شاعرٌ وكاتبٌ فلسطينيّ/ سلوفاكيا
تتضَافَرُ ثلاثُ رواياتٍ فلسطينيَّةٍ تَعُودُ – زَمَنيًّا – إلى عِقْدِ السَّبْعِيْنَات مِنَ القَرنِ الماضي، وكتبَها روائيّانِ فلسطينِيَّانِ، وروائيَّةٌ فلسطينيَّةٌ، مِمَّن الْتَحَقوا بالثَّورة الفلسطينيَّة إبَّانَ انطلاقَتِهَا، وتصَاعُدِهَا، واتِّساعِ أمداءِ حُضُورهَا، ومِمَّنَ عَايَنوا بَدْءَ إرهاصاتِ تَراجُعِهَا عَمَّا انْطلَقَت من أجلِ تحقيقه، فَأرادوا النُّهُوضَ بِما تُوْجِبُهُ هُويَّةُ المُثَقَّفِ العُضُويِّ الثَّوريّ الفَعَّال، من دَوْرٍ في مُمَارسَةِ "النَّقْدِ والنَّقْدِ الذَّاتيِّ"، وذَلِكَ مِنْ خِلَالِ شَخْصِيَّاتٍ روائيَّةٍ، متَعَدِّدةِ الَمنَابَتِ الطَّبَقِيَّة، ومُتَقاربِةِ التَّوجُّهَاتِ الفِكْريَّةِ وأنْمَاطِ الوعيِ النَّظَريِّ، ومُتَغَايِرةِ أَشْكَالِ الحُضُورِ والصَّوغِ الجَماليِّ، في رواياتٍ ركَّزوها على تَشْخِيْصِ ما قَدْ شَرعَتْ هذهِ الثَّورةُ في مُعانَاة عَقابيلِه من "أمْراضٍ" تَسَلَّلَتْ، بِطُرُقٍ عديدةٍ، إلِيْها، وبَدا أنَّها تُوشِكُ أَنْ تَكْسِرَ شَوْكَتَها بِإجْهَاضِهَا، وأنْ تَفْتِكُ بِهَا بِأخْذِهَا إلى نَقِيْضِهَا.
روايَةَ "البُكاءُ على صَدْرِ الحبيب " للروائي رشاد أبو شاور، أنْ تَكُونَ هي أُولى الرِّواياتِ الفلسطينيَّةِ الَّتي ركَّزتْ عَلَى مُمَارسَةِ هذا النَّقدِ؛ ولا سِيَّمَا في شِقِّهُ الأوَّلِ مُجسَّدًا في "انتقادِ قِيادة الثَّورة"؛ إذْ صَدرت طَبْعَتُها الأولى، عن دار العَودة، بيروت، عام 1974، ثُمَّ تلتْها روايةُ "حبيبتي ميليشيا" للروائيّ توفِيق فَيَّاض، الَّتي صدرت طبْعَتُهَا الأولى عنِ الاتِّحاد العام للكتاب والصَّـحافيّين الفلسطينيّين، في بيروت، عام 1976؛ لِتَلِيَها بَعَدَ نَحْو عامٍ واحدٍ روايَةُ "الآتي مِنَ المسافَاتِ" للروائيَّة سلوى البنَّا، الَّتي صَدرت، عَامَ 1977، عن الاتّحادِ نَفْسِه، وفي بيروت أيْضًا، الَّتي اتَّسَمت بتركيزٍ أقلَّ على مسألة النَّقد والنَّقد الذَّاتي، وبِسَعيٍ لاستنباطِ ما يَصلُ مفْهومُ الثَّورةِ نَفْسُهُ بِكلٍّ من مفهومي "الرومانسيَّة" و"الواقِعيَّة"؛ وذلِكَ عَبْرَ مُقاربَةِ أشكالِ استجابَةِ شَخصيّاتٍ روائيَّةٍ للتَّحدّياتِ الَّتي يُمليها فَسادُ الواقِعِ الذي يُواجِهُونَهُ عليْهِم.
وتلتقي الرواياتُ الثَّلاثُ في أنَّها تنهض على تَجْسِيْدِ تَحّقُّقَاتِ البُطُولَة الجَمَاعِيَّة، وعلى مُتابَعَة صيرورة حَدثٍ مَركزيٍّ رئيسٍ؛ هُوَ "الحَربُ" الَّتي في إطارهَا، كَحَدَثٍ صَائِرٍ، تَتَحَرَّكُ شَخْصِيَّاتٌ يُجَسِّدُ تَطَابُقُ اسْتِجَابَاتِهَا القَولِيَّةِ والعَمليَّةِ للتَّحدِّيَاتِ الَّتي يُمْلِيْهَا هذا الحَدَثُ عليْهِمْ، وعلى الثَّورة الفلسطينيَّة والحركَة الوطنيَّة اللبنانيَّة، تِلْكَ البُطُولَة الَجَمَاعِيَّة، فِيْمَا يُجَسِّدُ تَضَاربُ اسْتِجَابَاتِ شَخْصِيَّاتٍ أُخْرى لتِلْكَ التَّحَدِّياتِ خَيَاراتٍ تتَغَايَرُ بَيْنَ لَحْظَةٍ وأُخرى؛ لتُفْصِـحَ عَنْ خُضُوعِ هذهِ الشَّخْصِيَّاتِ لوعيٍ زائِفٍ، أو لوعيٍ شَقيٍّ، يَتَأسَّسَانِ على خَلِيْطِ مُكَوِّنَاتٍ يُفْضِي إلى تَخبُّطٍ مُسَتَمرٍّ بيَنَ خِيَاراتٍ مُتَنَاقِضَةٍ.
وفي المَسَافَة المُمْتَدَّة مَا بيْنَ كِلتَا هَاتيْنِ الفِئَتينِ مِنَ الشَّخْصيَّات الروائيَّة تَتَمَوضَعُ شَخْصِيَّاتٌ مُنْتَمِيَةٌ، وذَواتُ وعيٍ إنْسَانيٍّ ثَوريٍّ نَاهِضٍ على المَعْرِفَةِ المُؤصَّلَةِ وإعمالِ العَقْلِ، ولَكِنَّها شَخْصِيَاتٌ مَأْزومَةٌ، يُلازِمُهَا القَلَقُ اللَّاهِبُ، وتُؤَرِّقُها المُفَارقَاتُ التَّناقُضِيَّةُ المُفَارِقَةُ مُقتَضَياتِ هذا الوعيِ على نَحْوٍ جَسِيمٍ، الّتـي تتَجسَّدُ، أَسَاسًا، في تراكم المؤشِّرات التي تُنْبِـئُ بتراجع الثَّورةِ عَبْـرَ ارتدادِهَا عنْ النَّهجِ الثَّوريِّ التَّغييـريّ الجذريِّ، وتَخَلِّيهَا عنْ المقَاصِدِ الَّتي منْ أجلِهَا انطلقَت، وذَلِكَ جَرَّاء تخليطيَّة مَكُونَاتِ وعْيِ قيادتِها، ووسطيَّةِ مواقفهَا، وإعلائِهَا منْ شأنِ "التَّكتيكيِّ" في مُقَابِل التَّخَلِّي عن"الاستراتيجيِّ" على نَحوٍ أَمْلَى تَخبُّطَهَا: نَهْجًا، وتَصَرُّفَاتٍ، ومسلكيّاتٍ، وأَشْكالَ استجاباتٍ، فأفْضَى إلى إنهاكِ الثَّورةِ، وتَخْريبِ أحوالِهَا، وأَنْبَأَ بإجْهَاضِها، وإِهْلَاكِهَا.
ومنَ اللَّافِتِ للانتباه، وذي الدَّلالَة، أنَّ الشَّخْصيَّاتِ الَّتـي تُمَارسُ النَّقْدَ المُوجَّهَ للقِيَادة في الرِّواياتِ الثَّلاثِ، إنِّمَا تنتَمـي، في الأغلبِ، إلى اللاجئينَ الفلسطينيّين الذيْن اقْتلَعَتْهُم "النَّكبَةُ الفلسطينيَّةُ الكُبـرى" عام 1948 مِنْ وطَنِهِم، وقَذَفَتْهُم إلى مُخيَّماتِ اللُّجُوءِ القَسْريِّ، أو إلى الفُقَراءِ والمُعْدَمِيْنَ مِنَ النَّاسِ غيرِ المُفْتَقرينَ فِطْرَةَ الوعيِ الإنْسَانيِّ التَّغييـريِّ؛ فَـ"زِياد" و"غالى"، و"أبُو خليل" في "البُكاء على صَدر الحبيب"، لاجئون فلسطينيُّون يَقْطُنُونَ "مُخيَّم اليرموك" في دمشْق. أَمَّا "دَهريَّة" في "حبيبتـي ميليشيا"، فَهي لاجِئَةٌ فلسطينيَّةٌ تقْطُنُ "مُخيَّم الوحدات" في عَمَّان، فِيِما ينْتَمـي "أبُو عُمرٍ" وأولادُه المقاتلونَ الثَّلاثَة: الشَّهيد عُمر، وإبراهيم، وعلي، وكَذا: "بِنْت الحَاج ديب"، في "الآتي مِنَ المسافات" إلى فقراءِ اللُّبنانيّينَ ويَقطنون "حيِّ أبو شَاكر" في بيـروت. وتَتَقاسمُ هذه الشَّخْصيَّاتُ الرِّوائيَّةُ الانْتِمَاءَ للثَّورة، والتَّطلُّعَ والسَّعْيَ اللَّاهِبيْنِ إلى إبدالِ واقِعٍ إنْسانيٍّ تَحرُّريٍّ مُنِيْرٍ مُمْكِنٍ، بالواقِعِ التَّوحُّشي الاستبداديِّ الظَّلاميِّ القَائِمِ.
ويَتوزَّعُ النَّقْدُ المُوجَّهُ مِنْ قِبلِ هذه الشَّخصيَّاتِ إلى "القِيادة" على ثلاثَة محاورَ مُترابِطةٍ هي: بِنيَةُ الوعي وطبيعَتِه؛ والنَّهْجِ ومُحَدِّداتِه، والمُمَارسَة الفِعلِيَّة، وفي صُلْبِها شَتَّى أشكال الاستجابَة للتَّحدِّيَاتِ، وردّات فعل هذه القيادة إزاء النَّقْد الموجَّه إلِيها منْ قبِلِ المُنْتَميْنَ للثَّورة والمُقاتِلِيْنَ في صُفُوفِهَا. ويُغَطِّي هذا النَّقْدُ ثلاثَ أحَقْابٍ هي: حِقْبَة الانطلاقَة الثَّانيَة للثَّورة الفلسطينيَّة في الأردن (مِن 1967 حَتَّـى حرب أيلول 1970) عبـر روايَة "حبيبتـي ميليشيا"؛ والحِقْبَة اللُّبْنَانِيَّة (مِنْ 1970 حتَّـى اندلاع المُواجَهة مَع القُوي اليمينيَّة المُسَلَّحَة التي استهدَفَت الثَّورة في أيار 1973) عبـر روايَة "البُكاء على صَدر الحبيب؛ ثُمَّ الجُزء الذي تُغَطِّيْه روايَة "الآتي من المسافات" من تَاريْخِ الحِقْبَةِ اللُّبَنَانِيَّة، الذي يبدأ من لحظَة اندلاع الحرب اللبنانيَّة الدَّاخِلِيَّة في منتصَف أبريل 1975، ويَسَتَمرُّ، حتَّـى لَحْظَة تبلور مسَعًى عربيٍّ لوقف الحرب في نَحو الربْعِ الأوَّل من 1977.
***
تعتَنِقُ "دَهْرِيَّةُ" المفهومَ التَّحرُّريَّ الوطَنيَّ ذا التَّوجُّهِ الاشتراكيِّ المُؤَسَّس على وَعْيٍ طبَقيٍّ، وتُطَالِبُ بتعميقِ الوَحدة الوطنيَّةِ الفلسطينيَّة وترسيخها، وتدعُو إلى عدم التَّقَاعُس عَن التَّصدّي الفَوريِّ للنِّظام الأردنيِّ؛ لِأنَّ الصِّدامَ مَعَهُ حتْميٌّ مَهْما أُجِّلَ اندلاعُهُ، و"ما دام الصِّدامُ حتميًّا، فلماذا لا نبدأه نحن؟!"(ص168).
ولَم تكتِفِ "دَهْرِيَّة" بِقَولِها لأفرادٍ مِنَ القيادة: "إنّكم لا تَتَوجَّهُونَ إلى الميليشيا بِشَكْلٍ جَدِّيٍّ" وأنَّ ثمّةَ تجاهلًا في (صُفُوفِكُم) ... لدورها"(ص 95)، ولا بنَقْدِهَا الصَّريْح لتناقُض أقوالهم مَع أفعالِهم إِذْ هم: "يتَحَدَّثُون عن تسليح الجماهير وتعبئتها"، فيما هي لا ترى "أيَّ مخطّطٍ جادٍّ لتسليح هذه الجماهير وتعبئتها"(ص 142)، وإنَّمَا قَادَت حَمْلةَ تحريضٍ تُحَفِّزُ النَّاسَ على التَّسَلُّحِ وتدْفَعُهُم إلى مطالبة القيادةِ بتزويدِهِم بالسِّلاح، وسَعَتْ إلى مُقابلة القائدِ المَعْنِـيِّ، ولَكنَّ التَّسويف والمماطلة لم يُمَكِّنَاها من مقابلته، فاقتحمت عليه المكانَ الذي عَلِمَتْ بِوجوده فيه، فَوجدتْهُ نائمًا، فَأيْقَظَتْه، لِتَحْصُلَ منه على السِّلاح.
وتُطَالِبُ "دَهرِيَّةُ" بمشاركة المرأةِ مُشاركَةً فِعْليَّةً، وفعَّالَةً، في القتال، كالرَّجُلِ تَمامًا: "قلت إمَّا أنْ نكون فاعلات في الثَّورة أو لا نكون"(ص 69)، وتقولُ مؤكِّدةً رؤيتَهَا الرَّافِضَةَ أيَّ تمييزٍ بين الرِّجالِ والنِّسَاء: "أرفضُ أنْ يكون ثمّة تمييـزٌ في هذه الثَّورة بين الرجال والنساء، في فيتنام لا يميّـزون، وفي كوبا لم يميّـزوا، وحتى في الجزائر لم يكن ثمّة تمييز"(ص 101).
ومُتابَعةً لِسَعْيِها للتَّخَلُّص مِنَ العادات والتَّقَالِيْد البالية التـي لَم تَكُفَّ عنِ الدَّعوة إلى التَّحرّر من قيودها الخانقة، تهبطُ "دَهْرِيَّةُ" الأغوار بعد معركة الكرامة، لتكون "أول فتاة يرونها تلبس "البلوجينز وكوفية حمراء حول عنقها"(ص 60). وحين ينْتَقِدُ قِياديٌّ ذهابها إلى مواقع الثَّورة في الأغوار واختلاطها بالمقاتلين، بدعوى أنَّهُم شَبابٌ يعيشون عُقَدًا معيّنة قد تُسَبِّبُ مشاكلَ للقيادة، وإحراجاتٍ لَهَا، تَقُولُ نَاقِدةً نَقدَهُ: "لستُ ذاهبة إليهم بفستان سهرة، بل بِبُنْدِقِيَّةٍ وحُلْمٍ في يَدِي"(ص 100). وردًّا على انتقادِ إمعانِهَا في التَّفكيـر وتوجيه النَّقد للقيادة، تقولُ سَاخرةً، وناقدةً سَعيَ هذه القيادة إلى كبْحِ التَّفْكيـرِ، ومن ثَمَّ، وَقْف مُمَارسَة النَّقد: "طبعًا، فالتَّفكير ليس من اختصاص الحريم"(ص 114).
أَمَّا أبو خليل، وهو شيْخُ الْمُقاتلينَ النَّاقدينَ في روايَة " البكاء على صدر الحبيب"، فَقدِ اتَّسَمَ بسماحَة الوجْه وعذوبَة اللِّسَان، وظَلَّ "يُقاتلُ وهُوَ يبتسِم"، و"لَمْ يَحتِقَر مُعْتَقدَ أحَدٍ .. ولكنه كان يقول: يجب منع كتب أبو زيد الهلالي، والكتب التَّافهة التي تُرْسَلُ إلى القواعد."(ص 28). وتأسيسًا على تَوجُّهِه الرَّؤُيَويِّ هذا، وأخذًا بالموقِفِ العَمَلِيِّ الذي يُملِيْه، "رفَضَ (أبو خليل) كُتُبَ سيد قطب ومصطفى محمود"(ص 28)، ورفض التَّزوير والتَّوظيف السِّياسيّ للدِّين، ووقف في وجْهِ صُنَّاعِهِمَا، صارخًا في وجه القيادة: "أنتم تستغلون الدِّين وتحرمون المقاتلين من الثَّقافة الصَّحيحة"(ص 28).
أمَّا زِيَادُ، البطلُ الروائيُّ المأزوم، مِثْلَ آخرينَ غيـره من شخصيّات الرِّوَايَة، فَتَرْجِعُ مُسَبِّبَات القَلَقِ الدَّائم الذي يُلازمُهُ إلى تراكمِ مؤشِّراتٍ تُنْبِـئ بارتدادِ الثَّورة عنْ نهجِها، وتَخَلِّيْهَا عنْ ثوابِتِ مقاصِدِهَا، وذَلِكَ جرَّاء تَخبُّطِ قيادتها؛ وعيًا، ونَهجًا، وسُلُوكًا، وعلى نَحوٍ خرَّبَ أحوالَ الثَّورة، وأنهكتها، وشرع في إجهاضها، وإِهْلَاكِهَا.
ويبدو أنَّ جُعْبَتَهُ " تكاد لا تكفي لاحتواء ما يَمُورُ في عقلهِ اليقظِ، وفي أغوارِ وِجْدانِهِ الثَّوريِّ، من انتقاداتٍ هائلةٍ لهذه القيادة، يَخْتَصِرُهَا قولُه: "كأنني في مسرحٍ لا معقول: تَحَوَّلَتِ المكاتبُ إلى حالةٍ من الحزن والفوضى وما لست أدريه ... لن أحدثك عن السَّرقات .. لن أخبـرك كيف أنَّ اللُّصوص يسرقون عينك ولا من يردعهم"(ص 24).
أمَّا أفرادُ القيادةِ، كما يراهم "زياد" وعَلَى نَحوِ مَا يوصِّفهم؛ فإنَّهم يملكون "المال ... ومعهم أيضًا السِّلاح .. ومعهم أيضًا الَّذين يدعمونهم ... كلُّ واحدٍ منهم وله دولةٌ تدعمه وتحافظ على وجوده فوق ... والذين ادَّعُوا أنهم سَيُغَيِّرُونَ ثبت أنهم أكذب من الذين سبقوهم .. الذين جاءوا متأخرين، فلعبوا بالشِّعارات التَّغْيِيريَّة وادَّعوا المُعَلَّمِيَّة - سَكَتُوا حينَ وَصَلُوا .. صعدوا ثم استقرُّوا بما فيهم"(ص 21).
وكي يَتَمكَّنَ من إفراغ ما احتوتْهُ جُعْبَتُهُ من نَقْدٍ لاذعٍ، ومِنَ التقاطِ مَا لَم تسعْ هذه الجُعْبَةُ لاحتوائِهِ منه، يُفَكِّرُ زياد في كتابة رواية، أو مسرحية، تَسْردُ حكايته مع نفسه، ومع الحياة، والحُبّ، والنَّاس، والوطنِ المَسْلُوبِ، والثَّورة المُجْهَضَة. بِحيثُ ترتكز الرِّوَايَة أو المسرحيَّة، المُزْمَعُ إبداعُهَا مِنْ قِبَلِهِ، على اسْتِلْهَام أسطورتي: "داوود وعين جالوت"، و"سُقُوط أريحا"، لإقامَة سلسلة تَوازياتٍ دالَّةٍ، أبرزُها موازاةُ الملكِ الطَّاغِيَة "جالوت" بِقَائِد القِيَادةِ "الَّتـي تحيا حياةً لا يحياهَا وزراء" (ص 28)، والسُّور الخارجيِّ الذي أمر الطَّاغِيَة "جالوتُ" ببنائِه حَول أريحا بالأسوار التـي تحيطُ بِهَا "القيادة" نفسَها، وكذا مُوازاةُ نفسه، وأمثاله من المثقَّفينَ الثَّوريينَ، بالشَّاعرِ الذي تَصدَّى، بِمؤَازرة حبيبتْه "رحاب"، لذلِك الطَاغِيَة المَغْرورِ بِضَخامَتِه، والمأخُوذِ بِفَرْدِيَّتِه وتَضَخُّم أَنَوِيَّتِه.
أَمَّا "غالي"، المَسْكونُ، كَمَا "زياد"، بقَرِفٍ وامْتَعَاضٍ من الحَال المُزْري الَّذي آلت الثُّورةُ الفلسطينيَّة إليه، والتَّوَّاق إلى استعادة الوطنِ عبـر إنهاضِ الحياة في هذه الثَّورة بتخليصها من التَّخليطِ والتَّخَبُّطِ والسُّقْم والقَتَامة؛ فَيُقرِّرُ، تحت وطْأَةِ القَرَفِ والامتعاضِ والْعَجزِ عن إحداثِ أي تغييـرٍ، الرَّحيلَ على ظهر باخرةٍ بحثًا عن مستقرٍّ جديدٍ في عالمٍ جديد. وفي المسافة ما بينَ رحيْلِه وعودتِه إلى "مُخَيَّم اليرموك" لِيَبْدأَ مِنْ جديد، تتأَطَّرُ مراحِلُ التَّجْرِبَة الفاشِلَة التـي خاضَها قبْلَ الرحيلِ وأثْنَاءَهُ، ويَتبَدَّى انغلاقُ البدايَة الجديدة التـي أرادهَا؛ إذْ وجد نفسه، فور عِلْمِ القيادة بعودته، مُتَّهَمًا مِنْ قبلِها بـ"الاختلاس"، ومُنْشَغلًا في تجميْعِ ما لديه من وثائقَ ومستنداتٍ يَحْتَاجُ إبْرَازَهَا؛ لِيُؤَكِّدَ براءته من هذه التُّهمة المُشِيْنَة.
والحَقُّ أنْ "غالي" لَمْ يَكُنْ قدِ انتَقَد "قِيادةَ الثَّورة"، انتقادًا قَولِيًّا، وعلى مدى الروايَّة، إلَّا في رِسالَةٍ قَصيرةٍ كانَ قَد تركها إلى "زياد" قبل سَفَرِهِ مُبَـرِّرًا قرارَهُ بالرَّحيل: "لست جبانًا يا صديقي، ولكنّني قرفت، ولا أستطيع أن أغيـّر شيئًا: إنَّهم يمتلكون المال والسِّلاح. سيظلُّ الحلم في قلوبنا، ولكن ليس هذا ما كنا نريد"(ص 16). وفي الرِّسالة التي يُخْبِـِرُ فيها زيادًا بِعودِتِه، يُؤَكِّدُ "غالي" أنَّ الأشياء البغيضةَ التي هربَ مِنْهَا لِعَجْزه عنْ تغييرهَا لَم تزلْ على حالها، وأنَّ شيئًا لَم يَتغيَّـر، فـ: "العالم هو العالم، وكلّ الأشياء متشابهة، وسقيم هذا الكون"(ص 15)، ومَع هذا، لَم يَكُن لَهُ أنْ يَسْلَمَ من "انتقام القيادة"!
وفي روايَة "الآتي مِنَ المسافات" تشير الرِّوائيَّة/ الرَّاوِيَةُ إلى أنَّ القيادة المشتركة للثَّورة الفِلَسْطِينيّة والحركة الوطنيّة للبنانيّة، قد بدأتْ في اتخاذ قراراتٍ وسَطِيَّةٍ كَرِهَها المُقاتِلُونَ؛ لِأنَّها "تَأخُذُ الأمورَ إلى الخَلْف"، فَرَفَضُوهَا، وشرعُوا يُوَجِّهُون انتقاداتهم للقيادة، وهم يقاتلون. وتَأكيدًا لإشارتِها هذه، تَجْعَلُنُا الروائيَّةُ/ الرَّاوِيَةُ نُصْغي إلى محاورةٍ وامِضَةٍ تدورُ بين "أبو عمر" وابنه المُقَاتِل "إبراهيِم"، ولكنَّها لا تَخلُو منْ تَدخُّلِهَا (لاحظ عبارتها: "ويُوافِق أبو عمر") :
"- هل حرَّرتم موقعًا
- أجل ولكننا لن نسمح بقرار وقف إطلاق النَّار أن يعيدنا إلى الخلف.
- ويوافق أبو عمر.. هذا حقكم، تحررون المواقع بالدَّم وعليكم أن تتمسَّكوا فيها بالدَّم
- كم نكره تلك القرارات..."(ص 31).
وفي ومْضَةٍ نَقدِيَّةٍ ثانيَّة، تَحْضُر "بنت الحاج ديب" في نِهايَةِ الروايَة الَّتـي لَمْ يُسَـجَّل لَهَا حُضورٌ فيْها، لِتَقول لأبي عُمَر: "كل شيءٍ سينتهي، الدَّم سيغسله مطرُ الشِّتاء القادم، والمدافن سَتَتَوَزَّعُ في مداخل المدينة، وسَتُنْتَزَعُ بقايا الأشباح عن الجدران والواجهات؛ لتعودَ نظيفةً لامعةً كما في السَّابق. وسَتَغْتَسِلُ الوجوهُ المتعبةُ بالعرق والصَّمت، وسَتَنْتَهـي الحَدُّوتَةُ بعناقٍ باردٍ فوق الجسر الممتدّ أعلى المدافن"(ص 171).
(انتهى)

