كل الحروب أيا كانت هي ليست من أسواق سلاح لا مبادئ وأيا كان المتحاربين فهم ليسوا أكثر من مستهلكي منتجات مصانع الاسلحة ولعل الغباء العجيب الذي يصيب المتحاربين وهم يدفعون ثمن السلاح ليموتوا به هو أعجب وأغرب غباء، يمكن أن يعرفه التاريخ فهم يصوغون الشعارات ويدبجون اليافطات لأفكار ومبادئ ومعتقدات لا هدف لها على الإطلاق سوى تسويق الأسلحة وقتل المستهلكين الصغار للمبادئ والسلاح، فالذين يتمترسون خلف شعارات غوغائية عنصرية لا تقبل الآخر أيا كان ويسعون للحصول على منتجات الموت من السلاح للتخلص من الآخر المعتقد جسديا، لا ينتمون إلى العقل بصلة على الإطلاق؛ فالطرفان يقتلون بعضهم على فكرة دون أن يستخدموا عقولهم بالسؤال... لماذا نحن من يموت ولا يموت...؟ لماذا لا تذهب الصراعات حول مصانع الأسلحة نفسها...؟ لماذا نستورد نحن السلاح وندفع ثمنه من قوت أطفالنا لنقتلهم به بدل أن نصنع لهم حياة من الرفاهية والتسامح والغد الجميل؟
بلغت تكاليف الحرب في سوريا حوالي 1.5 تريليون دولار؛ دفعها الشعب السوري من قوت أطفاله ليحقق ليدافع عن مهووسين بشعارات كذابه عن الديمقراطية الامريكية والغربية؛ عبر صناعة الموت بسلاحهم، وقد دفعت الدول العربية الغنية ثمن هذا السلاح إلى جانب الشعب السوري ليحصدوا عدد من القتلى يقترب من نصف مليون إنسان وحوالي 15 مليون لاجئ ونازح ومهجر داخل وخارج سوريا وافقار لسوريا التي كانت ما يميزها عن غيرها من دول العرب أنها الدولة الوحيدة التي تملك ميزانية دائنة لتصبح بلا ميزانية إن جاز التعبير.
حرب اليمن التي دمرت اليمن وتكاد تفقر السعودية وهي تدفع يوميا ثمن السلاح للدول الغربية، لتقتل به أبناء اليمن والعكس صحيح؛ فإلى جانب الخسائر البشرية الهائلة في أوساط السعوديين واليمنيين، فإن بعض الاحصائيات تقول أن التكلفة المادية على السعودية تصل إلى 175 مليون دولار شهريا، بينما تقول تقارير سعودية أن تكلفة الطائرات فقط تصل إلى 230 مليون دولار شهريا، أي إنها أنفقت فقط في مجال الطيران، وحسب الجزيرة نت " فإن تكلفة الطائرات المشاركة بالحرب تصل إلى نحو 230 مليون دولار شهريا، تشمل التشغيل والذخائر والصيانة، أي أكثر من ثمانية مليارات دولار في ثلاث سنوات فقط"، وفي غالبيتها المطلقة تذهب إلى صناديق صانعي السلاح في دول الغرب وفي المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية.
في الحرب العراقية الإيرانية تصل ضحايا الطرفين حوالي مليوني شخص قتلوا في حرب عبثية، قال عنها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين؛ إنها كانت فتنة لا أكثر، ولكن بعد خراب روما بينما بلغت الخسائر المادية للطرفين حوالي 400 مليار دولار. وإذا أضيفت إلى هذه الخسائر، فيما يخص العراق حربي الخليج الأولى والثانية؛ فإن الاندبندنت ذكرت حسب مصدر رسمي عربي موثوق قدر التكلفة المباشرة لحرب الخليج وقتها، "فإنها بلغت 620 مليار دولار (بسعر صرف الدولار وقتها). وإذا أخذنا في الاعتبار متوسط التضخم في سعر صرف العملة عن 2.29% سنويا، كما تعتمده أغلب المؤسسات الدولية؛ يكون المبلغ بسعر صرف الدولار في 2018 نحو تريليون و140 مليار دولار"، وفقا لـ"التقرير الاقتصادي العربي" لعام 1991 الصادر عن صندوق النقد العربي والجامعة العربية ومنظمة الدول العربية المصدرة للبترول (أوابك ).
ضحايا وضحايا وخسائر بلا نهاية وحروب تدور رحاها فقط في الشرق الأوسط وإفريقيا وجزء من أسيا وأمريكا اللاتينية، بينما تنعم الدول المنتجة للسلاح بكل السلام الممكن، وفي حين يغيب الفقر والجوع عن الدول المنتجة للسلاح ينتشر بلا توقف في البلدان الأخرى؛ فالحرب في ليبيا لم تتوقف دون أن تدري لماذا وكذا اليمن وسوريا والفوضى؛ تجتاح العراق و السودان ولبنان وأسواق السلاح ومبيعات الأسلحة تتزايد باضطراد، فحسب روسيا اليوم، فقد "سجلت دول الشرق الأوسط أكبر زيادة في واردات الأسلحة بارتفاع نسبته 25% في الفترة بين عامي 2016 و2020 مقارنة بالفترة بين 2011 و2015". وتعتبر الولايات المتحدة وروسيا أكبر الدول المصدرة للأسلحة في العالم، تليها فرنسا وألمانيا والصين وبريطانيا على التوالي، وفي العام 2014 اشترت السعودية وحدها بما قيمته 80 مليار دولار من الأسلحة، بينما تقدر قيمة مشتريات الأسلحة غير الشرعية سنويا بحوالي 60 مليار دولار، وهي الأسلحة التي يتم نقلها إلى التنظيمات غير الشرعية حول العالم مثل داعش والقاعدة وما سواهما.
لن تنتهي الاحصائيات حول التريليونات التي صرفت على صناعة وتجارة الأسلحة حول العالم، ولكن الأخطر أنه لم ينتهِ ولا أحد يريد له أن ينتهي صناعة العنصرية والتطرف التي تسوق السلاح ومنتجات الموت؛ ففي حين تتحدث الولايات المتحدة عن الديمقراطية والسلام وحقوق الإنسان تمارس على الأرض تشجيع بشع لكل صنوف العداء بين الشعوب والدول والقوميات والأديان والطوائف والهدف بكل بساطة؛ مزيد من بيع السلاح ومزيد من ضحايا الموت البشع.
إن المطلوب اليوم صحوة الفقراء والمستضعفين ليقفوا معا في وجه حفنة من اللصوص والقتلة، الذين لا هم لهم سوى صناعة العداء لبيع السلاح، دون أن يعني الموت لبني البشر من الفقراء شيئا لهم على الإطلاق. والغريب في الأمر أن الفقراء لا يسألون وهم يقبضون ثمن موتهم عبر انخراطهم مدفوع الأجر في هذه الحروب، بينما يبكي من يدفع لهم للموت؛ أنه لا يملك القدرة على أن يدفع لهم للحياة، كمفارقة عجيبة تغيب فقط عمن تحولت العصبية والعنصرية واعتقادات العداء أفيون حقيقي؛ تجعلهم يفقدون الوعي ويصبحون عبيدا لأسياد الموت عبر العالم.
يقول دبلوماسيون من الأمم المتحدة أن "كلفة تحقيق الأهداف الواردة في الخطة الطموحة التي أقرتها الأحد للقضاء على الفقر المدقع في العالم بحلول العام 2030 بما لا يقل عن 3500 مليار دولار سنوياً"، ويكفي أن نعرف أن صفقة الأسلحة الخاصة بالسعودية دون سواها مع ترامب عام 2017 كانت بقيمة 350 مليار دولار، ولمراقب أن يتخيل حجم هذه التجارة وقدرة البشرية لو ألغتها على أن تفعل العجب بإلغاء الفقر وصناعة الرفاهية لبني البشر بلا تمييز.
في مقدمة فيلم "Lord of War" الذي عُرض عام 2005، تَحدَّث بطل الفيلم نيكولاس كيدج، قائلاً: "أكثر من 550 مليون قطعة سلاح ناري متداولة في جميع أنحاء العالم، أيْ سلاح ناري واحد لكل 12 شخصا على هذا الكوكب. السؤال الوحيد هو: كيف نسلّح الـ11 الآخرين؟". وفعلا هذا هو السؤال الموضوع على طاولة حفنة القتلة من صانعي ومروجي السلاح، لكنه غائب عن عقول المستهلكين من الفقراء والمهمشين والأغبياء الذين يقتلون أنفسهم بثمن خبزهم.

