رغم أفول شمس إمبراطورية بريطانيا الاستعمارية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، ورغم كل المتغيرات السياسية التي طرأت على العالم لم تتخلَ بريطانيا الدولة الاستعمارية العجوز عن نزعتها العنصرية الاستعلائية، وكأنها تريد بذلك أن تحافظ ولو كان ذلك بأسلوب دبلوماسي لفظي على دورها السياسي العالمي الرئيسي الذي فقدته بانهيار إمبراطوريتها الاستعمارية الموزعة بين قارتي آسيا وأفريقيا. بريطانيا التي شاخت الآن لم تعد الدولة الغربية الرأسمالية العظمى في العالم، فقد تراجع دورها في السياسة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، مما دعا واشنطن لاعتماد نظرية ملء الفراغ في الشرق الأوسط، وهي النظرية التي صاغها جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الشهير في فترة الخمسينات من القرن الماضي. ومنذ ذلك التاريخ، أي في عقد الخمسينات الذي شهد أيضًا اندحار العدوان الثلاثي على مصر كرد فعل على تأميم قناة السويس، أصبحت بريطانيا تمارس أدوارها ومواقفها السياسية إزاء القضايا الدولية في إطار السياسة الخارجية الأمريكية، وذلك بخلاف فرنسا مثلًا الدولة الاستعمارية الأخرى التي ارتبط تاريخها الاستعماري بتاريخ بريطانيا العظمى الاستعمارية، وقد تراجع أيضًا دورها السياسي في المشهد الدولي عما كانت عليه من قبل، خاصة بعد انتصار ثورة الجزائر، لكنها بقيت رغم ذلك محافظة على دورها السياسي "المستقل" في إطار الاتحاد الأوروبي.
الحكومة البريطانية اليمينية وبإصرار وصلف وعنجهية الاستعمار، قامت بالاحتفال بذكرى مرور مائة عام على إصدار وعد بلفور المشؤوم وعلى عدم الاعتذار للشعب الفلسطيني الذي راح ضحية الصراع الحضاري التاريخي بين الغرب الاستعماري والوطن العربي عن جريمة هذا الوعد المشؤوم، الذي أعطى لليهود في الشتات حقًا في اغتصاب أرض كنعان العربية، أرض الشعب الفلسطيني الوطنية التاريخية، لإقامة كيانهم العنصري العدواني عليها لأجل المحافظة على المصالح الاستعمارية في المنطقة وبتأثير النزعة العنصرية الاستعمارية الاستعلائية التي ما زالت تعشعش في الأدمغة السياسية البريطانية الأنجلو سكسونية، وما زالت ترفض الاعتراف بدولة فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة على غرار معظم دول العالم، وكل هذا الموقف السياسي الرسمي الأرعن والأحمق الذي تتخذه بريطانيا، حيث ما زالت تعيش في نطاق عقلية حركة الاستعمار الأوروبي الذي مضى على غير رجعه بانتصار الثورات الوطنية في بلدان العالم الثالث.
ويأتي إعلانها بأن حركة حماس هي حركة إرهابية وهو الموقف الذي ينسجم مع موقف التحالف الإمبريالي الصهيوني الرجعي، حيث أعلنت السعودية قبل ذلك مثل هذا الموقف الذي يعتبر معاديًا للنضال الوطني الفلسطيني العادل في سعيه لإقامة دولته الوطنية المستقلة، مثله في ذلك مثل باقي دول العالم .

