حدثت في النظام الرسمي العربي تغيرات بنيوية عميقة وعلى طبيعة دوره ووظيفته، نقلت هذا النظام من النقيض للنقيض، ولعب المال الخليجي والبترودولار، دوراً كبيراُ في هذه التغيرات وعملية الانتقال، حيث وظفت المشيخات الخليجية أموالها في شراء مواقف دول ومصادرة حتى دورها وقرارها.. وما نراه اليوم يعكس عمق وطبيعة هذه التحولات، من بعد توقيع السادات لاتفاقية "كامب ديفيد"، واستدخال ثقافة الهزيمة، والترويج لها على أنها انتصارات وواقعية وعقلانية، وبأن المقاومة بأشكالها المختلفة أضرت بالعرب وبالقضية الفلسطينية... وليأتي العدوان الإسرائيلي على لبنان والمقاومة وفي المقدمة منها حزب الله في تموز /2006. وليطلق رئيس وزراء قطر السابق حمد بن جاسم مصطلح "الاستنعاج"، وعدم قدرة العرب على مواجهة دولة الاحتلال، ولتذهب الأمور بعد ذلك إلى ما هو أبعد، حيث عبث النظام الرسمي بقواعد الصراع وأسسه وجوهره.. باعتبار أن دولة الاحتلال، لم تعد تشكل الخطر الإستراتيجي على الأمة العربية وعلى قضية شعبنا الفلسطيني، الذي تحتل أرضه وتصادر حقوقه وترفض حتى الاعتراف به كشعب، بل أوجدت لها أمريكا عدو مصطنع، ألا وهو إيران، ونقلت الصراع إلى صراع إسلامي- إسلامي (سني- شيعي). ومن خلال هذا العدو الوهمي والمصطنع، وتغييرها لقواعد وأسس الصراع، كانت تعمل على "استحلاب" أنظمة البترودولار الخليجي مالياً، من خلال "تدفيعها" ثمن الحماية العسكرية والقواعد الأمريكية المقامة على أراضيها، وشرائها بعشرات مليارات الدولارات أسلحة أمريكية. المهم عملت أمريكا على تكريس شرعنة وجود دولة الاحتلال كدولة " طبيعية" في المنطقة من خلال اتفاقيات " ابراهام" التطبيعية التي قادتها مشيخة الإمارات العربية، المناط بها أمريكياً الدور لتحقيق العديد من المصالحات ومنصات التواصل مع العديد من دول المنطقة، تركيا وسوريا ودولة الاحتلال و مصر ولبنان وغيرها.. ولتحقيق الرؤيا الأمريكية بإقامة شرق أوسط جديد من المحيط الى الخليج... مصالحات واستثمارات ودعم اقتصاد دول عنوانها وهدفها، فك علاقة تركيا ب" الإخونج".. وابعاد دول وحركات محور المقاومة وفي المقدمة منها سوريا عن إيران.. وفي النظرة إلى ما تحقق على صعيد "الإسهال" التطبيعي، نلحظ تفعيل اتفاقية الغاز بين مصر ودولة الاحتلال، واستجرار الغاز المصري الى لبنان مروراً بسوريا وبموافقة أمريكية، وكذلك السماح لمصر بتعزيز وجودها العسكري في رفح، والعمل على تطويع سلطة حماس للقبول بالمشروع الإسرائيلي "الاقتصاد مقابل الأمن"، أما في الأردن، فمن الموافقة الأمريكية على استجرار الكهرباء الأردنية إلى لبنان عبر سوريا، إلى توقيع اعلان نوايا" اتفاقية" الكهرباء مقابل الماء، مع دولة الاحتلال برعاية إماراتية على هامش معرض " اكسبو" الدولي في أبو ظبي، وسبق ذلك توقيع اتفاقية الغاز.. الإمارات والبحرين تطبيع دبلوماسي وسياسي وثقافي واقتصادي ونقل جوي واتفاقيات في مختلف الميادين والمجالات... وصولاً الى التنسيق والتعاون الأمني والاستخباري والعسكري.... في حين المغرب ذات السجل التطبيعي القديم والذي لم ينقطع منذ عهد ملكها الحسن الثاني .. قطعت شوطاً كبيراً على صعيد تحللها من كل التزاماتها العروبية والقومية، من بعد زيارة وزير جيش الاحتلال غانتس لها يوم الثلاثاء الماضي وتوقيع اتفاقية "الدفاع" المشترك والتعاون الأمني والعسكري، والسودان دولة الاحتلال، هي من تشرف على ترتيبات نظام الحكم فيها بشقيه العسكري والمدني .. أما في ليبيا ف" الحفتر" قائد ما يسمى بالجيش الوطني الليبي والطامح بالوصول إلى منصب الرئاسة الليبية، عبر مساعدة عسكرية وسياسية من دولة الاحتلال، فقد ارسل قبل فترة قريبة، ابنه إلى دولة الاحتلال على متن طائرة خاصة من أجل خطب ود دولة الاحتلال ودعمها لوالده مقابل التطبيع الكامل والالتحاق باتفاقيات "ابراهام" التطبيعية... أما لبنان فيتعرض لحملة شرسة وعقوبات اقتصادية ومالية، من أجل التحاق لبنان بركب الدول المطبعة، ومغادرة خانة محور المقاومة، والعراق لعل المؤتمر الذي عقد في اربيل العراقية، بمبادرة العديد من القيادات الكردية وقيادات عشائرية، كان بمثابة جس نبض وبالون اختبار، حيث دعا القائمين عليه الى تطبيع العراق لعلاقاته مع دولة الاحتلال والالتحاق بحلف " ابراهام" التطبيعي، ولكن الموقف العراقي الرسمي والشعبي الرافض للتطبيع وتجريم القائمين عليه والمطالبة بمحاكمتهم، "فرمل" من مخططات تطويع العراق والحاقه بركب دول النظام الرسمي العربي المهرولة للتطبيع مع المحتل.
إن " الإسهال" التطبيع العربي، قد بلغ اعلى درجات الخطورة، في اندفاع مملكة المغرب الى ما هو أبعد من التطبيع السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والثقافي نحو التطبيع الأمني والاستخباري وعقد اتفاقيات دفاع مشترك، من شأنها، أن تجعل الأمن العربي مكشوفاً أمام دولة الاحتلال، وحقها بالحصول على المعلومات بالطرق الرسمية والمشروعة بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك، ليس من خلال القنوات الأمنية فقط، بل من خلال وزراتي الجيش والدفاع، وكذلك هذا الاتفاق شكل تهديد استراتيجي للأمن القومي العربي، ويهدف الى تفكيك المنطقة العربية.. وهو يشكل ربح صافي استراتيجي لدولة الاحتلال، و"بيع" للقضية الفلسطينية بثمن بخس، وطعنة غادرة لكل نضالات وتضحيات الشعب الفلسطيني، وكذلك فهذا التطبيع العسكري، يحمل مخاطر جدية على أمن الجزائر ووحدة أراضيها، وخاصة أنها في دائرة استهداف القوى المعادية الاستعمارية ودولة الاحتلال، والتي تريد تدمير قدرات الجزائر العسكرية وتفكيك وحدتها الجغرافية عبر الفتن العشائرية والقومية..
إن الرهان في وقف حالة التدهور والانهيار العربي الرسمي، يبقى من خلال الجماهير العربية وقواها الحية من قوى وأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني مناهضة ورافضة للتطبيع، فالقوى المعادية سواء امريكا ودول الغرب الاستعماري والعديد من المشيخات الخليجية، تريد أن تسقط كل دول النظام الرسمي في "وحل" التطبيع، والعداء لكامل محور المقاومة.. مستخدمة "سيوف" سياسة الضغوط القصوى من عقوبات اقتصادية ومالية وتجارية، وتوظيف المال في خدمة هذا المشروع من أجل شراء الذمم لقوى وأحزاب ودول يجري اشراكها في ترجمة تلك العقوبات إلى أفعال والالتزام بها، وكذلك شن حرب إعلامية ونفسية على كل من يرفض من دول وقوى ومؤسسات عربية شرعنة التطبيع، واعتبار وجود دولة الاحتلال كجزء طبيعي من جغرافيا المنطقة، وأن يكون لها اليد الطولى في القيادة والتوجيه.
نقل "الإسهال" التطبيعي الرسمي الى المستوى الشعبي والجماهيري يواجه استعصاءات كبيرة، فالجماهير الشعبية التي يجري افقارها وتجويعها و"طحنها" من قبل الأنظمة الرسمية العربية، ترفض شرعنة التطبيع على المستوى الشعبي، حيث الإحتجاجات والمظاهرات التي تتسع دوائرها يوماً بعد يوم رفضاً للتطبيع.. تشكل عوامل ضاغطة على دول النظام الرسمي العربي للتراجع عن خطواتها التطبيعية مع دولة الاحتلال، والتي تحتل كامل فلسطين واراضي دول عربية اخرى سوريا ولبنان، وتعبث بالأمن القومي العربي، وتريد السيطرة على خيرات وثروات الأمة ونهبها، وإعاقة تقدمها وتطورها، وبما يبقيها في دائرة الجهل والتخلف.

