لن ينتهي الصراع العربي الصهيوني مهما تخلت الأنظمة العربية جميعها عن القضية الفلسطينية وهي القضية الوطنية الأولى في العالم، لما تحمله من أبعاد إنسانية، واعترفت هذه الأنظمة بالكيان الصهيوني العنصري الغاصب الدخيل الذي أقيم في المنطقة العربية كجزء من مخطط الاستعمار الغربي الرأسمالي، للسيطرة على مقدراتها. فقد اعترفت كل من مصر الشقيقة الكبرى في النظام السياسي العربي، وكذلك الأردن الأكثر تداخلًا مع القضية الفلسطينية، منذ مدة طويلة بهذا الكيان، ولكن الصراع العربي الصهيوني لم ينته لأن الشعب الفلسطيني صاحب القضية الأول لم ينه الصراع، لأنه لم يحصل على حقوقه الوطنية الكاملة. والآن حيث التهافت العربي الرسمي المذل الذي يجري بأساليب متعددة، تحمل إشارات مختلفة على فك العلاقة مع هذه القضية القومية الرئيسية الأولى للأمة العربية على مدار ما يقارب سبع عقود، نشبت خلالها حروب دامية بين الدول العربية المجاورة لفلسطين والكيان الذي أعلن عن قيامه عام 48 وسقط فيها آلاف الشهداء العرب من الجيوش العربية والمتطوعين العرب من المشرق والمغرب العربيين، فإن ذلك أيضا لن ينهي الصراع، فالأنظمة السياسية العربية على اختلاف توجهاتها وحرصا على مصالحها القطرية الضيقة التي أوجدتها حالة التجزئة السياسية الممنهجة، وانطلاقًا أيضًا من مصالح التحالف الطبقي الحاكم فيها، لا تملك وحدها وضع حد لنهاية هذا الصراع المصيري الذي يتوقف على حسمه تغيير وجه المنطقة بكاملها، إما بالتحرر والاستقلال الوطني الكامل بهزيمة مخطط المشروع الإمبريالي الصهيوني، وإما باستمرار علاقات التبعية بكل أشكالها مع النظام الرأسمالي العالمي الإمبريالي، حيث السيطرة الغربية والإسرائيلية على دول المنطقة، ووضع فيتو على مشروع نهضتها ووحدة أقطارها القومية وتقدمها الحضاري...
ظاهرة التخلي عن القضية الفلسطينية ومن تحمل المسؤولية القومية والتاريخية مع الشعب الفلسطيني لن يكتب لها النجاح، لأن الكيان الصهيوني في حقيقة جوهره كيان عدواني توسعي، يسعى لتوسيع رقعة سيطرته على الأرض العربية المجاورة، ليتحول إلى دولة مركز إقليمية، ليقوم بأداء دوره الوظيفي الذي وجد لأجل تحقيقه، وهو الأمر الذي يجعل من الصراع العربي الصهيوني صراعًا بين الشعوب التي تتمسك بأرضها وتقاتل من أجلها، وبين هذا الكيان العدواني الغاصب. ولذلك، فإن مستقبل الصراع سيستمر وسيتصاعد بين فترة وأخرى وستشهد المنطقة حروب قادمة كما تلوح بها الآن دولة الكيان.. وهكذا يمكن القول، إن وضع نهاية لهذا الصراع ليس بيد الأنظمة السياسية التي من المتوقع أن تعترف جميعها بالكيان الصهيوني، لأنها أصبحت أنظمة مصالح بلا مبادئ وأن مصير هذه الأنظمة في الحكم إلى زوال، مهما طال عهود الاستبداد والتسلط، وأن الذي يقرر في النهاية الحرب والسلم في هذا الصراع هي الشعوب العربية التي يقدم أبنائها كل يوم في مواقف عديدة رفضهم للتطبيع.
الصراع العربي الصهيوني لن ينتهي بين الأمة العربية والكيان الصهيوني، والقضية الفلسطينية سوف تبقى في الحاضنة الشعبية العربية بعد تخلي الحاضنة الرسمية عنها، لتصبح معادلة الصراع مع الصهيونية وحلفائها، فالنزعة الإقليمية العربية الضيقة لن تقوى على إبعاد هذه القضية عن القاطرة العربية، لأن النزوع الوطني والقومي أقوى من النزوع الإقليمي، ولأن الصراع العربي الصهيوني ليس فقط، صراعًا سياسيًا على الحدود، ينتهي بالاعتراف والتطبيع كما تنص مبادرة السلام العربية أو بتحقيق ما يسمى بالسلام الإقليمي الذي تسوقه الولايات المتحدة، ولكنه صراع حضاري صراع تاريخي - فكري - ثقافي - اقتصادي وسياسي.. والسبيل لحسمه لا يكون إلا بهزيمة الفكر الصهيوني العنصري التوراتي الذي يقوم على الإجلاء والتطهير العرقي وتفكيك الدولة الصهيونية وإنهاء وجودها وعودة الأرض كاملة لأصحابها الأصليين العرب الفلسطينيين، وانصهار اليهود في فلسطين التاريخية التي هي جزء من الوطن العربي.. انصهارهم فيها كمكون ديني له وجوده في النسيج الاجتماعي الواحد للشعب الفلسطيني، كما هو الآن حال الطائفة اليهودية السامرية في الضفة الغربية، وكما هو أيضًا حال الطوائف الدينية والعرقية في دول المنطقة والعالم أجمع.

