Menu

الوطنُ العربيُّ من حلفِ بغدادَ القديمِ إلى حلفِ التطبيعِ الجديدِ: تاريخٌ حيٌّ وأهدافٌ ثابتةٌ وأشكالٌ متغيّرة

د . عابد الزريعي

نشر هذا المقال في العدد 31 من مجلة الهدف الإلكترونية

مقدّمة:

تمضي أحداثُ التطبيعِ ووقائعُهُ الجاريةُ والمتراكمةُ منذ سنوات، نحو تحوّلٍ نوعيٍّ يتّخذُ صيغةَ التموضع الصهيونيّ في أكثرَ من بلدٍ عربيّ، ويمكنُ أن نرصدَ ملامحَ هذا التموضع في اتفاقات إبراهام، وما رافقها وترتّب عليها من توقيع اتفاقيّات تعاونٍ شملت مختلِف النواحي السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والثقافيّة والتربويّة، بين البلدان المنخرطة في هذه الاتفاقيّات وإسرائيل. ويبدو أنّ المسألةَ لن تقتصر في مساراها على ما تمَّ إنجازُه، وإنّما ستمضي تجاهَ انخراط بلدانٍ عربيّةٍ أخرى في المسار ذاته؛ طوعًا أو كرهًا. السؤالُ الذي ينهضُ على هذا التصوّر الأوّليّ، هو هل تمضي عمليّةُ التموضع المشار إليها في شكلٍ خطيٍّ متواصل، أم ستفرز - بدورها - تحوّلًا نوعيًّا جديدًا، يتمثّلُ في بناء حلفٍ بين إسرائيلَ وهذه البلدان، بما يعنيه ذلك من انخراطٍ كليٍّ في استراتيجيّةٍ واحدة، بكلّ ما تتضمّنه من استعدادٍ مشتركٍ لمواجهة بلدانٍ أخرى؛ سواءً أكانت عربيّةً أو غيرَ عربيّة؟ وإذا مضت الأمورُ في هذا الاتّجاه، فما نوعُ هذا الحلف؟

إجابةً على هذا السؤال، نستطيعُ القول: إنّ المسار العام للأحداث، يمضي في هذا الاتجاه بخطًى متسارعة، لن يوقفها إلا مسارٌ مضادٌّ يمضي بخطواتٍ أسرعَ لإجهاضه وقطع الطريق عليه.

أوّلًا: تاريخٌ حيٌّ

يعودُ بنا الحديثُ عن الأحلاف إلى حلف بغداد، أشهر الأحلاف التي شهدتها المنطقةُ في الخمسينات من القرن الماضي. والمفارقةُ أنّ الصيغةَ التي يمكن أن تنشأ عن المسار المشار إليه، تشكّل في جوهرها على الأهداف ذاتها، التي انضوى عليها حلفُ بغداد، آخذين بعين الاعتبار المتغيّراتِ الحاصلةَ على مستوى العالم والمنطقة. فقد أُنشئ حلفُ بغدادَ بتاريخ 24 فبراير عام 1955، وضمّ كلًّا من: بريطانيا و العراق وتركيا وإيران والباكستان، واتّخذ من أنقرةَ مقرًّا له، وجعل من منطقة الخدمة، الشرق الأوسط وأوروبا، مجالًا لعمله حتى تاريخ إقفال ملفّه عام 1979. أمّا بالنسبة لأهدافه المحدّدة؛ فهي تنحصرُ في أربعة:

1ـــ حصارُ حركة التحرّر العربيّة التي كانت بؤرةُ توهّجِها تتركّزُ في منطقة القلب من خلال ثورة 23 يوليو. لذلك كان الضغطُ على منطقة قلب الوطن العربيّ يتوافقُ مع استراتيجيّةِ شدِّ الأطراف، التي انتهجتها إسرائيلُ في تلك الفترة، في محاولةٍ للضغط للإشغال من خلال بناء علاقاتٍ وطيدةٍ مع أطرافها، وهنا نفهمُ موقعُ إيران في ذلك التاريخ.

2ــ حمايةُ مصادرِ النفط في الخليج، ومنع الوصول إليها من قبل أيّة قوّةٍ أخرى، وقد أصبح ذلك هدفًا رئيسًا؛ خاصّةً بعد إعلان رئيس الوزراء الإيراني الدكتور مصدق تأميمَ شركة النفط الإيرانية في 15 اذار 1951، حيث تمّ الانقلابُ عليه بترتيبٍ من المخابرات الأمريكيّة، وإسقاطه نتيجةً لتلك الخطوة.

3ـــ مواجهةُ الاتّحاد السوفييتي، ومنعه من الوصول إلى المنطقة، وهنا يقومُ القوسُ الإيرانيّ التركيّ بدورٍ مركّب، حيت يتمُّ تشغيلُهُ أداةَ ضغطٍ على قلب الوطن العربيّ؛ انسجامًا مع التوجّه نحو حصار حركة التحرّر العربيّة؛ وأداةَ صدٍّ "للخطر الشيوعيّ" كما كانت تروّج أجهزةُ الدعاية الغربيّة. وفي هذه النقطة بالتحديد يتكشّفُ حلفُ بغدادَ - كصلة وصلٍ بين حلف شمال الأطلسيّ، وحلف جنوب شرقي آسيا - وكمتمّمٍ للطوق الذي ضربته الدولُ الغربيّة حول الاتّحاد السوفياتي.

4ــ حمايةُ أمنِ إسرائيلَ في المنطقة، وهو بيتُ القصيد، وفي هذا الصدد نرصدُ تصريحًا مهمًّا لوكيل وزارة الخارجيّة الأمريكيّة - آنذاك - يقول فيهِ حرفيًّا: إنّ حلفَ بغدادَ ينطوي على ضمانةٍ لإسرائيلَ، وإنّ سياستَنا تقومُ على خلق جهازٍ دفاعيٍّ عسكريٍّ في منطقة الشرق الأوسط، تكونُ فيه إسرائيلُ جنبًا إلى جنبٍ مع الدول العربيّة.

ومن الجليّ أنّ هذهِ الأهدافَ تتّسمُ بالانتظام والتساند بعضَها بعضًا بشكلٍ كبير، فوجودُ إسرائيلَ وأمنُها يشكّلان ضمانةً لتحقيق الهدف الأوّل والثاني، الذي يشكّل – بدوره - أحدَ مبرّرات وظيفتها ووجودها، بكلّ ما يحفّ بذلك من حفاظٍ على التجزئة والتبعيّة للمركز الإمبرياليّ بالنسبة للدول العربيّة من ناحية، وصدّ أيّة محاولةٍ من قبل قوًى دوليّةٍ للوصول إلى هذه المنطقة الحيويّة من ناحيةٍ ثانية.

ثانيًا: أهدافٌ ثابتة

تؤكّدُ إعادةُ قراءةِ الأهداف التي تأسّس عليها حلفُ بغدادَ، أنّها لم تتغيّر في جوهرها، وإنّما تغيّرت وتبدّلت الوقائعُ المرتبطةُ بها، وبالنتيجة تبدّل الشكلُ واحتفظت بالجوهر، المتمثّل في منع أيّة قوّةٍ من الوصول والتمركز في الإقليم، فإذا كان الاتّحادُ السوفييتي قد انهارَ، فقد نهضت روسيا والصين. وإذا كان عبدُ الناصر قد رحل واجهضت من بعده ثورةُ يوليو، فلا بدّ من أخذ الاحتياط لمنع توهّج أيّة جذوة، لا سيّما وأنّ قوى المقاومة والصدّ تتشكّل، وباتت تفعلُ وتؤثّرُ في الواقع، وإذا كان أحدُ أضلاع الحلف القديم "إيران"، قد أصبح في الموقع النقيض تمامًا، فلا بدّ من العمل على تطويعه وإعادته إلى موقعه أو كسره، إلى جانب ذلك يبقى النفطُ حاجةً وتبقى إسرائيلُ وظيفةً. ولكن في ظلّ متغيّرٍ دوليٍّ يتمثّلُ في ضرورة حشد القوى الإمبرياليّة في مواقعَ جغرافيّةٍ لمواجهة قوًى ناميةٍ جديدةٍ، مثل الصين، وهنا بالضبط يتعاظمُ دورُ إسرائيلَ الوظيفيّ في الإقليم. ومن أجل القيام بتلك الوظيفة في ظلّ المتغيّرات القائمة، تستعادُ صيغةُ تصريح الخارجيّة الأمريكيّة في الخمسينات بنصّه: "وأنّ سياستَنا تقومُ على خلق جهازٍ دفاعيٍّ عسكريٍّ في منطقة الشرق الأوسط، تكونُ فيهِ إسرائيلُ جنبًا إلى جنبٍ مع الدول العربيّة".

ثالثًا: أشكالٌ متغيّرة

أن تكونَ إسرائيلُ في حلفٍ عسكريٍّ جنبًا إلى جنبٍ مع الدول العربيّة، ذلك هو الجوهر، أمّا الشكلُ؛ فيتبدّى في صيغة هذه العلاقة، علمًا بأنّ إسرائيلَ لم تكن ممثلّةً بشكلٍ مباشرٍ في حلف بغداد، في حين أنّ المطلوبَ – الآن - أن تكونَ طرفًا مباشرًا في أيّة صيغةٍ مطروحةٍ للبناء. هذا أوّلًا، وثانيًا: أنّ حلفَ بغدادَ الذي اتّخذ شكلَ القوس الخارجيّ الضاغط على خاصرة الوطن العربيّ؛ لم يعد مطروحًا بهذه الصيغة، وإنّما بات المطلوبُ هو تشكيلٌ جديدٌ معاكس، أي التشكّل في منطقة القلب، والتصويب على الجوار الجغرافيّ، وتحديدًا إيران. إنّ شرط الاستجابة إلى هذين المتغيّرين يستدعي بالضرورة مسألتين متلازمتين هما:

1ــ الاشتغالُ على التفكيك البينيّ بين الدول العربيّة بعضها بعضًا، وفي داخل كلّ دولةٍ على أساسٍ مناطقيٍّ وجهويٍّ وعشائريّ.. إلخ، مع التركيز على البعد الطائفيّ، من أجل تسويغ مواجهة إيران عقائديًّا، ذلك أنّ الحديث عن التهديد الإيرانيّ وتدخّلها في المنطقة يبقى دون أثرٍ كبير، إذا لم يتمّ إسنادُهُ ببعدٍ عقائديٍّ يقوم على أساس صراعٍ سنيٍّ شيعيّ.

 2ــ الاشتغالُ على التطبيع مع إسرائيل، وتوسيع مجال التطبيع ليشملَ كلّ المستويات، بما يخلقُ الأرضيّةَ للتموضع في بلدانٍ مفكّكة، وتستشعرُ تهديدًا وهميًّا، بما يترتّب على ذلك من تسويغٍ للعلاقة معها، وهنا يتّسعُ المجالُ لاستقطاب مطبّعين من داخل الدول الممانعة من أجل خلق جمهور دعمٍ احتياطيٍّ لمسارات التطبيع الرئيسة.

وعلى ضوء اشتغال هذين العاملين، فإنّ بناءَ حلفٍ جديدٍ في المنطقة سيكونُ مختلفًا عن حلف بغداد، كونه يعتمدُ على البلدان التي مضت في طريق التطبيع أوّلًا، التي أُقنِعت بأنّ إيرانَ تمثّلُ خطرًا طائفيًّا أو سياسيًّا ثانيًا، وبالنتيجة سيكونُ مقرُّهُ ومرتكزُهُ في قلب الإقليم وليس على أطرافه، أمّا المسألةُ الأهمّ؛ فإنّ القوّةَ القائدةَ لهذا الحلف هي القوّةُ الأكثرُ تماسكًا وهي إسرائيلُ؛ الطرفُ الأكثرُ استفادةً من حلف بغدادَ على الرغم من أنّها لم تكن عضوًا فيه.

خاتمة:

ونختمُ بملاحظتين؛ أوّلُهما: أنّ حلفَ بغدادَ - وبقدر ما كان يمثّل سهمًا موجّهًا إلى قلب الأمّة العربيّة - فقد أدّى دورَ المحفّز لحركة التحرّر العربيّة؛ كي تستشعرَ الأخطار المحدقة بها، ولا ننسى أنّه كان أحدَ الأسباب الكامنة خلف ثورة 14 تموز 1958 في العراق. فهل تستشعرُ حركةُ التحرّر العربيّة في صيغتها المعصرة مخاطرَ التموضع الصهيونيّ، وما يتوافقُ معَهُ من تشكيل حلفٍ جديد؟

والملاحظةُ الثانيةُ تتعلّقُ بتصريح وكيل وزارة الخارجيّة الأمريكيّة الذي يبدو أنّه قد صيغ بلغة اللحظة التي نعيش؛ الأمرُ الذي قد يبعث على التشكيك في صحّته، فمن المفيد الإشارةُ إلى المصدر الذي وثّقه، وهو كتاب "عندما يتكّلم الشعب" الصادر عن دار العلم للملايين، بيروت عام 1958، للدكتور جورج حنا. وقد أخذ عنه ليث الزبيدي في كتابه ثورة 14 تموز 1958 في العراق، الصادر عن مكتبة اليقظة العربيّة ببغدادَ عام 1981، وهو في الأصل أطروحةٌ جامعيّةٌ مرموقة.