Menu

فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج ٢٣

حاتم استانبولي

كان لمكان إعلان انطلاقة الثورة الفلسطينية، معاني وخصوصية مرتبطة بالتاريخ والجغرافيا والإرث المشترك للمجتمعات التي أقامت على مر التاريخ على ضفتي النهر (الأردن)، هذا النهر الذي أُريد له أن يصبح حدًا فاصلًا قاسمًا للشعب الواحد الذي سكن ويسكن على ضفتيه.

ما قبل ال١٩٦٧ ومنذ الحكم العثماني وإمارة شرق الأردن، كانت المجتمعات على ضفتي النهر تعيش حياة مشتركة، تتعامل بعملة واحدة وتتبادل الأعمال التجارية وتتأثر وتتفاعل مع الأحداث السياسية، بالرغم من اختلاف درجة تطورها من حيث تنوع واختلاف عملية الإنتاج الاجتماعي. لقد كان للمجتمع العشائري المترابط والمتشابك على ضفتي النهر، موقفًا مشتركًا من القضايا السياسية الكبرى، وكان حاسمًا في موقفه من نتائج سايكس بيكو التي رفضها وعقد المؤتمرات العشائرية لتأكيد موقفه منها، واتخذ موقفًا مبكرًا من الهجرة اليهودية إلى فلسطين. في المقابل كان الانتداب البريطاني ومندوبيه، يحاول دائمًا تنمية الفرقة بين العشائر شرقي النهر وبين سكان الريف والمدينة غربي النهر، كان يعمل بشكل منهجي على سيادة الفقر وتنمية الصراع بين العشائر ويستثمرون في فقرها، وعلى تعميم سياسة التجهيل الممنهج لدفعهم من أجل أن تكون الخدمة العسكرية هي المخرج من حالة عوزهم.

لكل ما سبق، فإن شروط انطلاقة الثورة الفلسطينية كانت تتلاءم مع تداخل البنية الاجتماعية الطبيعية الممتدة على ضفتي نهر الأردن.

إن انطلاقة الثورة الفلسطينية شكلت تحديًا باتجاهين داخلي وخارجي، والتعامل مع هذين التحديين من قبل النظم الحاكمة والقوى السياسية كان لهما الأثر الأبرز على مجمل حركة المقاومة الفلسطينية في الأردن ما بين ١٩٦٧ إلى ١٩٧٠.

أولًا: التحدي الخارجي

جاءت الثورة الفلسطينية من خارج عباءة منظومة النظام الرسمي العربي وامتد تأثيرها بشكل متسارع عابرة للحدود والمجتمعات وقواها الاجتماعية، ساعدها في ذلك انتشار اللجوء الفلسطيني في بقاع الأرض، وكان لها أثرًا كبيرًا على البنية السياسية والفكرية للعديد من القوى الفاعلة، إن كان في الأردن أو في المنطقة العربية.

اختلفت درجات تعاطي النظام الرسمي العربي مع الثورة الفلسطينية منه من دعمها، سياسيًا وعسكريًا، ومنهم من اعتبرها تشكل خطرًا داهمًا على منظومة حكمه، والبعض تعاطى معها بريبة ومهادنة، لكن في ذات الوقت كان يعمل على استخدام بعض قواها للاستثمار السياسي في التعارض والتناقض ما بين النظم الرسمية العربية، التي كان يتمحور قطبيها بين القاهرة والرياض، في وقت تقاطعت فيه جميع النظم، من أن الثورة الفلسطينية أذا ما استطاعت أن تتجاوز التحديات الداخلية، فإنها ستشكل خطرًا داهمًا على منظومة حكمها. فيما اعتبرت بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل، انطلاقة الثورة الفلسطينية وتمركزها غرب نهر الأردن عاملًا مقوضًا لأسس منظومة سيطرتها في المنطقة، خاصة إذا ما استثمرتها الصين وكوريا الشمالية وحلف وارسو (حلف شكل ما بعد الحرب العالمية الثانية ما بين الدول الاشتراكية).

ثانيًا: التحدي الداخلي

واجهت الثورة الفلسطينية مجموعة من التحديات الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعسكرية والقانوني والإنسانية، حيث في البداية يجب التأكيد على أن الثورة الفلسطينية جاءت لتصحيح المسار التاريخي الذي غيب عنوان المرحلة وسمتها الوطنية التحررية، منذ أن سقطت الخلافة العثمانية وفتحت الباب أمام تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور. وهنا تحضر عدة أسئلة لا بد من الإجابة عليها للإجابة على السؤال الرئيس: لماذا هزمت قيادة الثورة الفلسطينية؟

في العنوان الفكري: كيف تعاطت فصائل الثورة الفلسطينية مع متطلبات سمة التحرر بشقيها الوطني والديمقراطي؟

ثلاث اتجاهات رئيسية حكمت الثورة الفلسطينية القومية والإسلامية واليسارية، القومية توزعت بين القوميين العرب والبعثيين والقوميين السوريين. فلقد فك القوميون العرب، تحالفهم مع الناصرية وأعلنوا تبنيهم الفكر الماركسي، عبر إطلاق مهمة فكرية داخلية، أطلق عليها التحول وحُلّت فروع حركة القوميين العرب وتحولت بعض فروعها إلى منظمات وأحزاب، كان أبرزها فلسطينيًا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولبنانيا منظمة العمل الشيوعي، و اليمن الجبهة القومية التي تحولت للحزب الاشتراكي اليمني الذي استلم السلطة في الجنوب اليمني.

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين سرعان ما عانت من تعارض داخلي بين تياراتها، أدت إلى انشقاق الجبهة الديمقراطية، ومن بعدها الثورية التي سرعان ما تلاشت. انشقاق الديمقراطية أو الثورية الذي رُوج له على أنه طلاق مع اليمين الذي يعبر عن (البرجوازية الصغيرة) في الجبهة الشعبية، في حين قدمت الجبهة الديمقراطية نفسها على أنها تنظيم يساري في تناقض مع بنيتها المعرفية وتركيبتها التي حملت ذات الصفات والمواصفات البنيوية التي حملتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

في الوقت الذي، تبين أن قرار الجبهة الشعبية في الالتزام بالماركسية، شابه رغبة انتقائية وتخبط فكري بين الاسترشاد بالتجربة الصينية أو السوفيتية الطابع العام الذي حكم الوثائق النظرية (الاستراتيجية السياسية والتنظيمية) تأثرت بالتجربة الصينية الماوية. في حين أن طرح الفكر القومي، كان يستلزم رؤية اقتصادية اجتماعية ناتجة عن قراءة دقيقة لتاريخ المنطقة ومجتمعاتها وتوزعها والاختلاف في مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي ما بين البداوة والإقطاع، ولكن أيًا من هذه المجتمعات لم يصل إلى مستوى من التطور الصناعي والعلمي ومتطلباتها المعرفية العلمية والفلسفية، التي تؤهله لأن تصبح القومية ضرورة اقتصادية واجتماعية تحقق وحدة المجتمع القائم على أساس المواطنة وتعيد المنظومة الفكرية الدينية إلى حدودها في إطار المسجد والكنيسة، فهذا المسار التاريخي لضرورة القومية. أما تجربة القوميين العرب فهي تجربة استندت إلى الشعور القومي في كتابات كل من قسطنطين زريق وساطع الحصري (كما ورد في صفحة ٢٨ من دراسة الكاتب الفلسطيني غازي الصوراني حول مسيرة الجبهة الشعبية) الذي أشار فيها إلى بدايات تجربة حركة القوميين العرب.

الالتزام بالفكر الماركسي للجبهة الشعبية أو الديمقراطية، لم يكن نتيجة تطور طبيعي لصراع التيارات الداخلية، بل كان ردة فعل على هزيمة حزيران التي أسقطت الفكر السياسي المعزز بالشعور القومي في عنوان تحرير فلسطين، هذا العنوان السياسي التحرري الذي استندت له المجموعة المؤسسة لحركة القوميين العرب كمدخل لتحرير فلسطين، ولكنها لم تطرح رؤية فكرية ذات طابع اقتصادي واجتماعي وسياسي توضح فيها عن أية وحدة تريد؟ وبين من ومن ستقوم الوحدة؟ ولم تعطِ إجابات عن موقفها من "المجتمعات" غير العربية أو عن موقفها من دور الدين في تاريخ المنطقة وتأثيره واستخداماته السياسية.

إذا كانت متطلبات نشوء القوميات الأوروبية تطلبت تجريد الكنيسة من دورها السياسي والاقتصادي والثقافي، من خلال إعطاء دور لدولة المواطنة القائمة على أساس القانون، فإن هذا العنوان لم يحظَ باهتمام حركة القوميين العرب، من حيث تقديم دراسة ورؤية نقدية لدور الدين وتأثيره في المنطقة. وبذات الوقت فإن، هذه الرؤية كانت وما زالت ضرورية من أجل توضيح أن جوهر الصراع مع إسرائيل الإحلالية هو صراع وطني تحرري، وليس صراعًا قائمًا على أساس الأحقية الدينية في المكان.

لم يدرك من طرح الالتزام بالفكر الماركسي أن هنالك تمايز بين الفلسفة الماركسية وبين التجربة الاشتراكية لكل من الاتحاد السوفييتي والصين وكوبا وفيتنام وكوريا، ولكل من هذه التجارب خصوصيته وظروفه ومستوى مختلف لتطور البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي انعكست في الفكر السياسي وأدواته ووسائله التي اتبعت في كل تجربة من هذه التجارب. وفي معظم هذه التجارب لم يكن الدين له دورًا رئيسيًا في حياة هذه الشعوب لأسباب خاصة، تتعلق بمفهوم الدين ودوره في كل من الصين وفيتنام وكوريا، ومنها من يعتبر أن الدين جاء مع المُستعمِر وكان أحد أدواته في استعمار شعوب أمريكا اللاتينية.

أما في روسيا، فكانت الثورة الاشتراكية ضرورة ملحة نظراً للظروف التي أحاطت بروسيا القيصرية داخليًا، من حيث نضوج العامل الذاتي للقوى المحركة للثورة، أما العالم الموضوعي، فقد نضج نتيجة انعكاسات الحرب غير العادلة التي خاضتها القيصرية وما نتج عنها من خسائر اقتصادية وبشرية. أما بقية الدول الاشتراكية، فقد جاءت الاشتراكية بفعل الدور المقرر للعامل الخارجي، نتيجة لتقاسم النفوذ بعد الحرب العالمية الثانية وظهور ما سمي بحلف وارسو وحلف شمال الأطلسي. أما عن الالتزام بالمنهج الماركسي، فهذا يتطلب فهم عميق للفلسفة الماركسية كأداة تحليلية لِقراءة تطور المجتمعات المحلية، لفهم مكونات ثقافتها الجمعية ودور الدين في تكوينها، لإخراجه من الصراع السياسي وتوضيح عمق الصراع الاجتماعي بأوجه الاقتصادية والسياسية.

الدين في منطقتنا هو نتاج محلي، ولعب دورًا تاريخيًا رئيسيًا في تطور ونمو المجتمعات المحلية، وهو جزء هام من الثقافة الجمعية للمجتمعات، هذا العامل لم تولهِ القوى اليسارية الديمقراطية، إن كانت فلسطينية أو عربية (الحركة الشيوعية) أهمية، من حيث دراسته ونقده للاستفادة من دروسه في إعادة بناء المنظومة الثقافية الجمعية للمجتمعات، لإظهار البعد الإنساني الأخلاقي في القيم الدينية الأساسية، ولِسحبه من النظم التي تستخدمه كأداة سياسية للهيمنة والتسلط وتشريع سلطانها وسلطتها.

لقد القومية كانت ضرورة في مرحلة التطور الرأسمالي وتراجعت لمصلحة العولمة في مرحلة انتقال الرأسمالية لِمرحلتها الإمبريالية، ومع التغيرات التي حدثت في منظومة رأس المال وسِيادة رأس المال المالي وأدواته، التي انعكست في المتطلبات الحقوقية القانونية الاجتماعية للدول الرأسمالية، أصبحت التكلفة الصناعية عالية، نتيجة ارتفاع الأجور والتأمينات والضرائب، هذا دفع لانتقال الصناعات، التي تتطلب زيادة العمالة إلى الدول الفقيرة، التي استفادت من الصناعات المتقدمة، من حيث رفع كفاءتها، ولكن استمر تطورها محكومًا بالعامل الخارجي، الذي نتج عنه تطور فئة كمبرادورية عابرة للفئات الاجتماعية  ومنظومَتِها الثقافية، هذه الفئة الكمبرادورية التي تحالفت مع بيروقراطية الدولة لتمرير مصالح منظومة رأس المال وأدواته، واعتمدت اتجاهين في دعم النظم التابعة وتقويض النُظُم المتمردة، وكان معيارها الدائم في المنطقة هو الموقف من إسرائيل الإحلالية، ومولت تأسيس مراكز حقوقية وثقافية، أخذت عدة تسميات وأدوار براقة، هذه المراكز التي يستخدم دورها حسب الظروف المكانية لكل منها، حيث تستخدم لدعم النظم التابعة وتستخدم لتقويض النُظُم المتمردة.

حركة فتح التي انطلقت من رحم الإخوان المسلمين واستفادت من تراجع حركة القوميين العرب والبعثيين، والتفتت الذي أحدثته انطلاقة الثورة الفلسطينية على البنية الفكرية والتنظيمية للحزب الشيوعي الأردني، وما أدى إليه من ارتدادات داخلية، حكمتها تخبطات في مسيرته السياسية، كل هذا شكل عاملًا ايجابيًا لتلعب فيه حركة فتح دورًا أوسع من ما مثلته منذ بداياتها.

إن انتقال اتجاهات وأفراد يحملون أفكارًا تقدمية (قومية وبعثية وماركسية)، كان له أثر على تراجع تأثير حركة الإخوان المسلمين على حركة فتح، هذا التراجع أعطى ديناميكية سياسية لفتح، لتتعامل مع المحيط الرسمي العربي وتتكيف مع اتجاهاته السياسية والفكرية. وبالرغم من ذلك، فإن حركة فتح لم تقطع التواصل مع حركة الإخوان المسلمين، فالمدقق في كتاب صلاح خلف (أبو إياد)، فلسطيني بلا هوية، يدرك مدى التأثير الإخواني المعروف للدول - ما اصطلح على تسميتها بالدول الرجعية - والدعم التي استمدته منها، إن كان سياسيًا أو ماليًا. في حين أن فتح بما مثلته لم تقدم رؤية فكرية، سوى منطلقاتها السياسية العامة.

أما الشيوعيون الأردنيون والفلسطينيون، فلم يحاولوا تقديم أية رؤية نقدية لدورهم، وإنما آثروا أن ينضموا إلى حركة فتح سياسيًا، ويأخذوا دعمها في تشكيل فَصيلَهُم العسكري في الأردن (الأنصار)، واستمرت معاناتهم الداخلية التي أدت إلى تَفَتُتِهِم وتخبطهم السياسي والفكري والتنظيمي.

القوى الفلسطينية بيمينها ويسارها لم تستطع أن تنجز رؤية نقدية فكرية، تستند إلى الموروث الثقافي لمجتمعات المنطقة، لإخراجها من إطار المفهوم الديني للصراع، وإظهار الرؤية التحررية الوطنية الجمعية للشعب الفلسطيني في رباعية انتشاره وتشرده، هذه الرؤية التي ناظِمِها مهمة التحرر الوطني والديمقراطي ومعيارها تحقيق عدالة المخيم الفلسطيني.

في الأجزاء القادمة سَأتَطَرق للعناوين التالية:

العنوان السياسي: كيف حددت فصائل الثورة الفلسطينية شعاراتها السياسية بما يخص حركتها وفعلها السياسي والموقف من أدواتها ووسائلها؟

العنوان الثقافي: هل استطاعت الفصائل الفلسطينية من تقديم رؤية لمشروع ثقافي فلسطيني ببعده التاريخي؟

العنوان الاجتماعي: هل استطاعت الفصائل الفلسطينية من التعاطي الخلاق مع مركز ثقل الشعب الفلسطيني على ضفتي نهر الأردن والشتات الفلسطيني ومتطلباته الحقوقية والإنسانية؟

العنوان العسكري: هل كان ممكنًا أن تتطور الظاهرة المقاومة العسكرية للثورة الفلسطينية، بمعزل عن البنية العسكرية للجيوش العربية واستراتيجيتها؟

العنوان القانوني: كيف تعاملت قيادة الفصائل الفلسطينية مع البعد القانوني والإنساني المدني للشعب الفلسطيني والبعد القانوني للقضية الفلسطينية؟

تأثير العامل الخارجي الإسرائيلي البريطاني الأمريكي وحلفائهم الإقليميين والدوليين: كيف تعاملوا مع الثورة الفلسطينية وفصائلها؟