يتأسس العنف كعامل عضوي في بنية النظام الفاشي، وقد ذكرنا سابقا أن الفاشية في صراعها ضد القوى الأخرى لا تهدف إلى تحقيق (مجرد) النصر، وإنما إلى تدمير الخصم وإنهاء وجوده، من هنا تنطبع الفاشية بالعنف القياسي المدمر، الذي يعني في حالة الفرد قتل الخصم ولكنه في حالة المجموع يعني الإبادة الجماعية، هذه الإبادة قد تعني الإفناء الكامل الجسدي أو الإبادة المعنوية.
في النظام الفاشي رغم أن العنف جزء من بنية إلا أنه يتمظهر منفلتا من كل عقال، وهكذا بناء على تحليل حنة آرندت فان «العنف مهما كانت درجة الرقابة التي يخضع لها فانه يتمتع بدرجة معينة من الانفلات عن رقابة وسيطرة من يمارسونه، والواقع أن رقابة كلية مستحيلة» حتى انه يفاجئ هؤلاء الذين يخططون له ويديرونه ويمارسونه، مما يدفعهم لمحاولة يائسة لضبطه، عبر أطر قانونية غاية في الإحكام، ولكنها خاوية مضموناً وتفتقر كليا إلى ضمير العدالة فيحول تحقيقاتها ومحاكماتها إلى مهزلة كما هو وضع المحاكمات الإسرائيلية الشكلية للقتلة ومرتكبي المجازر من مستوطنين وجنود وضباط هذه المحاكمات تنتهي عادة إلى استخلاص يكاد يكون واضحا في جميع الحالات مفاده أن مرتكبي المجازر إما مجانين أو يعانون من اضطرابات نفسية، ما لم تقله هذه الاستخلاصات هو لماذا ينصب جنون هؤلاء ولا تتفجر نوباتهم الهستيرية إلا ضد المواطنين الفلسطينيين؟! لأن قتل الفلسطينيين ببساطة هو جزء من الايدلوجية التي تحكم مواطني الدولة الصهيونية بما فيهم المجانين، الذين يعرفون تماما أن «العربي الجيد هو العربي الميت».
يقول سارتر في المقدمة التي كتبها لفرانز فانون «أن قتل أوربي عمل هو عبارة عن إصابة عصفورين بحجر واحد، حيث أن الأمر يسفر عن إزاحة مضطهد (بكسر الهاء) ومضطهد (بفتحها) في الوقت عينه حيث يتبقى لدينا رجل حر ومستعمر ميت» في الحقيقة نستطيع صياغة الكلمات السابقة بلغة أقرب ففي الايدلوجيا الصهيونية «قتل عربي عمل هو عبارة عن إصابة عصفورين بحجر واحد، إزالة (غوييم) وتكريس صهيوني حق، فما يتبقى لدينا هو (غوييم ) ميت وصهيوني حر».
فالفاشية عبر العنف المطلق الذي تنتجه تخلق نموذجا جديدا من القتلة، راشدون لا سبيل إلى دحض ذريعتهم الفلسفية التي تستخدم لكل شيء حتى لتحويل القتلة إلى قضاة على حد تعبير كامو، لا شك أن خليط العدوانية القومية واتخاذ دور الضحية في نفس الوقت ينتج مستوى من العنف داخل المجتمع الإسرائيلي من الصعب قياسه من الخارج، ولكن يكفي الاستماع إلى ما يذاع من جلسات الكنيست لتعرف ذلك، أحد أعضاء الكنيست صرح أن زملاؤه العرب سوف يقفون أمام فرقة تنفيذ الإعدام رميا بالرصاص أمام تصريحات من هذا النوع لممثلي الجمهور، يصبح عاديا جدا أن يطلق الجنود النار على الشبان العرب المتظاهرين ويقومون بقتلهم ببرود وبطلقة في الرأس كما حصل في أكتوبر 2000، وكما تمارس يوميا عصابات كلاينر ومارزال الفاشية، فالمواطنون المعتادون يتعقبون خطى قادتهم.
يتبدى عنف الصهيونية ممأسسا بشكل كبير ولعل التخلي الأبرز له هو في عنف الجيش وعنف الشرطة وإذا كان عنف الجيش ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967 صار معروفا جدا فان عنف الشرطة داخل إسرائيل يقدم وثيقة لا يمكن دحضها عن الفاشية في وجهها البوليسي القبيح.
وتعول المؤسسة الحاكمة على جهاز الشرطة الإسرائيلية بشكل كبير في قمع وضبط واستمرارية الرعب في الأقلية العربية داخل إسرائيل وليس غريبا أن المجلس الإسرائيلي للأمن القومي أوصى بتغيير قانون الخدمة الأمنية بحيث يتم الاعتراف رسميا بالشرطة كجسم يعمل في المجال الأمني وليس فقط في مهمات الشرطة الكلاسيكية مما يعني أن الشباب في جيل الخدمة العسكرية بامكانهم التجند للشرطة والعمل في مختلف الوظائف فيها.وتظهر هذه التوصية في الوثيقة التي يعدها مجلس الأمن القومي بالتعاون مع شعبة التخطيط في الجيش والشرطة.
بدون أدنى شك إن نقل الشرطة من مجال الخدمة المدنية للمجتمع إلى مجال العسكرة يمثل خطوة أساسية في الانتقال إلى نظام القمع العسكري الصارم، يعزز هذا المهمات المنوطة بهذا الجهاز وهي مشاركة الجيش في مهمات أمنية جارية، ومكافحة الإرهاب وإحباط عمليات.
فيما يلي سنحلل أمثلة مباشرة على عنف الشرطة الإسرائيلية وكيف أن هذا العنف هو ممأسس وبنيوي وليس مجرد شطحات عابرة، وطبعا يجب أن يتذكر القارئ دائما إن ما يدرس هنا ليس سجلا رصديا وإنما هو نموذج للتحليل لا أكثر لأن الرصد والتوثيق ليس من مهمات هذا العمل من جهة ولأن العملية تحتاج إلى مجلدات ضخمة لرصدها.

