1. في تحديد أهمية نص الليالي
عرفت المجموعة البشرية التي ستشتهر باسم العرب ومنذ البدايات تجمعات ربطته بالأرض فيما يسمى اليوم بمنطقة الخليج والشرق الأوسط، وذلك في نطاق العلاقة الجدلية لهذه المجموعة بعنصر الماء الضروري لإنتاج وإعادة إنتاج ما تجود به الطبيعة والمتوفر بخاصة في دجلة والفرات والنيل ومأرب؛
كما عرفت موجات من الهجرة وصلت بها إلى ما يسمى بالشمال الإفريقي.
ويمكن القول وعن جدارة في هذا الاتجاه أن شمال القارة الإفريقية ظل على امتداد القرون يتفاعل مع العرب في موطن نشأتهم الأول سواء كعرب قدامى أو كعرب عاريين أو كعرب مستعربين، وهو التفاعل الذي- كونه وصل حد التمازج عند النهاية – أتاح النقاشات التي لا تنتهي حول أصول النوميديين والأمازيغ ومدى ارتباطهم بالعرب؛ وليس هناك من مؤرخ نزيه في هذا المضمار إلا ولفتت انتباهه في الحقيقة السهولة النسبية-ولا نقول المطلقة- التي تمكن بها العرب بعد الدعوة المحمدية من ضم أراضي الشمال الإفريقي إليهم وتحويلها إلى مغرب يطغى عليه الطابع العربي، أو ذلك اليسر الذي مكنهم من تغيير لسان أغلب السكان المقيمين فوق هذه الأراضي ،أو تلك السرعة في التآلف معهم بواسطة العناصر الثقافية الجديدة التي اقترحتها الديانة الإسلامية.
وإذ يمكن الحديث عند النهاية عن نطاق جغرافي متواصل في خصوص المنطقتين فإن الدارس بإمكانه الوقوف عند كافة أسباب اللقاء والتباين بين مختلف الطفرات الحضارية التي شهدها هذا النطاق والتي تسمى: الحميرية والآشورية والسومرية والأكدية والكلدانية والتدمرية والبابلية والعماليقية -الفرعونية والنوميدية والفينيقية والقرطاجية وصولا إلى التجربة الحضارية الأخيرة التي عرفت تحت اسم العربية –الإسلامية والتي انتهت إلى رسم حدود الوطن العربي كما هو معروف اليوم من المحيط إلى الخليج.
- المعروف أن هذه المجموعة البشرية قد أبدعت في مسيرتها منظومة الألفباء وأهدت للإنسان الكتابة، كما طورت علم الحساب باكتشافها للصفر على وجه التخصيص، وكانت لها على مر القرون إضافاتها في ميادين شتى كعلوم: الطب والفلك والاجتماع والتاريخ والجغرافيا.
كما طرحت على نفسها مثلها مثل غيرها من الشعوب سؤالا عميقا حول لغز الوجود، وأجابت عنه مثل الكثيرين بجواب التوحيد الذي نجد إرهاصاته الأولى بالعراق وب مصر حتى قبل انبثاق الديانات السماوية المعروفة التي ستنطلق هي الأخرى من هذه الأرض بالذات لتعم بعد ذلك أغلب أرجاء المسكونة.
إن الوقوف عند الحقبة الأسطورية التي عرفتها هذه المنطقة والتي امتدت من نهايات ما يعرف في علم الاجتماع بالمشاعات البدائية إلى عمق الفترة الطبقية العبودية سيجعلنا نندهش من عظمة النص الملحمي الذي تضمنته أسطورة "قلقامش" البابلية ، كما من عمق نصوص الحكمة الآشورية والسومرية المشهورة تحب اسم "النيميقي"، أو من رقي الشذرات الفكرية التي خلفتها الحضارة الفرعونية، باعتبارها كلها آثارا لا تقل عما أنتجه الهنود والصينيون والرومانيون واليونانيون القدامى، فمن المتوجب دائما عدم دفنها تحت مسمى الجاهلية باعتبارها بالنسبة للبعض سابقة للإسلام، لأن معنى الجاهلية لا يمكن أن يشمل هذه الإبداعات بأي شكل من الأشكال كونه يقتصر فقط على سلبيات محدودة زمانا ومكانا هي تلك التي عرفها العرب قبيل انبثاق الدعوة المحمدية زمانا وبشبه الجزيرة العربية بالخصوص مكانا.
أما مع إرهاصات دخول العرب كمجموعة بشرية إلى المرحلة الإقطاعية فإنهم سيتمكنون عبر صيرورة طويلة من إبداع الحضارة العربية –الإسلامية التي لا بد من التوقف أثناء استعراض وقائع تطورها منذ بداياتها المبكرة إلى غاية سقوطها عند النصوص الكبرى التي شكلت أهم معالم لها حسب مراحلها، والمتمثلة في:
المدونة الشعرية الجاهلية،
وفي المتن القرآني المقدس،
وفي النص السردي لألف ليلة وليلة.
إن المدونة الشعرية الجاهلية كانت تمثل بحق ديوان العرب وترجمان روحهم الدفينة وسجل يوميات حياتهم المضطربة، وقد علقت أجود نماذجها على أبواب الكعبة، وتضخم دور الشعراء في حياة القبائل المتناحرة إلى درجة أن النص القرآني وجد نفسه مضطرا بعد ذلك إلى محاولة الحد من غلو العرب في هذا السبيل: إذ أعلن أن الشعراء يتبعهم الغاوون وهم في كل واد يهيمون إلا من رحم ربك منهم، راسما بذلك طريقة جديدة في التعامل معهم أدت شيئا فشيئا إلى وضعهم في مقاماتهم الصحيحة ضمن الاهتمامات الأخرى للناس دون تضخيم ودون انتقاص.
أما المتن القرآني المقدس فقد دشن مرحلة جديدة في حياة المجموعة العربية التي عاد أهلها بعد شتات وانتكاس إلى مزاولة الفعل التاريخي، وقد سجل لنا النص المقدس في ارتباطه بأسباب النزول وقائع الميلاد الجديد –العسير مبرزا للوعي الجمعي وقائع وأخاديد عن فترة التأسيس لا يمكن أن يمحوها الزمان، وراسما للعرب ولمن سيتآلفون معهم تحت راية الإسلام دستورا للحياة ينظم تفاصيل حياتهم ويقحمهم إقحاما في مجال البناء الحضاري متعدد الأوجه الذي سيعرفونه على امتداد قرون قبل الانكسار من جديد.
أما رواية ألف ليلة وليلة فإذ أردنا أن نجعل منها المحطة الثالثة في البنية الفوقية المصاحبة لاستقرار العرب شيئا فشيئا في المرحلة الإقطاعية، فإن هذا لا يعني أن هذه الرواية من شأنها أن تخفي الإبداعات الفلسفية والأدبية والفكرية والعلمية والعمرانية المختلفة للحضارة العربية –الإسلامية ولكنه يعني فقط أن هذه الرواية على ما يكتنفها:
من بعض الأخطاء في عرض الواقع التاريخي الذي تروي تفاصيله.
ومن الاشتباه في بعض نواحيها كونها منسوبة إلى عموم الناس ولا يعرف بالتحديد من كتبها، ما من شأنه أن يكون سهل عمليات الدس والتوليج للراغبين في ذلك، فإنها تبقى نصا شاهدا بحق عن فترة النكوص والانحدار؛ وإذ ليس هناك أعمق من عبد الرحمان بن خلدون في فهم تلك المرحلة وفي تصويرها من زاوية علم الاجتماع، فإنه ليس هناك أكثر تفصيلا في سرد الأحداث اليومية المصاحبة لها وأكثر قدرة على تقديمها في قالب إبداعي وجمالي يشق الوعي ويخترق الوجدان من رواية ألف ليلة وليلة.
لقد استكانت النهضة العربية المعاصرة في مرحلتها الأولى التي تعطلت الآن إلى رأي الاستشراق في فهم الرواية ما صورها بشكل غرائبي وجعلها أقرب إلى الفنتازيا، فبقي من المستوجب الوقوف عندها بجدية وبعلمية لإعادة استكشاف خباياها.
ليس هدفنا في هذه المحاولة إنجاز هذه المهمة، فهي تبقى موكولة للباحثين وأهل الاختصاص، ولكننا رأينا أن هذه الرواية قد أرَخت لحلم بورجوازي عربي قديم لم يتحقق، فتعلق همنا بإبراز ذلك من خلال بعض الملامح الموجزة التي لا تهدف البتة إلى دراسة الرواية بقدر ما تهدف إلى الوقوف على ذلك الحلم المغدور.
حول الإطار الزمكاني للنص السردي
لا يخلو النص رغم تهويما ته واستطراداته الكثيرة من بعض المفاتيح التي تمكننا من وضعه في إطاره الزمني الصحيح، إذ من البين أن هارون الرشيد حاضر بكل أبهته ضمن طياته، بل إنه بإمكان القارئ أن يراه يتحرك بكامل الوضوح فوق مسرح بعض الأحداث أو في ثنايا بعض الحكايات.
وهكذا فإن نص ألف ليلة وليلة يتموقع في الزمان في الفترة القصوى لتطور الحضارة العربية –الإسلامية، بل يمكن القول إنه يحكي عن فترة الأوج بما يطل منها من عوامل التداعي التي ستفتتح عملها التخريبي بالنزاع الذي شب داخل فروع الأرستقراطية الحاكمة بين الأمين والمأمون ابني هارون الرشيد.
لقد شكل ذلك النزاع واجهة تتحرك في خلفيتها كافة الصراعات العنيفة والدموية التي وضعت الدولة الإقطاعية في قمة تطورها وجها لوجه مع خصومها من معتزلة ممثلين لتيار عقلاني بورجوازي وليد ومن اسماعيليين وخوارج ممثلين لتطلعات مختلف الفئات الشعبية بما فيها من زنج ومهمشين وعمال بسباخ الملح وشطار وعيارين.
إن العلاقة الجدلية بين تلك العوامل الداخلية وبين العوامل الخارجية التي تتمثل في تزاحم الأعداء من الدول الأخرى والمجموعات البشرية المجاورة استعدادا لنهش المكاسب الحضارية والخيرات المتراكمة من كل صوب.. بل ولنهبها عند النهاية… هي التي ستجعل لحظة الانكسار ممكنة وستعطيها مجسداتها المادية على أرض الواقع، وهذا ما ستكون رواية ألف ليلة وليلة شاهدة عليه، ما يفسر أهميتها في علاقة بهذا الإطار الزماني.
أما عن الإطار المكاني فمن المعروف أن العرب انحدروا بعد تحطم تجاربهم الحضارية الأولى إلى مستوى قبائل تائهة ب"واد غير ذي زرع" وبالصحراء والبوادي، وكانت تلك القبائل تستذكر ماضيها وتعيشه كلحظات أسطورية جميلة وغامضة بما فيه من مدن وسدود وفيضانات وحدائق معلقة وجنان ومسلات ومعابد وأهرامات ومدائن ذات عماد وأحداث لا تستطيع تنظيمها وتبويبها، ما سنجد صداه حتى في المتن القرآني الذي ذكر العرب بغاية الوعظ وبكامل الإيجاز بتلك اللحظات المتفرقة من ماضيهم القديم. فلما توجهت القبائل العربية نحو تجارة القوافل والتفت حول مركز العبادة الذي يمثله البيت العتيق الذي ب"بكة "وتمكنت مجددا من تطوير الزراعة كما هو الشأن بالطائف مثلا، فإن ذلك سمح بتطور مركزين حضريين هما مكة والمدينة. وقد لعبت مكة دور الحاضنة الروحية والفكرية لتلك القبائل كونها تحتوي على الكعبة وينتصب بها سوق عكاظ وتعلق بها أجود القصائد وتتم بها مراسم الحج القديم؛ أما المدينة- يثرب فقد رشحتها حيويتها الاقتصادية وازدهار الحرف بها كونها معبرا للقوافل وذلك كي تتطلع للعب دور قيادي في حياة القبائل العربية ما أهلها هي وساكنيها لاحتضان الدولة الوليدة التي أنشأها نبي الإسلام بعد إصداعه بالدعوة واضطهاده وإصداره الإذن لبعض أتباعه بالهجرة إلى الحبشة فيما تمكن هو بعد اصطبار وفي مرحلة ثانية من الوصول ظافرا إلى المدينة صحبة ثلة من رفاقه وصحابته.
ولكن هذين المركزين لم يصمدا عند النهاية أمام جاذبية المراكز الحضرية القديمة، فحالما وقعت الفتنة الكبرى رأينا الثقل السياسي ينتقل بسرعة مع الإمام علي بن أبي طالب من عموم الحجاز إلى كوفة العراق في بلاد ما بين النهرين، قبل أن يحتدم الصراع بين هذه البلاد وبين بلاد الشام، حيث استقر الأمويون بدمشق وجعلوها عاصمة ملكهم في حين أسس العباسيون بغداد واعتمدوا على البصرة كمنفذ بحري لهم.
لقد تطورت حواضر أخرى كثيرة طوال رحلة الحضارة العربية الإسلامية مثل القيروان والمهدية والقاهرة وفاس وغر ناطة وألموت... ولكنها بقيت كلها في موقع الأهمية الثاني بالنسبة إلى بغداد، بل إنه بالنظر إلى قصر عمر الدولة الأموية والطول النسبي لعمر الدولة العباسية، فإنه يمكن القول: إن بغداد هي التي مثلت العنوان المديني والحضري لعموم الحضارة العربية –الإسلامية، وذلك قبل أن تتحطم هذه المدينة –العنوان، سنة 1258 م تحت وطأة الهجمات التي شنها مزارعون ورعاة من أقوام مجاورة لا زالوا يعيشون آنذاك في أنماط إنتاج أكثر تخلفا… فبهرتهم بغداد بما راكمته من ثروات ومن خيرات واستفزت بداوتهم فعاثوا فيها فسادا ونهبا.
لم تكن بغداد موجودة من قبل، فقد أنشأها مؤسسها العباسي من عدم، وخطط لبنائها بحكمة واقتدار، وانتدب للغرض مهندسين أكفاء، بل واستشار على غرار ما يقع في ذلك العصر بعض العرافين حول مستقبلها، وأرادها أن تكون زاهرة، فكانت، وذلك بعمارتها الباهرة وبحركتها الفكرية والأدبية وبأسواقها التجارية والحرفية وبإشعاعها السياسي. وبغداد هذه هي التي ستشكل المنطلق والمآب لكل مغامرات ألف ليلة وليلة؛ وبما أنها مدينة قارية (continentale) فقد كان لا بد لها من منفذ بحري يصلها بالعالم الخارجي، فهكذا كانت البصرة بمثابة امتدادها الطبيعي والعضوي، منه تنطلق وتتواصل وتشع وإليه تؤوب.
وهذا التكامل بين الأرض والماء هو الذي سيجعل السندباد بحريا … ولكن مع نسخة غامضة منه بالبر، لا شك أنها تثير لدى القارئ المنتبه إلى رموز النص السردي ألف سؤال، إذ ما هي الغاية من الحديث في المتن السردي عن سندبادين أحدهما بري والآخر بحري؟
وفي محاولة عابرة لتفسير هذا الغموض نشير إلى أن العرب لم يكونوا "مهرة في ثقافة البحر" كما لاحظ ذلك عبد الرحمان بن خلدون، ولكنهم تعلموا "ركوبه " وبرعوا في ذلك ما جعل مخيلتهم الجماعية تتجه إلى إبداع شخصية السندباد البحري، الذي ما كان له رغم ذلك أن يقطع كل علاقة بالبر، لأن كل بحار لا بد له من بر ينطلق منه ويرسو فيه وإليه يعود. ويمكن القول هنا أن السندباد هو هنا صنو "أو ليس" في الأساطير الإغريقية القديمة والذي وقع التغني به في الأشعار على غرار القول: "سعيد من مثل أو ليس من قام برحلة طويلة " … …. فرغم أن "أو ليس" ضاع في الحقيقة فقد وقع تمجيده باعتباره غالب البحر وعاد، أما السندباد العربي فإنه غالب البحر مرارا وعاد، ولكنه بقي في الذاكرة الجمعية كرمز فقط لحلم بورجوازي تائه ينشد الانتصار.
الصراع الاجتماعي بالرواية أو علوية التاجر على الإقطاعي
تدور الصراعات الاجتماعية في المتن السردي بين فئات مختلفة ونماذج متعددة فيها من يمثلون الإقطاعيين وفيها من يمثلون البورجوازيين وفيهم من يمثلون المحرومين والفقراء والمهمشين. إننا نعني بالإقطاعيين هؤلاء العائشين في حكايات ألف ليلة وليلة من المجد التليد الذي خلفه الآباء والأجداد: فهم ينتفعون من ريع الزراعة ومن الكنوز الخبيئة دون جهد يذكر من قبلهم. أما البورجوازيون فنعني بهم هؤلاء المتحفزين في ثنايا النص لتحقيق الربح، وهؤلاء الذين يعدون أنفسهم دائما لنكسة الأيام فيجعلون معارفهم ومعلوماتهم ورصيد ذكائهم وصناعة أيديهم رأسمالا يشقون به صعاب الحياة ودرعا يقيهم عاديات الزمان، فيتمكنون من تثبيت أقدامهم وتأصيل كيانهم بواسطة المغامرة والحيلة والمضاربة. أما المحرومون والمهمشون فإن نماذجهم كثيرة ولكن أبرزها في النص السردي هي نماذج الشطار والعيارين. ويصل الصراع الاجتماعي في الحقيقة إلى تجلياته الأهم والأكثر وضوحا بين فريق الإقطاعيين وفريق البورجوازيين إذ نجده شاملا لجوانب عدة تبدأ من المستوى الفلسفي وصولا إلى المستوى المسلكي.
ولعله من المفيد عند هذا الحد أن نقف عند كون النص السردي يبدأ بقصة رجل ورث مالا تليدا لا يعد، فبدده في اللهو وإرضاء النزوات، فسرعان ما عرف الخصاصة وتدنى في السلم الاجتماعي إلى مرتبة المحرومين، ولم يسترجع مجده إلا بالإبحار وتنكب سبل المغامرة والتجارة.
ويمعن النص على سبيل المفاضلة في وصف ما يمتاز به الرجل من بلاهة وبلادة ذهن قبل اصطدامه بالحرمان فلما اهتدى إلى فنون الربح والتجارة تعلم الحذر والاحتساب والإقدام. ثم تعج الرواية بعد ذلك بالأخبار التي تضع وجها لوجه أصحاب الملك والسلطان والثروة الموروثة مع أصحاب العلم والمعارف والصنائع والمغامرات التجارية؛ وفي كل مرة ينتصر المنتمون إلى الفئة الثانية على المنتمين إلى الفئة الأولى… بسهولة لا فتة للنظر. إنها البورجوازية العربية القديمة إذن تحلم حلمها بالانتصار وتتحدث عن المعوقات الواقعية التي تلجمها. إنها التجارة تريد أن تشق طريقها وتكسر قيودها.
ولعله من المفيد هنا أن نتذكر الجاحظ وهو معتزلي وكيف كتب عن فن التجارة، وكذلك فعل أبو الفضل الدمشقي الذي عدد محاسنها في مؤلفه المعروف حول هذا الموضوع. كما برز الخرازون والوراقون والنظامون ومن ضمنهم إبراهيم "النظام" أستاذ الجاحظ وصاحب الدور الأبرز في تأسيس مذهب الاعتزال، وهم كلهم من أصحاب المهن والصنائع المرتبطين بحركة التجار.
وقد نادى أهل الاعتزال- ضمن مدارس أخرى – بوضع العقل في موضع القيادة، وخاضوا معركتهم ضد الجبرية المنادية بالتسليم المطلق للأقدار وبإلغاء دور الإنسان في تغيير ما بنفسه وما بمحيطه، وشكلت نداءاتهم خلفية فكرية للتجار والصيارفة وأرباب نقاباتهم كي يصبحوا من الوجاهات الفاعلة ويحاولوا اقتحام مراكز النفوذ، ما أدى عند النهاية إلى استقطابهم للمأمون فكريا وسياسيا، وقد بدا أن حركتهم آخذة في التصاعد بدءا بالمأمون ومرورا بالمعتصم والواثق اللذين كانا على نهج المأمون، ولكن الأخطاء الفادحة التي وقع ارتكابها والمتمثلة أساسا في التنكيل بأصحاب الرأي المخالف في مسألة خلق القرآن من عدمه وغيرها، مكنت عناصر الحكم الإقطاعي بعد فشلها مع الأمين من إعادة الكرة مع المتوكل الذي جاء دوره بعد الواثق، حيث أحاط به الجنود الأتراك الذين كان جلبهم المعتصم -كون أمه تركية - فطالبوا مقابل خدماتهم بالإقطاعات، ثم مالوا- عند استقرارهم وثبوت أقدامهم - بالمتوكل نهائيا ضد المعتزلة، فوقع القضاء على أية إمكانية للتوازن التاريخي مع ذلك المد العقلاني - التجاري، وهو التوازن الذي بدا ممكنا لبعض الزمن لكنه سرعان ما تبخر، كون الإقطاعات الزراعية كبنية تحتية قد قلبت على الأرض كافة الموازين ضد التجارة وازدهارها، وفتحت الباب نحو عوامل الدمار والخراب الناجمة عن رد الفعل الاجتماعي ضد مظالم الجنود والإقطاعيين الذين شجعوا بدورهم على الجمود الفكري وأغلقوا باب الاجتهاد.
وهكذا تحطم الحلم البورجوازي العربي في الواقع… فلم يبق له من نصر ساحق إلا على مستوى السرد الأدبي كما خلدته رواية ألف ليلة وليلة.
الحلم التقاني في ألف ليلة وليلة
يعتبر الحلم التقاني بهاجسيه المتمثلين في السيطرة على الزمن وعلى الطاقة من أهم الأحلام البشرية.
أما البورجوازية في حراكها المحموم نحو الغنيمة والربح فهي تعتبر معنية أكثر من غيرها بهذين الهاجسين اللذين تم تحقيقهما عند النهاية بصورة جلية مع انتصار الثورات البورجوازية الأوروبية الحديثة ولكنهما ظلا يداعبان خيال البورجوازية العربية القديمة في شكل أحلام كثيرة الوضوح. فهاجس السيطرة على الزمن إنما يتجسد في رغبة السيطرة على السرعة طيا للمسافات التي كانت تقطع ببطء مشيا على الأقدام وركوبا للدواب أو للفلك البدائية وهو ما كان يعرقل مشاريع الإنسان وطموحاته الكثيرة.
وهذا الهاجس نجده متجسدا في النص السردي من خلال الحلم بالطيران الذي كان حاضرا في حكايات ومغامرات عديدة؛ إذ كثيرا ما يصادف القارئ شخوص الرواية وهم يستقلون زربية طائرة أو يسخرون الجن والكائنات العجيبة فتوصلهم بسرعة نحو أهدافهم؛ أما" البراق" على سبيل التحديد فمن المفيد أن يتفطن المتأمل لكيفية تشغيله إذ يقع فرك بعض أجزائه والتعامل معها بحركات محسوبة لجعله يطير أو لجعله يحط، ما يوحي بدرجة من تطور الـخيال العلمي لدى هذه البورجوازية المنادية بتحرير العقل والحالمة من خلال ذلك بمستقبل جديد... حتى إذا ما وصلنا إلى هاجس التحكم في الطاقة فإننا نجد الرواية حافلة بما يبعث على الاعتبار في هذا الاتجاه.
لقد توصلت البورجوازية الأوروبية فعليا فيما يخصها إلى تحرير الطاقة البخارية والحرارية والضوئية والكهربائية والذرية والإلكترونية وتمكنت من استخراجها من مكامنها الخبيئة في الطبيعة ويسرت استعمالها لفائدتها، ولكن البورجوازية العربية إذ فهمت أن هناك طاقة مخزونة في الكون يمكن التعامل معها لاكتساب القوة وتذليل الصعاب فإنها بقيت عاجزة عن الوصول إليها، فهكذا كانت فكرة المارد الذي يخرج من القمقم ويضع قواه الـخارقة للعادة على ذمة من يتمكن من استدعائه تلبية لكافة طلباته، وهكذا كان المصباح بما يرمز إليه من فكرة الضوء والحرارة والنور والنار والذي يمكن أن يستعمله حتى طفل صغير يدعى: علاء الدين، للوصول إلى أهدافه مادام يعرف "كيفية استعماله "(mode d’emploi)؛ وصولا هنا إلى فكرة "الرصد" حيث توجد في الرواية وفي أكثر من مناسبة مادة مرصودة أو قل "مبرمجة" بلغة عصرنا، وذلك لتحقيق هدف معين في لحظة محددة، وهذه الفكرة تصل قمة وضوحها مع باب المغارة الشهير والمنسوب إلى علي بابا والذي يمكن تحريكه فتحا وإغلاقا بمجرد معرفة كلمة السر ألا وهي: "افتح يا سمسم"؛ فالمادة في هذا السياق بإمكانها أن تستجيب للإيحاء البشري عن بعد ودون ملامسة… ولكن بشرط معرفة المعلومة الصحيحة.
فما يستفاد من هذا كله هو أن العقل البورجوازي العربي قد تيقن أن الطبيعة تخبئ كنوزا مختلفة يمكن للطامحين إلى الغنائم الوصول إليها من خلال اكتشاف المعلومات والمعارف المؤدية إلى ذلك؛ وهذا حلم تمكن رأس المال المعاصر من تجسيده عمليا من خلال الاكتشافات والاختراعات التي ما كان يمكن أن تكون لولا تحرير العقل وفك الرباط عن طاقة الـخيال العلمي والإبداع، وهو بالضبط ما طمحت إليه البورجوازية العربية القديمة وللأسف الشديد وقفت دونه.
فكرة تحرير المرأة من خلال "ألف ليلة وليلة"
لقد وقفت البورجوازية التجارية والصناعية موقفا فريدا من المرأة. فبعد مجتمعات الأمومة التي تناسبت مع جماعات الصيد والقطاف، سرعان ما اتجهت البشرية إلى الزراعة فصاحب ذلك إخضاع النساء إلى السيطرة المستبدة للرجال وإلغاء خصالهن إلى حد تشبيههن بالحيوانات والشياطين الشريرة، وكثيرا ما قيل في ثقافة المجتمعات الزراعية: "إن المرأة شر" أو إنها "حفرة هاوية… وفخ مصيدة"، مثلما جاء في بعض النصوص البابلية، فمن هنا توجب إرغامها على الـخضوع وتحديد دورها قي إمتاع الرجال وحمل الذرية وخدمة البيوت... حتى إذا جاءت الرأسمالية فقد طرحت فكرة تحريرها، ولكن في حدود الاستفادة منها لا غير.
وينطلق النص السردي من تسجيل واقع المرأة آنذاك تسجيلا فظا: فشهريار رمز الذكر في الرواية يحمل حقدا دفينا للنساء أدى به إلى معاملتهن بقسوة وقع رسمها بصورة رمزية باهرة حقا، إذ كان يغتصب في كل ليلة إحدى النساء وعند الصباح يقوم باغتيالها – وهذه في الحقيقة صورة كاريكاتورية بها درجة من الاحتجاج عن الحياة في مجتمع الجواري والحريم في بيوت الملوك وأصحاب الثراء والجاه – لأنه فعلا كان بعض أصحاب النفوذ يقضون وطرهم من إحدى الجواري ليلة أو بعض الليالي ثم يرمون بها إلى النسيان والحرمان، فكأنما قتلوها، وقد كان لا بد لشهرزاد أن تملك الذكاء وآداب الكلام والمعارف والقصص العجيبة كي تفرض نفسها على شهريار: فهي لو اكتفت بجمالها لكان مصيرها كسابقاتها أي القتل، ولكنها لجأت إلى عقلها وفجرت كافة قدراته فتمكنت من أن تجعل شهريار لها أسيرا.
ويقف النص البورجوازي العربي القديم موقفا صريحا أمام المفارقات الغريبة التي تعيشها المرأة: فهي جارية تباع وتشترى وتعامل معاملات حاطة من كرامتها، ولكنها في المناظرات العلمية والأدبية والفقهية وهي الجارية دائما تتفوق على الجميع؛ بل إن بعض النماذج المقدمة داخل الرواية يمكن احتسابها بحق أمثلة عن موسوعات لمعارف عصرهن وفي جميع الميادين أيضا، بل إن كون النص البورجوازي العربي هو كله عند النهاية من رواية امرأة تدعى شهرزاد هو من الأمور الباعثة حقا على الاعتبار في هذا الاتجاه.
وبعد أن تتأنى شهرزاد في وصف ما تمتلكه الجواري من معلومات في شتى المعارف، تبادر إلى كشف أوراقها حول الدور الجديد للمرأة وذلك حين تجعلها تقف وراء الإقطاعي المفلس وتشجعه على ولوج مجالات التجارة إلى حد أنها تبيع نفسها جارية من أجل أن توفر له رأسماله الأول، فيظل هو لا هدف له من مغامراته إلا لقاءها من جديد وتحريرها من عبوديتها… فلم تعد المرأة "خنجرا حديديا مسنونا يقطع رقبة الرجال" أو شرا لا بد منه كما قال الأولون في بداية تطور المجتمعات الزراعية، وإنما أصبحت سندا وشريكا في المغامرة ولو كان ذلك في مرتبة أقل.
- الدلالات الواضحة في مغامرات شخوص ألف ليلة وليلة أن أحدهم يعثر على مملكة لا تسكنها غير النساء، فلعل تلك القصة تسجيل أدبي لبعض المجتمعات التي شاهدها الرحالة العرب آنذاك والتي كانت تعيش في مجتمع أمومي مترسب، ومن ثمة تذكير بأن المجتمعات الذكورية هي نمط فقط من المجتمعات البشرية، فلا يجب التعامل معها كقاعدة لا تقبل النقاش. غير أن ما يطل من عموم النص السردي ليس تحرير المرأة بالمعنى العلمي الذي يجعلها في مساواة مع الرجل، وإنما هو الاحتجاج على وضعها الدوني الذي لا يتناسب مع حقيقة إمكانياتها ومن ثمة المطالبة باستغلال طاقاتها فيما تعود به من فائدة على التجارة التي يمارسها الرجال؛ وهذا بالضبط ما ستنجزه البورجوازية الأوروبية عند انتصارها حيث سخرت المرأة لزيادة منتجاتها ومبيعاتها وأرباحها، مكتفية بتحرير المرأة شكليا فقط، ما تعمق اليوم مع تطور العولمة البورجوازية إلى حد البشاعة، وما فتح الباب لارتفاع بعض الأصوات المنادية بالعودة إلى ممارسات المجتمعات الزراعية المتخلفة عوضا عن التصدي لإصلاح الأخطاء والمضي نحو الآفاق الجديدة التي تبشر بها الثورة التقنية والمعلوماتية مع ما تفتحه من إمكانيات جدية – بفضل ما توفره من نشر للمعارف – وذلك لتحرير الرجال والنساء على حد سواء من كافة عوامل استلابهم واضطهادهم.
بمثابة الخاتمة
لقد أردنا من خلال هذه المحاولة الموجزة أن نؤكد على أهمية نص ألف ليلة وليلة كنص سردي، ونطل بواسطته على الهموم التي ما انفك يحملها في طياته، والتي حجبتها الرؤية الغرائبية التي فرضها الاستشراق أحيانا كثيرة عليه كما على أمهات مجلدات الحضارة العربية الإسلامية؛ فهو-أي الاستشراق - لئن كان له الفضل والحق يقال في نفض الغبار الذي غشا تلك المجلدات عند انتكاسنا قرونا وإهمالنا لها، فهو أيضا قد استولى عليها ماديا ثم قدمها إلينا في قالب يخدم تواصل تبعيتنا إليه.
فمواصلة للجهود التي بذلها رموز من أمثال بندلى صليبا الجوزي وحسين مروة ومهدي عامل وغالب هلسا وادوارد سعيد في وقوفهم موقفا علميا من التراث – لا ينبذه أو يتنكر له من ناحية كما لا يأخذه أيضا على علاته من ناحية أخرى – أردنا أن تكون هذه المحاولة المعتمدة على رواية ألف ليلة وليلة؛ إطلالة صغيرة على مرحلة من مراحل تطور المجموعة العربية في صراعها المستمر والمتواصل من أجل التطور والبقاء.
***
(*) كُتب هذا النص بتونس في أكتوبر1997، وأعيدت صياغته أواخر 2007...ولكنه لم ينشر لأول مرة إلا مع بدايات سنة 2020، وذلك بفضل مجلة "الحياة الثقافية" التونسية التي أسسها الأديب التونسي الكبير، والنقابي، والسياسي الراحل محمود المسعدي، وهو هنا ينشر مرة جديدة في محاولة لتوسيع دائرة الاطلاع على ما جاء به في أرجاء الوطن العربي.

