ربما ليس هناك كلمة مثيرة للاستفزاز لدى عموم الفلسطينيين أكثر من كلمة "المصالحة"، فالمصطلح الذي تصدر أخبارهم خلال السنوات الأخيرة، تتعطل فعليًا حياتهم رهنًا به، سواء على الصعيد الفردي أو على المستوى الوطني العام.
مئات اللقاءات وعشرات الاتفاقيات والتفاهمات تم الإعلان عنها خلال السنوات الأخيرة وتعهدت جميعها بإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، لم تعرف طريقها للتطبيق، وغالبًا ما كان فشل كل جولة منها عنوان لتصعيد جديد في حالة الانقسام الفلسطيني، وبينما انتقل الوسط السياسي الفلسطيني ومحللوه وملحقاته من إعلام وكتاب وما شابه من وعد الجمهور الفلسطيني بالمصالحة، إلى ترداد لازمة التشاؤم الموحدة بأن الانقسام قد تجذر وأصبح له بنى ولا أمل في استعادة الوحدة.
مما لا شك فيه أن هذه المعلومة صحيحة، ولكن توظيفها في إطار مقاربات للسياسة بمنطق الاستبشار والتطير والتشاؤم يلائم تمامًا دور ملحقات الحالة السياسية الفلسطينية، والتي تقوم بوظيفتها المثلى خلال السنوات الأخيرة؛ تحنيط السياسة من خلال النسخ المتكرر لمقولات جاهزة، بمعزل عن أي محاولة لتأصيل هذه المقولات أو إجراء الربط الضروري بين الواقع وما يكتب ويقال في الحيز السياسي.
فمن البداية كان اختيار مصطلح "المصالحة" تعبيرًا عن عمق الأزمة في تناول الوسط السياسي الفلسطيني لازمته، وكأن هناك اقتتال قبلي ستنتهي آثاره بمصالحة، في تجاوز فج لوجود مصير شعب ومشروعه التحرري على المحك، وتجاهل وجود عوامل حقيقية قادت ولا زالت تقود لتشظي البنية السياسية الفلسطينية ومعها كل ما هو مرتبط بها، وهو ما شكل فعليًا بيئة يتم فيها مناقشة كل شيء في الساحة الفلسطينية على أرضية مختلة وأيضًا متخيلة، صنعتها خيالات المصالحة، التي افترضت أن استعادة الوحدة هو إجراء تقني يكفي أن يتكفل بوضع المكونات المتصارعة في قالب واحد هو مؤسسات السلطة أو م. ت. ف ليصبح الفلسطينيين موحدين والجميع سعداء.
إن السؤال الأساسي فيما يتعلق باستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية ليس تقني إطلاقًا، ولكن دائمًا ما كان سياسيًا و بامتياز، يتعلق بعناوين أساسية أهمها الرؤية السياسية الوطنية لمواجهة الاحتلال وهزيمته وصولا لتحرير الأرض وعودة اللاجئين، وبوظيفة جهاز السلطة محدودة الصلاحيات ضمن هذه الرؤية، وكذلك وظيفة أجسام التمثيل الوطني وعلى رأسها م. ت. ف التي يجب أن تتجاوز محاولة حصرها في تمثيل الفلسطينيين أو جمعهم في محفل واحد، وصولًا للدور الواجب لأي مؤسسة قيادية لحركة تحرر وطني وهو أداء وظيفة صنع القرار المعبر عن الإرادة الشعبية، وأن تكون ارضية لبناء المواقف والرؤى والاستراتيجيات المشتركة والعمل على ضمان تنفيذها من خلال توفير الموارد لذلك.
التفرد القيادي وغياب الرؤية السياسية للكفاح ضد المحتل أو لبناء الأدوات الفلسطينية اللازمة لهذا الكفاح وتوفير موارد وعوامل صمودها، لن يعالج بتوقيع المزيد من اتفاقيات المصالحة وتوحيد الوزارات، وحتى صندوق الاقتراع- على أهميته واهمية استعادة أبسط ملامح الممارسة الديمقراطية - لن يتكفل بذلك، على الأقل حتى تكون هذه العناوين جزءًا من بحث جاد عنوانه الأساسي كيفية هزيمة الاحتلال واستعادة حرية شعبنا.

