كاتبٌ صحفيّ/ فلسطين
لا تشعرُ إسرائيلُ، كما نفعلُ نحن، بأنّ وعدَ بلفور كان البدايةَ لتجسيد رؤيةِ الحركة الصهيونيّة لقيام الدولة العبريّة. إسرائيل، ليس كما نفعلُ نحن، لا تتذكرُ هذا الإعلانَ ولا تحتفي به، لأنّها تتنكّر له، ولا تجد نفسَها ملزمةً بالوفاء لصاحب هذا الوعد. لا تجدُ في إسرائيلَ ما يمكن أن يتذكّر هذا الوعد وصاحبه، باستثناء شارع بلفور ب القدس الغربيّة، حيث يقعُ منزلُ الإقامة الرسميّ لرئيس الحكومة، ما عدا ذلك فإنّ بلفور غيرُ موجودٍ بالتاريخ الإسرائيليّ، ويتمُّ المرورُ عليه باعتبارِهِ مجرّدَ حدثٍ في هذا التاريخ.
البعض من الإسرائيليّين، يرى أنّ هذا الوعدَ لم يتحدّث عن دولة، بل مجرّد وطن، وأنّ بريطانيا عدّت الوعدَ مجرّدَ عطفٍ على اليهود، ذلك أنّ صياغته تتحدّثُ عن الشعور بالعطف، وليس الحديثُ عن الحقوق في أرض الميعاد، ويقول هذا البعض أنّ بريطانيا نفسَها تخلّت عن هذا الوعد، عندما دعمت قرارَ التقسيم بعد ثلاثين عامًا من إصداره، ما يتنافى مع ما كان مطلوبًا من هذا الوعد، أمّا بريطانيا نفسُها في حقيقة الأمر لم تكن تعطفُ على اليهود من المقيمين على أرضها، كانت تشكُّ في هُويّتهم وعدّتهم جسمًا غريبًا منغلقًا، ولهذا كما يتحدّث هذا البعض، فإنّ أحدَ أهداف الوعد الأساسيّة هو التخلّصُ من يهود بريطانيا. هذهِ الأخيرةُ غازلت اليهودَ الروسَ خشيةً من هجرتهم إليها، خاصّةً بعد الثورة البلشفيّة على روسيا القيصريّة ودعتهم أن تكون وجهتهم إلى أرض فلسطين، وهذا ما يفسّرُ صدور الوعد بعد أيامٍ من نجاح الثورة البلشفيّة في روسيا؛ الأمرُ الذي سرّع في صدور وعد بلفور، بحيث يسارعُ اليهودُ الروس بالهجرة إلى أرض فلسطين بديلًا للهجرة إلى بريطانيا الذي ضاقت درعًا بهم.
في نظرِ هذا البعض، إنّ اسرائيل لم تقم بفضل هذا الوعد، وينقل عن بن غوريون قوله: إنّ إسرائيل لم تقم بالوعود بل بحدّ السيف، في محاولةٍ مبكّرةٍ للتنكّر لفضل الوعد على قيام دولتهم، حيث يعتقد هذا البعض أنّ الدولة العبريّة كانت ضروريّةً لبريطانيا أكثرَ من اليهود أنفسهم، حتى يكون هناك حاجزٌ يمكّن بريطانيا من الدفاع عن قناة السويس؛ طريقها الأهمّ إلى درّة التاج البريطانيّ الهند، وأنّ الوعد ليس محبّةً باليهود بقدرِ ما هو ضمانٌ للمصالح الاستراتيجيّة للتاج البريطاني.
وحتّى قبلَ إعلانِ بلفور كانت نخبةٌ يهوديّةٌ تعارضُ إقامةَ وطنٍ قوميٍّ لليهود في فلسطين، وعندما عقد مؤتمرُ الاتّحاد الصهيونيّ الإنجليزيّ في أيار عام 1917، أرسل رسالةً إلى صحيفة التايمز بعنوان رؤية اليهود الإنجليز تضمّنت الهجوم على فكرة إقامة دولةٍ يهوديّةٍ منفصلة. وكان المؤتمرُ قد أشار في وثائقه إلى أنّ حكومةَ صاحبة الجلالة هي في النتيجةِ معاديةٌ للساميّة، ومن شأن دعمها للصهيونيّة أن تُوجِدَ أرضيّةً للمشاعر غير الساميّة في كلّ أنحاءِ العالم، وأنّ اللجنةَ المشتركةَ المنبثقةَ عن المؤتمر كانت ترى أنّ الهُويّةَ الدينيّةَ والهُويّةَ القوميّةَ مفهومانِ منفصلانِ بالكامل.
هل في هذا ما يفسّرُ لماذا لا تحتفلُ إسرائيلُ بوعد بلفور؟ ربّما!!

