جورج شهيد من الذاكرة
في عام 1948 كان الشعب الفلسطيني يعيش وطأة التهجير عن أرضه، وبات الفلاح الفلسطيني بدون ليمون يافا، في ذاك العام كانت أم يوسف تصرخ على زوجها أن يأتي بجارتها لمساعدتها على تسخين المياه من أجل الولادة، خلف الباب كان يجلس عيسى بريغيث الفلاح ورجل الاصلاح وينتظر صوت بكاء الطفل، جاءت الجارة وطلبت قطع من الحلوى ومعها البشرى "صبي زي القمر"، تذكر الحج عيسى أنه كان يؤمن "عندما يولد الاطفال يجب عدم توزيع قطع الحلوى عنهم إلا عندما يكبرون وندرك أنهم صالحون وإذا كانوا خلاف ذلك يجب عدم توزيع قطع الحلوى"، وعندما استشهد يوسف ادرك والده حقيقة أن أبنه كان مثال الأبن الصالح فقام بتوزيع الحلوى ولو عاد به الزمن إلى الخلف لقام بنثر الدموع ندماً على كلامه0
في قرية بيت أمر التي ولد فيها يوسف أتم تعليمه الابتدائي والاعدادي وفي هذه المدراس أنشأ اول علاقة صداقة، وفوق سطح منزله ذو الطراز الفلسطيني عاش أول قصة حب في حلمه وهناك خطط لقطف وردة يهديها لعشيقته، وبين الكتب والأرض الزراعية التي يملكها والده عاش طفولته، ثم أنتقل إلى مدينة الخليل ليكمل دراسته الثانوية في مدرسة الحسين بن علي، وفي هذه المدرسة كان أحد أعضاء الكشافة وسافر مع فرقته إلى الجزائر ليمثل فلسطين، لم تتوقف حدود مشاركته عند الكشافة بل أنضم إلى فريق النادي الرياضي في بلدة بيت أمر لكرة القدم، ثم أنتقل إلى الكلية الإبراهيمية في القدس وأنهى فيها تعليمه الثانوي باللغة المصرية.
تحت شجرة الزيتون التي غرسها والده والتي تحمل تاريخ القضية، تاريخ الفلاح الفلسطيني كان يجلس يوسف ويستمع إلى الراديو الذي يبث أخبار عن اللاجئين الفلسطينيين وبيوت الصفيح التي بنوها، وتبث ايضا عن عصابات الاحتلال التي قتلت الجنين الفلسطيني وهو في بطن أمه بالطائرات الحربية، ربما في تلك اللحظات ادرك أن الشعب بحاجة لتغيير المعادلة وامتلاكه سلاح جو يقاتل فيه من سرق الارض والتاريخ، وربما ايضا سأل نفسه كيف يمكن ذلك كيف نصنع التوازن؟
السؤال الأخير جعل يوسف عقب حصوله على شهادة الثانوية باتخاذ قرار بدراسة الطيران هذا القرار قبول بالرفض من قبل والده، ولكنه تمرد على قرار والده وبدون علم أحد وبشكل سري تقدم إلى جميع الفحوصات اللازمة للالتحاق بكلية الطيران الاردنية وتخطاها بنجاح ولكن تم رفضه من الكلية بدون إبداء أي أسباب.
لم يستسلم يوسف وشخصيته المثابرة وإيمانه بضرورة وجود سلاح جو فلسطيني جعله يلتحق بكلية الطيران في مصر، ومن أجل ذلك قام ببناء خطة محكمة لتحايل على والده لتحقيق هدفه، وكانت الخطة تقوم على أنه يرغب بإعادة الثانوية العامة لرفع معدله وذلك غير ممكن إلا في مصر لأن السنة التي تقدم فيها الثانوية العامة كانت باللغة المصرية وفعلاً نجحت خطته واقتنع والده وذهب إلى مصر.
لحظة وصوله مصر تقدم إلى معهد امبابة للطيران وتم قبوله في كلا التخصصين الطيران الحربي والطيران المدني وكان له حرية الاختيار، الأمر الذي جعله يتصل بوالده ويضعه تحت الأمر الواقع وأخبره والده بعد نقاشات أن يقوم بالالتحاق بالكلية المدنية للطيران، كان ذلك في عام 1965 وبدأ بالفعل بالدراسة ولكن اندلاع حرب 1967 جعلته يترك مقاعد الدراسة والتوجه إلى الأردن والالتحاق بمنظمة التحرير.
في صفوف منظمة التحرير مكث مدة عامياً في الاردن، وبحسب بعض الروايات شارك الشهيد يوسف في عدة عمليات قتالية ضد العدو الصهيوني اثبت فيها بسالته وشجاعته وبسبب هذه الشجاعة أختار رفاقه أسم حركي له وهو "جورج"، وبناء على دورة البطولي قررت منظمة التحرير ارسال الشهيد يوسف إلى الصين مع أول دفعة فلسطينيين للحصول على دورة تدريبية في الطيران الحربي، وبعد الانتهاء من الصين تم ارسال الشهيد يوسف إلى الجزائر للحصول على دورة أخرى في الطيران ليعود منها قائد لكتيبة الطيران الفلسطيني.
عاش الشهيد يوسف متنقلا بين سوريا ولبنان والجزائر، وليسقر بعد حرب أكتوبر عام 1973 في سوريا لمدة عامين، وفي عام 1975 ارسلت منظمة التحرير الشهيد يوسف ليقوم بتدريب طيارين اوغنديين، وبتاريخ 27.10.1975 سقطت طائرة جورج بسبب خلل فني مفتعل، ووجهت أصابع الاتهام في اغتياله إلى عدة أطراف لكن لم تعترف أي جهة بذلك.
كان يؤمن الشهيد يوسف بتلاحم الثورة الفلسطينية مع كل القوى المناضلة ضد الإمبريالية والصهيونية من أجل الحرية ولذلك صعد إلى طائرته وربما قبلها قبل ذلك، داخل حجرة القيادة بدأ يسمع صوت المحرك وجميع الاوامر تقول له انطلق، حلق كالنسر، كانت الطائرة تعلو وتهبط كأنها رقصة الموت، في تلك اللحظات تذكر الشهيد يوسف الشاعر مظفر النواب وبدأ يلقي على نفسه قصيدته التي احبها دائماً:
نداء على الطيارين العرب مازال مفتوحا
في الليل تسلل
حمل طائرة الفجر قنابل وهلا هل
نفذ عشقك
اخرج عن أمر قياداتك
خذ في الجو طريقا مشبوها تعرفه وأنا اعرفه
وجماهير الأمة في عين الحلوة تعرفه
امرق سهما منتصرا
امرق نسرا شامخا منتحرا
اخترق الجبن الرسمي
الآن ... الآن العاصمة الاسرائيلية تحتك
من قصف الدمور
من احرق صور
من أمطر ألاف قنابله العنقودية في ارنون وخلده تحتك
من دفن النبطية فلم تدفن
بالضبط هو الآن هنالك تحتك
افتح أبواب جهنم يا نسر
رشاشاتك يا نسر
حبك للدنيا
غضبك
ألهب أحزانك ...
غربتك المر في صمت العالم
نارك
العب لعبتك الربانية على عنق مدافعهم
وتأرجح نشوانا .. نشوانا ... نشوانا
مثل سكارى العالم قاطبة بين قذائفهم
نفذ نارك
يا اللّه نفذ أقدارك
يا نسر إذا حاصرك الأعداء
يا نسر إذا حان لقاء اللّه
خل جبين الطائرة الفذة نحو الأرض
تماما نحو الأرض
خذ سرعتك القصوى
دمر أي مكان في العاصمة الاسرائيلية واستشهد
فاللّه سيلقاك قبيل وصول الأرض
أو أنت وصلت احتضنتك فلسطين
وقبل أن ينهي المقطع الأخير أصبح يوسف شهيد، وتم نقل جثمانه إلى دمشق ونقل من هناك إلى عمان حيث دفن في مقبرة الشهداء في مخيم الوحدات، ومخيم الوحدات هو فلسطين وأرض فلسطين حنونة على أبنائها.

