Menu

رموز ودلالات عملية باب السلسلة في القدس القديمة

د . عابد الزريعي

عملية باب السلسلة في القدس القديمة عملية نوعية بكل المقاييس والدلالات، ومبعث ذلك مجموعة من الرموز والدلالات، يمكن الحدس بها من خلال التصريح المقتضب لرئيس الحكومة الإسرائيلية الذي قال حرفيًا: تعرضنا لعملية إطلاق نار قاسية، وجزء من القسوة التي يقصدها بينيت تتمثل في العملية بمعناها العسكري المجرد، ولكن الجزء الأهم يتمثل في المعاني التي هي أثقل على قادة الكيان بكثير من زخات الرصاص التي أطلقت على جنودهم. وهذه السطور مجرد محاولة لاستخلاص تلك المعاني والدلالات التي تتلخص في ستة:

أولًا/ دلالة التوقيت: تزامنت العملية مع ما تتعرض له مجموعات المقاومة المسلحة في مدينة جنين، من مضايقة ومطاردة من قبل أجهزة أمن السلطة، وفي سياق سياسة التنسيق الأمني. لتجيء عملية باب السلسلة لتقول بأن المقاومة لا يمكن حصرها وحصارها، فإن تعرضت للضغط في موقع فهي كالقدر تنهض واقفة في أكثر من موقع. كما جاءت على ذات الخط الزمني الممتد من معركة سيف القدس حتى اللحظة، وهو الخط الذي سطر عليه الشعب الفلسطيني عديد المعارك البطولية مع الاحتلال على المستويين العسكري والجماهيري، بما يعنيه ذلك أن ما كتب وقيل عن أن معركة سيف القدس قد فتحت أفقًا واعدًا أمام حركة التحرر الوطني الفلسطينية لم يكن مجرد تحليل وإنما استشراف دقيق.

ثانيًا/ دلالة التاريخ: أن تأتي العملية يوم 21 نوفمبر 2021، على بعد 96 عامًا من استشهاد الشيخ عزالدين القسام الذي استشهد بتاريخ 20 نوفمبر 1935، وأن يكون شهيدها الشيخ فادي أبو شخيدم. يعني أن خطًا نضاليًا تاريخيًا قد خطته خيارات عمر المختار الليبي، وعبد الكريم الخطابي المغربي، وعبد العزيز الثعالبي التونسي، وعبدالقادر الجزائري، والصادق المهدي السودان ي، وأحمد حنفي المصري الذي قاتل مع عز الدين القسام السوري واستشهد إلى جانبه في فلسطين. ليستمر هذا الخط وفيًا لخيارات أمته بعيدًا عن كل محاولات التزييف والتلطيخ، معبرًا إلى جانب كل القوى الحية عن إرادة الأمة في مقارعة قوى الاستعمار على طريق تحرير الأرض والقطع مع خط التبعية بكل تجليته، وتجسيد الإرادة الحرة والموحدة.

ثالثًا/ دلالة المكان: جاءت العملية في قلب مدينة القدس القديمة، بكل ما تحمله من معاني ورمزيات تاريخية ووجدانية، وبكل ما يتمحور حولها من صراع سياسي ومصيري، وفي اللحظة التي يتم العمل ليلًا نهارًا من أجل أخذها بعيدًا في مسار التهويد، وفي ظل التخطيط الجاري لفتح الأقصى أمام جماعة جبل الهيكل الصهيونية، لتصل مع معركة سيف القدس وتعلن القدس عاصمة فلسطين، والقدس خط أحمر.

رابعًا/ دلالة السياسة: أن تأتي عملية باب السلسلة بعد أيام قليلة من إدراج السلطات البريطانية ل حركة حماس على قائمة الإرهاب، وأن تكون حركة حماس وراء هذه العملية، فذلك يعني التأكيد على أن نضال الشعب الفلسطيني من أجل تقرير المصر، هو نضال شرعي يستمد شرعيته من حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وبالتالي فإن كل المحاولات التي تجري هنا وهناك لدمغ هذا النضال وصبغه بما يتنافى وهذه الحقيقة، لن تثني الشعب الفلسطيني عن طريقه.

خامسًا/ دلالة الأداء: وهي دلالة مركبة أولها تخفي المقاوم وتمويهه لذاته بملابس يهودي حريدي، الأمر الذي مكنه من الاقتراب إلى الحد الأدنى مع دوريات الاحتلال المنتشرة في شوارع المدينة، بكل ما في ذلك من قدرة على التمويه والاختراق. وثانيها خوض الاشتباك بالنار والسلاح الأبيض في ذات الوقت، بما يعنيه ذلك من شجاعة معنوية وإعداد وتدريب عالي المستوى. وثالثها الاعتماد على فرد واحد ليخوض الاشتباك، بما يتناسب والهدف ومسرح تنفيذ العملية والبيئة العامة للمدينة، بما يعنيه ذلك من تخفيض الكُلفة وتوفير الطاقات البشرية لسلسلة معارك قادمة، كل ذلك يضعنا أمام إمكانية الدخول في ترتيبات حرب عصابات المدن، وهي مسألة قابلة للتعميم على كل مدن فلسطين التاريخية، بما يفرضه ذلك من بناء وإعداد واستفادة أيضًا من تجارب الشعوب، خاصة أمريكيا اللاتينية.

سادسًا/ دلالة السلاح: تسلح أحد المقاومين برشاش كالو، وللكارلو معاني عميقة في الوجدان الفلسطيني، بدءًا من الكارلو ستاف السويدي الصنع، والذي تم تمصيره وأصبح يحمل اسم رشاش بورسعيد، وهو سلاح المجموعات الفدائية الأولى التي انطلقت من غزة في خمسينيات القرن الماضي، هذه المسألة تلعب دورًا هامًا في تحريك واستعادة الذاكرة التاريخية الوجدانية الكامنة في عمق الوعي الشعبي، بكل ما يترتب على ذلك من خلق حالة تدفق وتواصل واستمرارية نضالية وجدانية، بما تشكله من وسيلة تعبوية ناجعة على المستوى الجماهيري.

إن كل هذه الدلالات تنصهر في دلالة عامة جوهرها التأكيد عل تصعيد المقاومة في الضفة الغربية، بوصفها الامتداد الجغرافي والديمغرافي لمدن الداخل الفلسطيني المحتل، الاستمرار والإبداع النضالي والقطع مع مسار البؤس التسووي والأسلوي. لقد أمضى شهيدنا في القدس حياته بين دعوة وجهاد وتشهد له أرجاء المدينة وجنبات المسجد الأقصى، وها هو يرتقي اليوم بعد معركة بطولية جندل فيها قوات الاحتلال وأوقع فيهم قتلى وجرحى.