Menu

وثيقة مراجعة للنبش والتذكير والتعميم: الخطط الحربية الصهيونية التي قررت مصير فلسطين...!

نواف الزرو

نعود ونقول دائمًا للنبش والتذكير والتعميم وكي لا ننسى، لأن ما جرى في فلسطين  يجب أن لا يُطوى أو يُنسى، ولأننا في اشتباك وصراع مفتوح مع المشروع الصهيوني ومع الكيان حتى التحرير، ولأن القضية تحتاج دائمًا إلى نبش التاريخ وإلى توعية الأجيال بما جرى ويجري، فما جرى ويجري في المشهد الفلسطيني منذ ما قبل النكبة وخلالها وما بعدها وعلى مدار الساعة وحتى اللحظة الراهنة، وعلى امتداد فلسطين هو التطهير العرقي الصهيوني بكافة مضامينه الإجرامية، وهو أعلى وأخطر درجات الإجرام والعنصرية، وربما تخشى المؤسسة الصهيونية دائمًا في مقدمة ما تخشاه إثارة هذه القضية الخطيرة التي قال دوري غولد رئيس مركز القدس للشؤون العامة والدولة، والسفير السابق لدى الأمم المتحدة، والمدير العام الأسبق لوزارة الخارجية، في مقالٍ على موقع القناة الـ12 بالتلفزيون العبريّ-عن رأي اليوم- زهير اندراوس 2021/7/11 عنها "إنّ الفلسطينيين وأعضاء البرلمانات حول العالم الذين ينتقدون إسرائيل، يركزون في كل مرة على اتهامها بأنها تنفذ تطهيرًا عرقيًا ضد الفلسطينيين"، وأكّد أن عبارة "التطهير العرقي" جديدة نسبيًا، وتشمل القتل الجماعي والاغتصاب، وتشريد الناس من ديارهم على أساس أصلهم العرقي، وأوضح أن "بعض هذه الاتهامات تستند إلى الخطة العسكرية دالت التي نفذتها الهاغاناه، ورأى فريق من المؤرخين أنها تشكل مخططًا رئيسيًا لطرد الفلسطينيين". ويفتح غولد بهذا الاعتراف ملف التطهير العرقي الإجرامي ضد الفلسطينيين.

   وفي الحكاية الفلسطينية بمضامينها النكبوية، وفي هذه المضامين العنصرية التطهيرية الإبادية الممتدة، كان المؤرخ الإسرائيلي ايلان بابيه أكد "ارتكاب جرائم تطهير عرقي في فلسطين عام 1948 وفقًا لخطط مفصلة، وأن إسرائيل تواصل ذلك حتى اليوم بطرق مختلفة"، موضحا "أن فكرة التطهير العرقي ولدت مع نشوء الصهيونية، إلا أنها حولتها لخطط عندما بات اليهود يحتلون ثلث سكان البلاد، لافتًا إلى أن الخطط "ا"(1930) و"ب" (1946) و"ج" (1947) تتحدث عن ذلك، لكن الخطة "د" (1948) تحدد معالم خطة التطهير العرقي بوضوح وبشكل صريح". وشدد بابيه على "أن الحرب عام 48 استخدمت من قبل الصهيونية وسيلة لتطبيق خطة التطهير العرقي بخلاف أبحاث المؤرخين الإسرائيليين الجدد الذين اعتبروا أن التطهير جاء نتيجة للحرب"، وقامت الخطة على تطويق المدن والقرى العربية من ثلاث جهات وترك الجهة الرابعة مفتوحة لتمكين السكان من النزوح وإطلاق النار على المدنيين وهدم المنازل بالمتفجرات وسرقة الممتلكات بشكل منهجي"، كما تضمنت الخطة اقتراف مذابح ضد المدنيين في الأرياف الفلسطينية لإرهاب السكان ودفعهم على الهرب، لافتا إلى أن الصهيونية نفذت مجزرة في بعض القرى قبيل احتلال المدن الكبرى".

     ويبدو المشهد الماثل في هذه الأيام في فلسطين، في مدنها وقراها ومخيماتها وخربها وامكنتها المختلفة، وكأنه ذلك المشهد التدميري الذي عاشته فلسطين قبل نحو ثلاثة وسبعين عامًا... ذلك المشهد الذي لم يبقَ ولم يذر من الأرض والعرب شيئًا، إنه مشهد التطهير العرقي ...ما يعيدنا  بداية الى استحضار تلك الخطط التي عملوا بها ما قبل قيام دولتهم، فحسب الدكتور "ايلان بابيه" فقد وضعت الصهيونية خطة مكتوبة للتطهير العرقي في فلسطين قبل النكبة بسنوات تم تطويرها مع الوقت إلى أن تبلورت نهائيًا فيما يعرف بـ"الخطة- د"، ولكن وفي  سياق مخططها الاستراتيجي للسطو على فلسطين بغية إقامة الدولة الصهيونية، كانت الحركة الصهيونية –بتنظيماتها العسكرية الإرهابية العديدة آنذاك- قد تبنت ما أطلقوا عليها الخطة – ج- التي نصت بوضوح على ما ستشمل عليه الأعمال الإجرامية ضد  العرب من ضمن ما نصت عليه:

"قتل القيادات السياسية الفلسطينية. قتل المحرضين الفلسطينيين ومن يدعمونهم ماليا. قتل الفلسطينيين الذين يعملون ضد اليهود. قتل ضباط ومسؤولين كبار كانوا يعملون مع سلطات الانتداب. تخريب المواصلات الفلسطينية. تخريب موارد العيش الفلسطينية: آبار المياه، الطواحين ...الخ. مهاجمة القرى الفلسطينية المجاورة التي يحتمل أن تساعد في الهجمات في المستقبل. مهاجمة النوادي الفلسطينية، والمقاهي، وأماكن التجمع... الخ".

وبعدها عمدت الصهيونية الى تطوير الخطة-ج- وقامت بصياغة جديدة للخطة الاخيرة خلال أشهر قليلة أطلقت عليها الخطة -د- وهي الخطة التي قررت مصير العرب داخل المنطقة التي كان زعماء الحركة الصهيونية يتطلعون إلى إقامة دولتهم اليهودية المقبلة عليها.

وكما وثق لاحقًا، فمنذ الإعلان عن قرار التقسيم الصادر في 29 تشرين الثاني 1947، تم الإفراج عن الخطة "د" لوضعها موضع التنفيذ، بعد إقرارها – نهائيًا- من قبل قيادة الهاغانا في 10 آذار 1948، وكانت تقضي، كما اعترف الجنرال "يادين" في مقابلة مع صحيفة "حداشوت" في "كانون الأول 1985، بـ "تدمير القرى العربية المجاورة للمستعمرات اليهودية، وطرد سكانها".... أما "بن غوريون" فقد أصدر، كما هو مدون في يومياته، أمرًا في 19 كانون الأول 1947 يقضي بأن "كل هجوم يجب أن يكون ضربة قاضية تؤدي إلى تدمير البيوت وطرد سكانها"، واستجابة لهذا الأمر، وبعد أقل من أسبوعين، دعا الجنرال "يغال آلون" قائد البالماخ - فلوغوت ماحتس (كتائب السحق)، في الأمر اليومي الذي أصدره إلى حرب شاملة تحقق الإبادة الجماعية والتدمير الاقتصادي، إذ "من الصعب (كما ينص الأمر) تمييز الأعداء من غير الأعداء، ومن المستحيل تفادي قتل الأطفال"....

الى ذلك، لم تتوقف المخططات والنوايا الإبادية عند عام النكبة، بل هي مستمرة، فقد كشف قائد شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، ‏أهرون يريف، النقاب سنة 1973 إن هناك مخططات لاستغلال أول حرب قادمة وترحيل ما بين ‏‏600 ـ 700 مواطن عربي من الجليل والضفة الغربية إلى شرق الأردن. وهناك أكثر من رأي لدى ‏المؤرخين اليهود عن أن مجزرة كفر قاسم التي نفذت سنة 1956 إبان حرب السويس (المعروفة باسم ‏‏"العدوان الثلاثي على مصر")، استهدفت إرهاب فلسطينيي 48 وحملهم على الرحيل هم وبقية ‏فلسطينيي 48 في منطقة المثلث، ولكنها فشلت.‎

 وما بين الأمس.. أمس النكبة والتهجير والتهديم والمجازر، واليوم، بعد ثلاثة وسبعين عامًا وفي ظل صفقة القرن وما بعدها اليوم، ما زلنا نتابع البلدوزرات الصهيونية ذاتها كيف تواصل مهماتها التي لم تنجز من وجهة نظرهم في عام النكبة، ونتابع سياسات التطهير العرقي والمجازر الجماعية... ونتابع عمليات التهديم والتهجير المتواصلة التي يستكملون فيها سياسات التطهير العرقي المقترفة منذ النكبة...!

  فمن العراقيب في النقب العربي المحتل في اقصى الجنوب الفلسطيني التي قامت جرافات الاحتلال بهدمها حتى الآن 191 مرة وأعاد أهلها بناءها 191 مرة في معركة وجودية صريحة، مرورًا بيطا الخليلية التي لم تتوقف بلدوزرات التهديم والاستيطان عن العمل فيها، وصولاً إلى طانا الواقعة على مقربة من نابلس شمالي الضفة الغربية... تلك هي المساحة التي تتحرك فيها وعليها بلدوزرات الهدم والتدمير والتخريب والتهجير الصهيونية، بلا توقف أو كلل، فالهدف الكبير لديهم كان منذ ما قبل إقامة دولتهم، وما زال ساريًا إلى اليوم هو: هدم وتدمير وتنظيف الأرض من معالمها وأهلها وتمهيدها للتهويد الشامل بلا عرب...

يقف الفلسطينيون هناك، على امتداد مساحة فلسطين من بحرها إلى نهرها أمام تحد وجودي في مواجهة البلدوزرات الصهيونية، فليس في الأفق أي تسوية أو حل أو انسحاب صهيوني، وليس في الأفق أيضًا سوى الحروب مع المشروع الصهيوني...! وليس في الأفق كذلك أي دور أو تدخل عربي أو أممي.

ويبقى أن نأمل بأن تكون كافة القوى والفصائل الفلسطينية قد استخلصت العبر والاستخلاصات اللازمة.. فالوحدة الوطنية الفلسطينية هي الممر الاجباري نحو هزيمة المشروع الصهيوني والتحرير والاستقلال...!