المتتبع لمواقف الإعلامي والوزير جورج قرداحي لا يستغرب تصريحاته ومواقفه من الحرب الظالمة على اليمن، وهو ليس الموقف الأول له من قضايا المنطقة؛ فالمعروف أن الوزير جورج قرداحي له موقفًا حاسمًا وايجابيًا من القضية الفلسطينية، وله رأيه من الحرب على سورية، هذا الرأي الذي كان سببًا في فسخ عقده مع قناة الـ MBC عام ٢٠١١، وله مواقف وطنية عربية متعددة كان يعبر عنها ويمررها في برامجه التلفزيونية. هذه المواقف التي أسست القاعدة الجماهيرية الواسعة لمواقفه وأستطيع أن أدعي أن لجورج قرداحي؛ حاضنة وقاعدة اجتماعية أوسع من القاعدة الاجتماعية لبعض الأنظمة التي لا تحصل على تأييد داخلي بحجم التأييد لموقف الوزير قرداحي، وهي قاعدة متعددة الانتماءات وعابرة للدول والطوائف والمذاهب. منظومة النظام الرسمي العربي التابع للسياسة الأمريكية مشكلتها مع الوزير قرداحي؛ تحمل ذات الأبعاد التي حملتها مشكلتها مع الرئيس إميل لحود ومع الوزير سليمان فرنجية والوزير وئام وهاب ورئيس الوزراء سليم الحص وموقفهم الحاد من السيد حسن نصرالله الذي يتميز عن سابقيه أنه يملك الإمكانيات المادية الملموسة للمواجهة وإحداث التغيير. إن مشكلتهم مع هذه الرموز التي تحمل التعدد الطائفي والمذهبي، ولكن يربطها مواقفها الوطنية التحررية من الهيمنة الاستعمارية وأدواتها من أنظمة تابعة، ومشكلتهم مع مواقفهم التي تعبر طوائفهم ومذاهبهم ويكشف زيف التحريض الطائفي والمذهبي المقيت الذي تروج له هذه الأنظمة لتبرير تغيير توجهاتها ومواقفها من القضية الفلسطينية التي هي معيار الموقف الوطني العروبي التحرري.
الحرب على اليمن من حيث الشكل هي حرب على مخرج اللغة العربية القحطانية، ومن حيث الجوهر هي حرب انتقامية من الشعب اليمني على مواقفه الوطنية التحررية، وهي بذات الوقت حربًا على الشعب السعودي؛ عبر هدر امكانياته المادية من قبل فئة سلطوية حاكمة لا تعير أي وزن لمصالح شعبها ومستقبل أبنائه، وهي حربًا تستهدف شعوب المنطقة وإدخالها في أتون حروب طائفية ومذهبية من أجل تفكيك البنى الاجتماعية والمصالح الجامعة بين قواها الاجتماعية.
إن الحملة على جورج قرداحي هي تُستثمر كمدخل للهجمة على المقاومة وتصريحات وزير الخارجية السعودي تكشف ذلك ويعززها تصريحات الأمراء السعوديون أيضًا. والسؤال الأهم: هل الموقف من تصريح الوزير جورج قرداحي ما قبل أن يتوزر زمن على قناة الجزيرة يتطلب هذا الحجم من ردة الفعل الدبلوماسية؟ حجم ردة الفعل لا يتوافق مع الموقف، حيث مثل هذا التصريح أطلق من عدة عواصم ومن شخصيات دولية، وحجم ردة الفعل السعودية والخليجية؛ من حيث التوقيت هي رسالة متأخرة لواشنطن وباريس ولندن التي تمنت على الملك السعودي أن يكون هو من يمثل السعودية في قمتي ال G 20 والمناخ بدلًا من ابنه ولي عهده منعًا للإحراج الذي يشكله حضور ولي العهد؛ المتهم بقتل جمال خاشقجي لرؤساء الدول؛ فإدارة بايدن لها موقف من سلوك ولي العهد محمد بن سلمان وصديقه ولي عهد الإمارات، ومن الملاحظ أن مواقف الإدارة الأمريكية التقليدية حول الصداقة الأميركية السعودية لم تترجم بلقاءات أو زيارات على مستوى عالٍ منذ دخول بايدن للبيت الأبيض، وهذا الموقف للإدارة الامريكية تستثمر فيه إسرائيل للعمل على حله من خلال بوابتها الإسرائيلية التي شرطها إعلان السعودية عضويتها لنادي اتفاق ابراهام. السعودية من طرفها؛ قدمت إشارة مبدئية عندما سمحت بفتح المجال الجوي بمرور الطائرات الحربية الإماراتية للمشاركة في مناورات أزرق ٢ في النقب الفلسطيني المحتل، وسماحها بالإعلان عن إقلاع أول طائرة مدنية خاصة، من مطاراتها متجهة إلى تل أبيب. الإدارة الأمريكية من جهتها؛ تتوافق مع تل أبيب للضغط على السعودية لإهداء عضويتها لإدارة بايدن لإبرازه كانتصار في السياسة الخارجية لإدارة؛ تتراجع نسبة تأييدها الداخلي.
ولي العهد السعودي يتحرك باتجاهين متناقضين نحو إيران للضغط على الثنائي كخيار؛ إذا ما استمر الضغط الأمريكي وبذات الوقت يرسل إشارات لإسرائيل من خلال التصعيد على الساحة اللبنانية، في لعبة مزدوجة من أجل تعويم التأييد الخارجي لوراثة العرش في المملكة. إن الحملة السعودية على الوزير جورج قرداحي هي رسالة باتجاهات متعددة؛ جوهرها تصعيد الهجوم على المقاومة ووضع شرطًا لعودتها إلى لبنان يتمثل في إسقاط الشرعية الرسمية للمقاومة من جهة، وعبر التحريض لدفع القوات اللبنانية لاستدراج المقاومة لحرب الزواريب والشوارع الداخلية من جهة أخرى. وعليه؛ فلقاء السفير السعودي مع سمير جعجع قبل مغادرته الأراضي اللبنانية هي رسالة للداخل اللبناني عن ممثلها الشرعي والوحيد في لبنان كبوابة للعلاقة مع الرياض.

