Menu

دوائر التنوير

د. يسرى عبد الله

لم يكن التنوير في أوروبا يسيرا ولا هينا، ولم تكن الخطوات التي قطعتها الأدبيات الفكرية والجمالية ترفا ولا زخرفا، لكنها كانت ضرورة حياتية ضمن أشواط التقدم الإنساني.

كانت الأثمان المدفوعة باهظة، ويمكننا أن نتذكر بمزيد من الإكبار في هذا المقام عالما مثل جاليليو جاليلى الذي سيق إلى المحاكمة مهانا مكبلا، وحكم عليه بالسجن ثم خُفف الحكم الصادر إلى وضعه تحت الإقامة الجبرية. كان جاليليو يتحدث عن قضية علمية بحتة تشير إلى دوران الأرض حول الشمس وليس العكس، وربما بدت جملته الأثيرة (لكنها تدور) ملهمة لأجيال أتت من بعده، ومحفزة على إيمانهم بالعلم في مواجهة الخرافة حتى لو روجتها مؤسسات تغولت على حياة البشر ولم تكتف بدورها الروحي. إن صنيعا هائلا رعى أفكار التسامح الديني فيما بعد كان في متنه جون لوك وفولتير وغيرهما.

إن جهود الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين لم تذهب سدى ولم تضع هباء؛ بسبب عوامل متعددة كان من أبرزها اتساع دوائر التنوير ليمثل حالة مجتمعية بالأساس، وليس محض جهود فردية كما نرى لدينا في العالم العربي، فضلا عن انطلاق فكرة التنوير ذاتها من رؤية نسبية لا ترى العالم مطلقا أو جامدا، تؤمن بالتجاور، وتتعزز فيها مدونة التسامح، وتعتبر التمييز الطائفي والتعصب الديني عقبتين مركزيتين يجب التغلب عليهما ومواجهتهما باستمرار، من هنا مثلا كان تبصير فولتير للجماهير في روايته كانديد أو التفاؤل، التي مثلت بحثا عن قيمة التسامح من خلال أدوات التعبير الجمالي المفعمة بالصدق الفني، وحرارة الشعور، فالتفاؤل الذى صاحب كانديد ممثلا في أفكار معلمه الفيلسوف بانجلوس كان تجليا للروح الأوروبية الناهضة من العتامة، مثلما مثلت أفكار البطل الضد (الفيلسوف مارتن) تعبيرا عن تصور وجودي مأساوي عن العالم يرى الشر أصلا للوجود. تتجادل الأفكار ويستشعر كانديد إحساسا عارما بالتيه والتمزق، لكنه يكتشف ضالته في نهاية الرواية حين يجد أنه ما من سبيل أمامه سوى العمل الجاد والمستمر.

إن اتساع دوائر التنوير يعنى اتساعا للأمل، وحراسة لكل قيمة، وبحثا لا يكل عن المعنى في الوجود والحياة، ومعاينة الشعور بالبهجة والفرح، ومغالبة اليأس والتشاؤم والإحباط وكل المفردات التي تعطل حركة الإنسان الفرد، ومن ثم تعوق حركة المجتمع في سعيه نحو واقع أفضل.

وتتصل حركة التنوير بدائرة مركزية عمادها العقل، وقد حظي العقل بتراث هائل في الفلسفات والآداب والعقائد، اتسعت أمامه الآفاق أحيانا، وضاقت عليه أحيانا أخرى، لكنه يمثل الجوهر الحر المتجدد باستمرار، فلو أردت تجديد حيوية أي أمة عليك بتجديد عقلها الجمعي، وإخراجه من حيز النمط الخرافي في التفكير الى رحابة التفكير العلمي.

وتتعدد دوائر التنوير، حيث يصبح مركزها العقل، وغايتها التقدم، ومجال عملها كل ما يتصل بسعادة الإنسان، وإنسانيته، وتعزيز ثقته بنفسه، واتكائه على ذاته في حل مشكلاته، وفى صياغة تصوراته عن العالم، ففي التنوير لا مكان للكهنة ولا للأوصياء، كن حيث يوجد عقلك، وعليك أن تستفتى قلبك أيضا، وتدرك أن الإنسان كتلة متجانسة من الأشياء، وأن الفرد في تصورات ما بعد الحداثة ابن لمسارات متعددة، وأن نجاحه في تطويع هوياته الخاصة المختلفة يتمثل في قدرته على صناعة التناغم في حياته، في أن يتخلص من التيه الذى صاحب كانديد بطل رواية فولتير، وأن يدرك أن كفاحه في الحياة جزء لا يتجزأ من كينونته، وأنه التعبير الأمثل عن ذلك الوجود الأصيل الذى يبتغيه الإنسان الحر والمجتمع المتطور.

تتعزز قيمة التنوير في المناخات الحرة، لكن أي تنوير نريده الآن؟

التنوير الذي يعنى الدفاع الخالص عن العقل، ويكرس للتفكير النقدي والخيال الإبداعي، فلا يعرف الكسل العقلي ولا يركن إلى ذهنية الجمود، وفى الآن نفسه يلهم الجماهير محبة العالم ويحفز لديهم ثقافة الحياة، دون أن يدعي احتكارا للمعرفة، أو يمارس استعلاء ساذجا على المجموع؛ وبذا يمكن للتنوير أن تتسع دوائره، اتساقا مع مبدئه الأساسي (كن شجاعا وحرا واستخدم عقلك بنفسك)، هذا المبدأ الذي يرفض الاستيلاء على عقل الإنسان تحت أي مسمى أو لافتة، أيديولوجية كانت أو ميتافيزيقية.

وبعد.. تبدو الحياة سلسلة متراكمة من الخبرات الإنسانية، والتنوير حراك العقل المستمر في تجليه الأكثر بهاء، ودعما لإنسانية الإنسان، وحقه في التفكير، والفرح بالوجود.