لم تكن جريمة "بلفور" وليدة الإعلان المشؤوم الذي أعطى من لا يملك لمن لا يستحق؛ بل جاءت استمراراً لارهاب وتوحش امبريالي استعماري بدأ منذ أن وطأت أقدام أول جندي بريطاني المنطقة بهدف سرقة ثروات الشعوب، واستلاب مواردها الطبيعية والسيطرة على مناجم الفحم والذهب، والممرات المائية وطرقها البرية وموانئها البحرية والجوية التي كانت طرق وممرات التجارة الدولية وعمالتها الرخيصة التي وصلت حد السخرة في كثير من المحطات؛ واستخدمتها في قوام جيوشها للحرب بالإنابة عن جبهات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
ذهب هذا المستعمر استناداً لمعرفته ومصالحه في زرع الفرقة والشرذمة كأداة للهندسة الاجتماعية الاجبارية لشعوب المنطقة في إطار قولبة الوعي ورعاية وتطبيع وتمويل القوى الرجعية كحارس أمين لاستمرار الاستعمار واستدامته بأشكالٍ مختلفةٍ، حيث لم تكتفِ بريطانيا بحالة النهب لثروات الشعوب واستعبادها لبناء نهضتها كدولة استعمارية عظمى على أشلاء وجثث الشعوب التي استعمرتها؛ بل صممت مشروعها الامبريالي الاستعماري للخلاص من مشكلة اليهود التي مَثلّت إشكالاً أوروبياً منذ سلطة الكنيسة وليس انتهاءً بالدولة القومية والنهضة الصناعية، فحولتهم من مهدد إلى حارس وحامية امبريالية زرعتها في قلب المنطقة لحراسة المصالح الامبريالية، وميراث حقبة استعمارية دموية، بعد أن أمنت حراس هذه الحامية من قوى رجعية رعتها ودربتها ومولتها وسلحتها وأورثتها الحكم لاستعباد شعوبها، والدخول في وحل التبعية والخنوع.
جاء "وعد بلفور" المشؤوم امتداداً لهذه السياسة الاستعمارية المستمرة حتى هذه اللحظة، والتي توارثتها القوى الامبريالية استمراراً في مسلسل النهب المستمر للشعوب، واحتجازاً لمقومات نهوضها بعدما سلحت قاعدتها الإرهابية بهلوسات تلمودية، ومَلكّتها تكنولوجيا وسلاح الإرهاب، وشَرعنت جريمتها بقرارات أممية.
إن المطالبات المتواصلة لبريطانيا بالاعتذار والاعتراف بدولة هي حق الشعب الفلسطيني على أرضه، تعويض صفيق عن سلسلة جرائم طويلة ومستمرة لم تبدأ بجريمة بلفور ولن تنتهِ بالاعتذار.
أي اعتذار هذا الذي سيُعوض الشعوب عن حقبة الرق والاستعباد الاستعمارية؟ أي استعمار هذا الذي يمكن أن يُعوضنا بآلاف الشهداء الذين قضوا على أعواد مشانق المندوب السامي البريطاني من أجل عيون الصهاينة؟! أي اعتذار هذا وأي اعتراف الذي سيعوض ملايين اللاجئين الفلسطينيين عن سنوات التشرد ومحرقة التهجير والاقتلاع؟! أي اقتلاع أو اعتراف هذا سيُبّرد نار شعبنا المكلوم بآلاف من قضوا في مجار العدو الصهيوني التي اتخذها طريقا لاقتلاع قرانا ومدننا؟، أي اعتذار أو اعتراف حرمنا من الملاحة في بحرنا انطلاقاً من ميناء يافا، أو التمتع بقطف برتقالها الحزين، أو استخدام الجنيهات الفلسطينية المنهوبة لصالح خزينة بريطانيا؟، أي اعتذار هذا الذي سيعوضنا ولو ذرة تراب من فلسطين؟ّ
وحدها المقاومة وإرادة شعبنا بالحرية والتحرير والعودة لكل ذرة تراب من فلسطين، وكنس هذا الكيان حتى آخر شبر من أرضنا المحتلة، هو التعويض الحقيقي عن سنوات العذاب، ووحدها إرادة الشعوب التي ترى ب فلسطين قضتها التحررية المركزية هي التعويض الحقيقي القادم ليزل مخلفات هذا الوعد المشؤوم، ومحاكمة ورثة الاستعماري البريطاني، والخلاص من القوى الرجعية، وإزالة الحدود الصناعية كمخلفات لحقبة استعمارية مظلمة.
على هذه القوى الاستعمارية التي مَكنتّ هذا الكيان الصهيوني المغتصب من أرضنا وشردت شعبنا، أن تستخلص العبر من حركة التاريخ؛ فلن يبقَ هذا العار والدعم المتواصل لهذا الكيان على حاله، وآجلاً أم عاجلاً ستدفع هذه القوى ثمن دعمها وتمويلها وتسليحها لهذا الكيان المصطنع.

