين حول قداسة اللغة وهم بالكاد يفقهون اللغة الفصحى البسيطة التي تستعمل في وسائل الإعلام. لا بد من طرح فكري جديد ينقذ اللغة من الجمود والتحجر ورؤية متنورة حول أهمية ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي السائد، وعدم فهم هذه الدعوة كمشاركة في "المؤامرة الاستعمارية - الصهيونية" على العرب، وهي الصيغة التي تستعمل أيضا في الساحة السياسية العربية، بجعل هذين التوأمين المكررين ببغاويا (الاستعمار والصهيونية) غطاء للفساد العربي، لماذا نحافظ على تخلفنا؟ لأننا نقاوم "الاستعمار والصهيونية"(!!) كأن المقاومة تعني تجميد كل حركة التغيير الاجتماعي والسياسي.

هذا الغطاء السياسي الدعائي التافه روّجت له الأنظمة الفاسدة للحفاظ على تسلُّطها ونهبها للثروات العربية وقمع الفكر التحرري، فكر التقدم الاجتماعي- الاقتصادي والعلمي للمجتمعات العربية، لذلك نجد تحالفا، علنيا وسريا، بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، لكلا المستبدَّين مصالح في وقف النمو والتطور والنهضة الاجتماعية– الاقتصادية والعلمية، وتخليد أنظمة التسلط القبلية، العائلية والطائفية السائدة في العالم العربي.

إن التغيرات اللغوية التي حدثت كانت عكس التيار السائد ومعظم ما دخل لغتنا العربية وأضحى التعامل به ثابتا، مداناً سلفا بالخروج عن القواعد والنحو. رغم أن كثيره أصبح مما يسمى "المتعارف عليه"، لكنه خروجٌ واضحٌ عن عقليات حراس اللغة.

كذلك لاحظت أن هناك مشكلة لدى الكثيرين، خاصة متوسطي الثقافة، في فهم المقروء النثري وخاصة القصصي، من منطلق الفهم البسيط للأدب القصصي، بأنه جولة ترفيهية، بينما هذا الأدب يطرح الوعي الاجتماعي بأرقى صوره.

القصة في الأدب العالمي وبجزء كبير وهام من الأدب العربي، تشكل مادة فكرية أيضا يطرح عبرها الكاتب قضايا ملحّة وبالغة الخطورة، دور الكاتب هنا لا يختلف عن دور المثقف الموضوعي المرتبط بواقع شعبه والناشط من أجل قضايا الإنسان وقضايا الحرية والحقوق المختلفة.

باحث لغوي نشر مقالا يقول فيه: "لا بديل عن اللغة العربية الفصيحة المعيارية" عارضا أهمية اللغة العربية لأبنائها العرب، وقيمة هذه اللغة وحيويتها، وطرق تطويرها وتقريبها للقارئ. المقال يتحدث من منطلق عاطفتنا كلنا التي ترى بلغتنا جماليتها المميزة في النصوص الأدبية وخاصة الشعر... لكنها تعاني من حالة تكلُّس تشكل خطورة على مستقبلها ومكانتها بين اللغات الحية في العالم، هذا يبرز بغياب لغة علوم وتكنولوجيا، إذا وجدت فهي داخل قطر معين وغير مستعملة في أقطار عربية أخرى، أي لا اصطلاحات متفق عليها.

من الاشكاليات اللغوية التعويق في ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي المعاصر، وما أوجدته مجامع اللغة غير مفهوم إلا لمن صاغوه، لا يلائم الحياة العملية ولا أرى أن اصطلاحات مجامع اللغة مستعملة أو قابلة للاستعمال، هذا يبرز في القطيعة الآخذة بالاتساع بين واقعنا اللغوي والثقافي عامة ومستوى الحالة الثقافية– الاجتماعية واللغوية السائدة في المجتمعات غير العربية.

إن بعض المشاكل التي لم تطرح، ربما ليس عجزا عن طرحها بقدر ما هو قصور في فهم واقع اللغة، في حالتنا واقع لغتنا العربية، تشكل عائقا في سبيل رقي لغتنا وتطويرها وملاءمتها لعصرنا.

أعرف إنه حقل شائك بسبب المسافة الثقافية التي تفصل بين أبناء هذه اللغة، بظل سيطرة الكثير من الغيبيات والأوهام حول المقدّس اللغوي والفهم الخاطئ لدى الكثيرين لكل دعوة إلى ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي السائد في عصرنا، باعتبار هذه الدعوة هي لنسف اللغة العربية، فورا تنطلق صرخات الاحتجاج والاستغاثة محولين النقاش إلى صياغات إيمانية ونصوص غيبية ومقولات خاوية من المضمون، لا تسوى أكثر من الحبر الذي صيغت فيه، كأن العرب نصف الأميين، أو من لا يرهقون أنفسهم بالقراءة، (وهم نتاج الأنظمة الفاسدة) يعرفون مفردات اللغة الكلاسيكية وما شاء الله لا يتحدثون إلا بمفردات النصوص الدينية ولغة الجاحظ وبنحو سيبويه. لا أكتب من منطلقات لغوية. فأنا لست لغويا ولكني أعيش أزمة اللغة بنشاطي الإعلامي والثقافي والسياسي ومن اطلاعي الفلسفي العام على تاريخ اللغات.

اللغة وسيلة وليست غاية ولا قداسة للغة. اللغة لا تعبد ولا يركع لها، هذا ما شرحه بعض الباحثين اللغويين بشكل ممتاز دون أن يكون بمثل وضوحي الذي سيرى به البعض فظاظة كبيرة.. خلافا لما سجله باحث موقر أميل إلى تجاهل اسمه، لأن الأهمية للمضمون وليس للشخص، لا أرى أن "اللغة هي من أهم العوامل التي تكون هوية الأمة" كما كتب، هذا الطرح غير علمي تماما ومناقض للواقع.

اللغة بلا شك لها دورها في تكوين الهوية القومية ولكنها ليست من أهم العوامل، لا أرى أن للغة دورا مؤثرا ووزنا مقرَّرا. الواقع العربي القائم يثبت ما أذهب اليه. إن ما يوحد الشعوب العربية أكثر من اللغة، هو واقعها السياسي والاجتماعي، واقع الأنظمة الاستبدادية الفاسدة المعيقة للتقدم وواقع الفقر والإملاق المرتبط جذريا بنوع الأنظمة.

يجب عدم التجاهل أن نسبة الأمية المرتفعة في العالم العربي، وتقدر على الأقل ب 150 مليون أمي ومصادر ترفعها الى 60% من المواطنين العرب (350 مليون نسمة)، والبعض يرفعها لأرقام فلكية... ونسبة كبيرة أخرى بالكاد تفكّ الحرف أو تقدر على التعامل باللغة مع المؤسسات المختلفة.. إلى جانب مستوى قراءة متدن (نصف ساعة، البعض يقول ستة دقائق هي مدة القراءة للمواطن العربي سنويا، للمقارنة: اليهودي في إسرائيل يقرأ 50 كتابا سنويا)، عدم فهم المقروء من أوساط عربية واسعة جدا لأسباب تعليمية تعتمد التلقين، هناك اسباب كثيرة أخرى كلها تجعل من لغتنا أداة لا تخدم قضية تكوين الهوية القومية او إحداث نقلة ثقافية وتيار وعي قومي. لا ننسى أيضا أن العالم العربي مليء باللهجات المحلية التي لا يفهما العرب أبناء المناطق الجغرافية الأخرى. هناك عشرات اللهجات الغريبة عن فهم مواطني الدول العربية، أحيانا في نفس الدولة (حتى في فلسطين لغة الشمال الفلسطيني (الجليل) تختلف عن لغة الجنوب الفلسطيني، أبناء المثلث مثلا، بعض المفردات لا نفهمها ولا نستوعب طريقة لفظها، رغم أن المسافة بيننا نصف ساعة بالسيارة، لا أتحدث عن الجنوب الأبعد، النقب مثلا)، أي أن اللغة لا تشكل أداة تكامل قومي، بل في هذه الحالة تشكل أداة تباعد وتشرذم، خاصة بغياب روابط اجتماعية واقتصادية.

المواطن العربي الجائع للخبز لا يحتاج إلى لغة وهوية قومية وأنا أتحدث عن أكثر من 50% – 60 % من المواطنين في العالم العربي. في مصر مثلا، ما يقارب 80% من الشعب المصري يعيشون بدخل بين دولار إلى 3 دولارات يوميا، و 20% أكثر من 3 دولارات يوميا، منهم 1.5% يعرفون بالقطط السمان يسيطرون على ما يقارب نصف الإنتاج القومي المصري. يتبين من معلومات جديدة أن الجيش المصري يعتبر من أكبر المنتجين في مصر، يقدر إنتاجه ب 25% من مجمل الإنتاج ومعفى تماما من الضرائب. أي أن جنرالات هذا الجيش لهم مصالح اقتصادية ويتمتعون بوضع خاص من المميزات. هذا ينعكس سلبا على الربيع المصري. بعض المصادر تنبه إلى أن المجندين المصريين يُسخّرون في إنتاج الجيش وليس في التدريبات العسكرية، وأن هناك تراجعا في قدرات الجيش العسكرية، البعض يضيف اتهامات خطيرة: الجنود لا يعرفون استعمال الأسلحة الحديثة المتراكمة في المخازن، وبالتالي المتنفذون في الجيش أصبحوا جزءا من القطط السمان، ولكنه موضوع آخر.

هل ستصلح اللغة هذا الواقع المأساوي لتجعل المصريين ينتمون لهوية قومية واحدة؟ هل يفكر المصري أو العربي الفقير باللغة والهوية أم برغيف الخبز (العيش – أي الحياة) والعمل؟ هل يقلق الجنرالات تطوير اللغة وتعزيز الرابط القومي؟

الذي يؤثر على خلق هوية قومية متماسكة هو الاقتصاد، هذه نظرية طرحها أحد أهم فلاسفة ومفكري القرن التاسع عشر كارل ماركس وقد ثبتت صحتها. الدول الرأسمالية المتطورة تطورت فيها الهوية القومية والانتماء القومي واللغة القومية والقوة القومية أيضا لحماية مصالحها على قاعدة تطوير الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، النموذج الأقرب لنا هي دولة اسرائيل. البعض لا يحب هذه المقارنة، تشعره بالضيق، لكن أحببنا ذلك أم لم نحبه... من مجموعة مهاجرين مختلفي الثقافة والانتماء القومي، بنوا دولة واقتصادا يعتبر اليوم من الأقوى والأكثر تنوعا وثباتا في العالم (إنتاج إسرائيل القومي الإجمالي السنوي هو أكثر من إنتاج كل الدول العربية المحيطة بإسرائيل)، تعتبر إسرائيل اليوم دولة ذات أكبر نسبة في العالم لحملة الشهادات العليا بين المواطنين. علميا من أكثر دول العالم تقدما وتصديرا لمنتجات العلوم والتكنولوجيا، وهي ثالث أو رابع مصدر أسلحة في العالم من حيث الكمية، العلم بات جزءاً جوهريا من الاقتصاد (80% من صادرات اسرائيل يعتمد على الهايتك)، للمقارنة غير المرغوبة أضيف: تنشر إسرائيل معدل 12 بحثا علميا لكل 10 آلاف مواطن (36 بحثا لكل 30 ألف مواطن)، العالم العربي ينشر بحثا علميا واحدا لكل 30 ألف مواطن. يترجم في إسرائيل إلى العبرية 100 كتاب لكل مليون مواطن في السنة، حين تصل الكمية في العالم العربي إلى 3 كتب لكل مليون مواطن. هذا عدا أن كل كتاب يباع منه في إسرائيل كميات كبيرة تصل أحيانا إلى 70 أو 90 ألف نسخة وبعضها يتجاوز ال 120 ألف نسخة أو أكثر. ما عدا قلة نادرة من الكتب العربية وزعت 30 ألف نسخة، فكمية التسويق للكتاب العربي لا تتجاوز 3 – 5 آلاف نسخة من الكتاب. تخصص إسرائيل للأبحاث العلمية ما نسبته 4.7 % من منتوجها السنوي الإجمالي... ويقدر أكثر ب 15 مرة من كل مل يخصص للأبحاث العلمية في العالم العربي. بذلك تتفوق على العديد من الدول العظمى في عدد العلماء بالنسبة للمواطنين وفي كمية الأبحاث العلمية الهامة، لدرجة أن العلوم المتطورة في إسرائيل مطلوبة في دول عديدة ومنها دول كبرى، باتت تؤثر على مواقف الكثير من الدول من موضوع النزاع الفلسطيني إسرائيلي. بكلمات أخرى، هناك علاقة اندماجية بين السياسة والاقتصاد والرقي العلمي والتكنولوجي وواقع اللغة.

هذا ليس تحديا حضاريا فقط، حتى إحياء اللغة العبرية التي كانت ميتة قبل نصف قرن، أضحت اليوم لغة علوم وتقنيات ومراكز أبحاث، مما يثبت أن الاقتصاد والعلوم تدفع اللغة إلى التطور وملاءمتها للنشاط العلمي والتكنولوجي. العلماء في إسرائيل ومنهم علماء عرب بارزون، يكتبون أبحاثهم باللغة العبرية السهلة الاستعمال والسهلة جدا للترجمة منها واليها. هذا دليل صغير على أن التطور الاقتصادي والعلمي للعالم العربي سيحدث نقلة لغوية سيكون لها أبعد الأثر على الفكر العربي أيضا وعلى اللغة بالتأكيد. أضيف أن كل نقاشنا اليوم حول التجديد والتقليد في اللغة العربية هو محاولة لجس النبض والتفكير بالآتي، في محاولة لاستباق الواقع، لجعل التحول اللغوي أكثر مرونة وقابلية للتجسد، لكن الأمر يحتاج إلى نشر الوعي لأهمية اللغة في الانجاز الحضاري الحديث.. والأهم إصلاح جهاز التعليم العربي بناء على تجارب من سبقونا الى التقدم والتطور.

الانغلاق ستكون له إسقاطات سلبية قد تحول اللغة العربية إلى لغة في طريق الاندثار، تماما كما اندثرت لغة المسيح الآرامية، التي كانت في وقتها لغة مقدسة سائدة في شرقنا، لغة ابن الله حسب أهل كتاب "العهد الجديد" ومن المفروض انها لغة الأب الذي في السماء أيضا!!
أعرف أن كلماتي لن تستسيغها بعض الآذان، لا أطرحها لأني أقبلها، إنما لإثارة التفكير الواقعي بعيدا عن الغيبيات الإيمانية المغلقة وتسجيل رؤيتي ومخاوفي من مصير اللغة العربية.
يقولون إني دائما عكس التيار، وأرد: فقط الأسماك الميتة تمشي مع التيار!!
اذن الموضوع يتعلق بالواقع الاقتصادي والعلمي والتعليمي ومستوى الجامعات وأبحاثها والقضاء على الأمية ونشر التعليم بلغة عربية ميسرة متطورة، وجعلها لغة علوم وأبحاث وتقنيات، هذا ليس قرارا من فوق، بل تخطيطا للتطوير والنهضة الشاملة الاجتماعية والعلمية والتعليمية والاقتصادية، غيّبته أنظمة الفساد والقمع، وآمل أن لا نواصل نومة أهل الكهف، حتى لا نستيقظ على لغة فات أوان تسويقها لأصحابها أيضا.
لا شك أن اللغة العربية هي جزء من الهوية القومية، ولكن بوضعها البائس اليوم هي همٌّ قوميّ.
هل ستصمد في عالم لا ينتظر الخاملين؟
هل سيساعد كونها "لغة مقدسة" في الحفاظ عليها من الاندثار؟
ألا يعلم الواهمون بقداسة اللغة ان كل الأبحاث العربية العلمية الهامة يكتبها علماء العرب باللغات الأجنبية، أهمها لا ينشر في العالم العربي بسبب هجرة العقول العربية واندماج العلماء المهاجرين بالمجتمعات الحاضنة؟
قديما قال ابن خلدون جملته العبقرية التي نعيش صحتها كل يوم: "لغة الأمة الغالبة غالبة ولغة الأمة المغلوبة مغلوبة". ما دمنا من الأمم المغلوبة امام التحديات في الشرق الأوسط، تحت تحكم أنظمة فاسدة تهدم ولا تبني، تحديات في العلوم والاقتصاد والتحديث الحضاري.. فلن تكون لغتنا إلا على شاكلة شعوبنا، لغة مغلوبة لشعوب مغلوبة.
حان الوقت لفهم جديد لدور اللغة وأهمية هذا الدور في نقل العالم العربي من واقع الفقر والأنظمة الفاسدة، إلى واقع التنوير والابداع الثقافي بكل امتداده المادي والروحي!!