Menu

مصير إعلان الاستقلال بين التجسيد والتبديد

د . عابد الزريعي

نشر هذا المقال في العدد 32 من مجلة الهدف الإلكترونية

يبقى يوم الخامس عشر من نوفمبر عام 1988 تاريخا محفورا في الذاكرة الفلسطينية، حيث أعلن من على منصة المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد بقصر الصنوبر بالجزائر، إعلان الاستقلال، والذي كان عبارة عن وثيقة نصت على «قيام دولة فلسطين فوق الأرض الفلسطينية وعاصمتها القدس "، وذلك استنادا إلى "الحق الطبيعي والتاريخي والقانوني للشعب الفلسطيني في وطنه، وقرارات القمم العربية، وقوة الشرعية الدولية، وممارسة الشعب العربي الفلسطيني لحقه في تقرير المصير والاستقلال السياسي والسيادة فوق أرضه". ولقد كان ذلك هو الإعلان الثاني، بعد إعلان الاستقلال وإقامة حكومة عموم فلسطين في المؤتمر الفلسطيني الذي انعقد في غزة في تشرين الأول عام 1948، والذي سبقه بأربعين عاما. وربما كانت نقطة المقارنة والمفارقة بين الإعلانين من حيث المآل والمصير موضوعا يستحق البحث، لا سيما وأن المسافة الزمنية بين الإعلان الأول والثاني تكاد تتشابه مع المسافة الزمنية الفاصلة بين الإعلان الثاني وذكراه الحالية التي توثق بوصفها الذكرى الثالثة والثلاثين. وبما أن الإعلان الأول قد اكتمل تاريخيا بوجود المسار الذي ولد في سياقه الإعلان الثاني، إلا أن الإعلان الأول كان محاولة لملمة ومعالجة آثار الهزيمة ومنع عملية تبديد قاسية، بينما كان الثاني محاولة لصنع انتصار وتحقيق هدف واضح في لحظة تاريخية معينة. وإذا كان الإعلان الأول قد تلاشى وتلاشت معه حكومة عموم فلسطين التي أعلنت عنه، ولم يعد يذكره إلا المختصون والمهتمون، فإن الثاني ما زال يلوح برمق من حياة بدليل الاحتفال بذكراه الثالثة والثلاثين، على أساس اعتباره إنجازا تاريخيا، تباينت حوله الآراء والرؤى.

أسئلة لا بد منها:

تكشف عديد الكتابات والتعليقات المقتضبة على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، عن تباين حالة استقبال للذكرى الثالثة والثلاثين لإعلان الاستقلال بين مختلف شرائح الشعب الفلسطيني. فقد حضرت الذكرى وسط مواقف ومشاعر متباينة إلى حد التناقض، فهناك من يتحدث عن تاريخية تلك اللحظة وعظمتها، ومن يتناول الأمر في سياق السخرية والتندر، ومن جعل من إنجازات أوسلو ترجمة عملية لإعلان الاستقلال وخطوة على طريق انجازه. ومن أجل تقييم موضوعي يحتاج الأمر إلى العودة الى الوراء وإعادة طرح السؤال: هل كانت اللحظة التاريخية ناضجة لإعلان استقلال وطني؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا لم يتم المبادرة بتجسيد هذا الاستقلال على الأرض حتى بالحدود الدنيا؟ ثم لماذا كانت المفاوضات اللاحقة على ما لا يرتقي إلى الحد الأدنى مما ورد في نص لإعلان؟ والسؤال الأهم: لماذا لم تفاوض القيادة على تطبيق إعلان الاستقلال وما ورد فيه بوصفها المؤتمنة عليه، لكنها وضعته جانبا وراحت تفاوض من الصفر، بما يعنيه ذلك من ضرورة خضوعها للمحاسبة بمخالفتها وتفريطها بالأمانة التي حملها إياها الشعب الفلسطيني عبر ممثليه في المجلس الوطني؟ وهي أسئلة تستمد مشروعيتها من أن اللحظة التاريخية باتت مسورة ومحددة بوقائع وقضايا موثقة؛ لذلك باتت دراستها أسهل وأنجع بعيدا عن فيض وتدفق المشاعر والعواطف.

لم يكن قد مر على اندلاع الانتفاضة الشعبية عام 1987 أكثر من عام، بكل ما مثلته من زخم نضالي ونهوض وطني تجسد من خلاله حجم المشاركة الشعبية على المستويين الجغرافي والديمغرافي، وما أحدثته من ملامح تحولات في البنى الفكرية والاجتماعية الفلسطينية وانعكاسات على الساحتين العربية والدولية. كانت اللحظة مبهرة بكل المقاييس، وفي لحظات الابهار قد تعمى أو ترتبك الابصار، وهنا تبلورت رؤيتان وتقييمان في الساحة الفلسطينية، علما أن جذورهما تغذت من خيارات سياسية سابقة على اندلاع الانتفاضة، وظهرت ملامحهما بشكل فاقع وجلي بعد الخروج من بيروت.

كان التقييم الأول يتحدث عن أن الانتفاضة قد وفرت الامكانية الواقعية لإقامة الدولة الفلسطينية بعد أن كانت إمكانية تاريخية، وإنها شقت مسارا موضوعيا للتراكم لإنجاز شعار الدولة المستقلة، بما يعنيه ذلك من ضرورة الاستمرار في النضال من أجل توفير كل الضمانات اللازمة لتحقق هذه الامكانية بالصيغة التي يشتهيها الشعب الفلسطيني، وبما يفرضه ذلك من مهام سياسية ونضالية وتنظيمية.

بينما كان التقييم الثاني أن الامكانية قد اكتملت، وأن الفلسطينيين باتوا يمتلكون شروط إقامة دولة فلسطين المستقلة بما أنهم يناضلون على أرضهم، ولم يعد من خيار إلا قطف الثمار قبل أن تذبل وتسقط. لذلك سعى إلى توظيف عجول للانتفاضة دون المراهنة عليها لانتزاع الاستقلال، الأمر الذي يمكن تلمسه بتوجه الوثيقة إلى "الأمم المتحدة لتتحمل مسؤوليتها تجاه الشعب الفلسطيني"، وإلى دول العالم "أن تعينها في تحقيق أهدافها بوضع حد لمأساة الفلسطينيين وتوفير الأمن لهم وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم". لقد جاء الإعلان كمحاولة عجولة وملهوفة لقطف ثمار الانتفاضة قبل أن تنضج بالقدر الكافي. وفي هذا الاستعجال التقى هذا الخيار مع ناصبي الكمائن من القوى الامبريالية الذين زينوا الوهم وقدموه كحقيقة. وربما كان إعلان الأردن عن فك ارتباطه الإداري والقانوني بالضفة الغربية في شهر (آب) عام 1988 أحد الكمائن التي نصبت للجانب الفلسطيني، وهي مسألة تستحق البحث العميق بعيدا عن التسرع والانفعالية.

كانت الغاية من وثيقة الاستقلال بالنسبة للقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة وضع الاستقلال كهدف وغاية للانتفاضة الشعبية، بينما كانت الانتفاضة في حد ذاتها موضوعا للاستثمار والانخراط في التسوية بالنسبة للقيادة الرسمية لمنظمة التحرير. وفي مفصل التباين كان إعلان الاستقلال وبعكس ما تريده القيادة الوطنية للانتفاضة، مدخلا لقبول المجلس الوطني بقراريّ مجلس الأمن “338,242”. فاذا كانت الوثيقة قد اعتمدت قرار التقسيم "181"، كمرجعية لتحديد أراضي الدولة الفلسطينية، وهي 42% من مساحة فلسطين، فان منظمة التحرير قد وقعت بعد سنوات اتفاق أوسلو (1993) واعترفت بموجبه بإسرائيل، وطالبت بدولة على حدود الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران عام 1967، بمساحة على 22% من أراضيهم، وانتهى الامر إلى حكم ذاتي محدود وسلطة وظيفية، تقوم بالتنسيق الأمني مع إسرائيل، بكل ما يترتب عليه، وبوصفه المهمة الأولى للسلطة.

لقد جاءت الذكرى في لحظة تاريخية سمتها الرئيسة تبخر وتراجع على مستوى تحقيق الأهداف التي سبقت الإعلان، الذي جاء كتعبير مكثف عنها، خاصة بعد أن تقلصت تلك الأهداف وانكمشت من تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية، إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود 4 حزيران عام 1967.

المسألة هنا لا تتعلق بتقسيم الهدف الاستراتيجي إلى مراحل نضالية على طريق استكماله، كما كان يروج وإنما هي في جوهرها تخلي فعلي عدن ذلك الهدف واستبداله بما هو دونه. إن خلاصة الثلاثة والثلاثين عاما الماضية تؤكد على أن الإعلان عن دولة على الورق لا يكفي، حتى لو تم الاعتراف بها من قبل كل العالم، فهي في نهاية الأمر دولة على ورق وليس على أرض الواقع.