حلَّت على اللبنانيّين أيّامُ الشدّةِ العصيبة. لا همَّ للقلّة الاجتماعيّة الحاكمة/الأوليغارشيّة سوى تسخيرِ الفضاء السياسي، الإعلامي؛ لزرعِ الشقاقِ في صفوفِ الأغلبيّةِ الاجتماعيّةِ المحكومة، التي تحاولُ الخروجَ من سباتِها الطويل في أوهام "الرفاءِ" الزائفةِ وشرّه الاستهلاك. تتكاتفُ طبقةُ الأوليغارشية، في هذهِ الأيّام، وتتراصفُ فئاتُها العليا الثريّة، حولَ محورِ التخاذل الوطني أو محورِ التقليد الطائفي/ المذهبي، بل تجمعُ أحيانًا بين كليهما. بات مقصدُها الأعلى حمايةَ "النظام الرأسمالي الطائفي/ المذهبي" والتنصّل من مسؤوليّتها عن الانهيار المالي، النقدي الراهن، الذي خرَّب حياةَ الأسر، وقضى على مداخيلها ومدخّراتها. إنّها حربُ حياةٍ أو موت؛ تخوضها هذهِ القلّةُ المستبدّة؛ لتبرئةِ ذمّتها من "ذُلِّ السؤال" والتسوّل الذي أوقعت به لبنان واللبنانيّين.
في هذا الفضاء المزدحم بأدواتِ صناعةِ الرأي العام ومنابره، جنّدت الأوليغارشيّة، لا سيّما "حزب المصارف، وهو نواةُ السلطةِ الفعليّة في لبنان، كتائبَ من محرّري الصحف وإعلاميّي الفضائيّات، ومن ملتزمي "الثورات الملوّنة" في المنصّات السبرانيّة، كما حرّكت منابرَ "الهياكلِ الإلهيّة" في بكركي وأشباهها لتحقيقِ هدفِها في هذه الحرب؛ تريدُ حجرَ عقولِ المواطنين في متاهات "الوعي الغافل"، تصنعُ المواطنَ "المسطول" بهمومِهِ الفرديّة والعائليّة. المواطنُ الذاهلُ عن طغيان مصالح الأوليغارشيّة على مصالحه، وعلى مصالح الجماعة الوطنيّة.
في العقود السالفة، كانت الآلامُ الاجتماعيّة الراهنة بكلِّ أحزانِها، لا تزالُ في طيّ الغيب؛ لأنّ طبيعةَ "الوعي" المهيمن، السائد، قد غَلَّقت الأذهان. لم يلتفت المواطنون كما ينبغي إلى الأصوات التي نبّهتهم من تصاعد "أزمة النظام الرأسماليّ الطائفيّ" وحذّرتهم من عواقبِ تفجرّها، وكانت تتوقّع الانهيار الراهن. لم يعبأوا بهذهِ الأصواتِ نتيجةَ "الوعي الغافل"؛ لا الوعي الإصلاحي ولا الوعي الثوري، طبعًا، الذي حبس عقولهم. مع هذا النوع من "الوعي" الهشّ والمتكسّر، الذي صنعته خلالَ السنواتِ الطوال من حكمها الاستبداديّ الفاسد، تستسهلُ الأوليغارشيّة، بل يستمرئُ "حزبُ المصارف"، إهانةَ هذه العقول، الآن، والتجبّر على المحكومين، بإلقاء مسؤوليّة الانهيار على محور المقاومة والإصلاح السياسي.
لقد كان شللُ الاقتصادِ وتدهورُ المداخيل، وتآكلُ المدخّرات، الذي يؤرّق الأمّهات والآباء، راهنًا، ويهدّدُ شروطَ الوجودِ الاجتماعيّ لعائلاتهم، احتمالًا مرئيًّا منذُ سنوات؛ لأنّ حجمَ هرمِ الديونِ المقلوبِ كان يتضاعف مع جورِ شروط المراباة، التي فرضها مرابو المصارف، وكلّما ارتفعَ هذا الهرمُ وناءت الدولةُ والمجتمعُ بأثقاله، كان عجزُ الأوليغارشيّة على الاستمرار بـ "إدارة أزمة النظام"، جليًّا لكلّ ذوي البصيرة، بل كان يجب أن يصبح جليًّا، من بعد هبوب "الحراك الشعبي الوطني" في يوم 17 تشرين الأول 2019، لكن هؤلاء الضحايا، من الأمهات والآباء والعائلات، وهم الأغلبيّة الاجتماعيّة المحكومة؛ واجهوا محنتهم بهذا "الوعي" البائس، الذي حشت الأوليغارشيّة رؤوسَهم به.
لا بدّ من انتقاد "الوعي الغافل" وطغيانه على أذهان كتلةٍ وازنةٍ من اللبنانيين؛ لأنّ عجزَ الأوليغارشيّة عن الاستمرار بالحكم بأسلوب "إدارة أزمة النظام"، له معنًى سافرٌ واحدٌ؛ وهو حاجةُ لبنان إلى تغيير النظام السياسي، أو إجراء إصلاحٍ سياسيٍّ جذريٍّ فيه. مأساةُ المواطنين الذين صُدِموا بالإفقار يستوطنُ بيوتَهم وينقم عائلاتهم، في المرحلة الحاليّة؛ أنّهم لم يعيدوا النظرَ بهذا "الوعي" الذي تملّكهم وخلب عقولهم، أثناءَ المرحلة الماضية، والأوليغارشية مسرورةٌ بذلك. الأوليغارشيّة بكلّيّتها في الدولة وفي المجتمع مسرورةٌ بأنّ الأغلبيّة المحكومة تجابه بؤسَ أزمنةِ الشدة بـ "الوعي" القديم الذي اكتسبته من تلك المرحلة.
كان "الحراكُ الشعبيّ الوطنيّ" في عام 2019، فرصةً فوّتها المواطنون بأيديهم، وكان أكثرَ من تنغيصٍ على الأوليغارشيّين وهم يحيون بكلّ مكرٍ وخبثٍ ذكرى استيلادِ النظام الرأسمالي الطائفي، من أذيال "مؤامرة" الإنكليزي مارك سايكس، والفرنساوي جورج بيكو على بلاد الشام قبل مئة سنة. كان "الحراك" المتسارعُ من يوم 17 تشرين الأول 2019، أشبهَ بثقبٍ بليغٍ فُتِح فجأةً في قاعدة النظام المهترئ. تهيّبت الأوليغارشيّة من "الحراك". أخافَها! وقيل إنّ الرموزَ اللصوصيّة في الحكم المستبدّ زمعتْ وهي تسمعُ هتافَ "الشعب يريد إسقاط النظام"، يعلو من قلب بيروت، ومن "شارع المصارف" بالذات.
الهتّيفة الذين معستهم القوى الأمنيّة، في كرامتهم قبلَ أجسادهم، كانوا يقصدون، يومها، تغيير النظام السياسي، وليس تغيير "الطبقة السياسيّة". النظامُ اللبنانيّ الذي جَوَّع المواطنين، واضطهد المقاومة الوطنيّة. النظامُ الذي يحمي إدارات المصارف التي سطت على ودائع اللبنانيّين الماليّة اكتفى بـ "قوننة" لصوصيّتها، وستر جرائمها.
هل نسينا إداراتِ المصارف وهي توثّق تحقيقاتٍ خطيّةً مع المواطنين عن مصادر دخلهم؟ تتجسّسُ على مواردهم المالية! ألا نذكرُ كيف وضعت المصارفُ اللبنانيين تحت الشبهة، بأنْ أخضعتهم للقوانين الضريبيّة والسياسيّة الأميركيّة؟ ألم تطرد المصارفُ من السوق الوطنيّة، من سوق لبنان، مواطني الدولة اللبنانيّة الناشطين في المقاومة الوطنيّة ضدّ "إسرائيل"؟ ألم تستجب المصارفُ لدواعي القوانين الأميركيّة لمكافحة الإرهاب التي وضعت لتلبية حاجات الكيان الصهيونيّ الأمنيّة والاستراتيجيّة؟
مهما كان المواطنُ "مسطولًا"؛ من المعيب عليه أن ينسى أن ما عملته المصارفُ بحقّ المواطنين المودعين، قد جعلها الدولة العميقة، بل سلطة الدولة العميقة في لبنان. لقد كان القطاعُ المصرفيّ قبلَ تفجّر أزمة النظام، وحدوث الانهيار الاجتماعي، الاقتصادي الحالي؛ يشاركُ السلطةَ السياسيّة بـ "إدارة الأزمة"، بل إنّ رئيس "جمعيّة المصارف"، "لوبي المرابين"، فرض على السلطة كيفيّة "إدارة الأزمة". ومأساة "هيئة التنسيق النقابيّة" ما زالت شاهدًا ماثلًا، منذ سنوات، لكلّ ذي بصيرة.
يجب أن يخرج المواطنون من "السطلة"، من شرنقة "الوعي الغافل".
فالمصارفُ اللبنانيّةُ تصرّفت علنًا بودائع اللبنانيّين. بدايةً، كضابطةٍ عدليّة، صادرت أصولَهم الماليّة. ثمّ تصرّفت كقضاءٍ يعيّنُ منسوبَ حقِّهم ومقدارَ أنصبتهم فيما (كان) لهم بذمّتها. بعدها، تحوّلت هذه المصارف، علنًا، إلى أجهزةٍ أمنيّةٍ تنفّذُ حكمَ القضاء، فتفتح للمواطنين ماكينات السحب بالمبالغ المحدّدة وفي الأوقات المحدّدة. لكن هذه المصارف ميَّزَت، سرًّا، أوليغارشيّي السلطة السياسيّة عن المواطنين العاديّين الذين علقت ودائعُهم الماليّةُ في براثنها. أجرت المصارفُ معهم صفقاتٍ هائلةً لتشليحهم هذه الودائع؛ ليتنازلوا عنها لإدارة المصرف مقابلَ حصول المواطن المودع منهم على "نتفة" ممّا كان ذات يومٍ ثروةً تقيهِ عادياتِ الزمان.
يجبُ أن يخرج المواطنون من "السطلة"، من شرنقة "الوعي الغافل".
لقد انقضّت القوى الأمنيّة على "الحراك الشعبيّ الوطني"، الذي ارتكب ناشطوه، يومذاك، أخطاءً استراتيجيّةً وتكتيكيّةً فظيعة، وهذه السذاجةُ السياسيّةُ التي وسمت "قيادته"، وهي "قيادةٌ" وطنيّةٌ، محترمةٌ على كلّ حال، هوّنت على الأوليغارشيّة، وعلى القوى الخارجيّة، أوروبا والولايات المتّحدة، ركوبَ "الحراك" نفسه، ثمّ مسخه إلى "حراكٍ طائفيّ/مذهبي"، مع لافتاتٍ عن "إسقاط الفاسدين"، و"انتقال السلطة"، و"حلّ مشكلةِ السلاح".. إلخ، حتّى صارَ خليطًا من الأطياف الميليشياويّة ورعاع "الثورات الملوّنة".
واليوم، مع اشتدادِ ضغطِ الأزمة، وهي ما زالت في بدايتها كما يقول "خبراء" الاقتصاد الأوليغارشيّون، ومع هبوط أربع أخماس الشعب اللبناني تحت خط الفقر؛ يصبحُ الفضاءُ الإعلاميّ - السياسي المطبق على عقل هذا الشعب أكثرَ صخبًا. اليوم، تغدق الأوليغارشيّة و"أخوية" الرأسمال المالي المحلي والأجنبي، وحلف الدول الإمبرياليّة التي تخطّط لــ"انتقال السلطة"؛ مزيدًا من الدولارات "الطازجة على كتائب الإعلام الصحفيّ والفضائيّ والسبرانيّ ومتعهدي "الثورات الملّونة"، وخطباء "الهياكل الإلهيّة" الأسبوعيّة، لتبرئتها من النزول بلبنان إلى درك هذا الخراب "العميم".
ترعى القلّةُ الاجتماعيّةُ الحاكمةُ بطونَ كتائبِ التضليل، فتملؤها؛ لكي تحافظَ على "الوعي الغافل"، على المواطنِ الغافلِ عن الحقيقة، "المسطول" المُضَلَّل، الذي يسلّم بأنّ كلَّ أزمةِ النظام الرأسماليّ الطائفيّ/المذهبيّ، لم تصنعها الأوليغارشيّة، وأنّ "إدارة أزمة النظام" بالبرنامج النيوليبراليّ الذي طبّقته الأوليغارشيّة، وموّلته الدولُ الإمبرياليّةُ والرجعيّة، ورضيت عنه "إسرائيل"، ليس السبب الأساسيّ وشبه الوحيد في انهيار اقتصاد الأسر، وخراب حياة المنتجين والموظّفين والأجراء في لبنان، وإنّما الذي تسبّب بالأزمة وأحدث الانهيار، هو محورُ المقاومة، خصوصًا، حزب الله، رأس حربة المقاومة ضدّ المشروع الصهيوني.
"السطلنة" أو هذا "الوعي الغافل"، هو أفضلُ حليفٍ للأوليغارشيّة وحلفائها الآخرين في أميركا وأوروبا وبريطانيا (أجل، لا تنسوا بريطانيا) و"التعاون الخليجي". تستميت الأوليغارشيّة، تحاربُ، ومستعدّةٌ لأنْ تَقْتُل وتُقْتَل؛ لكي يبقى المواطنون في ظلام "السطلنة"، في شرنقة "الوعي الغافل".
إنّها "معركةُ الوعي" في لبنان. معركةُ تحرير الوعي. متى نستفيق؟

