Menu

الاستراتيجيّةُ الأميركيّةُ - الغربيّةُ في لبنان والمنطقة: بين الثابتِ والمتحوّل

د. ليلى غانم

نشر هذا المقال في العدد 32 من مجلة الهدف الإلكترونية

تستهدفُ واشنطنُ والدولُ الأوروبيّةُ وضعَ اليد على إدارة سياسات لبنان ودول المنطقة المنهارة، لتطويعِ المقاومةِ وإلغاءِ القضيّة الفلسطينيّة والقضايا الوطنيّة والاجتماعيّة. لكنّ هذهِ الاستراتيجيّةَ يمكنُ مواجهتُها بمشروعِ تفكيكِ التبعيّةِ والتصدّي لأسبابِ الانهيار البنيويّة نحو بناءِ نظامٍ سياسيٍّ تكامليٍّ إقليميٍّ - وطنيٍّ بديل.

تقدّمُ الاستراتيجيّةُ الأميركيّةُ نفسَها، في لبنان والمنطقة، اليوم كما بالأمس، صاحبةَ مشروعٍ حضاريٍّ لقيادةِ العالم في سياق نشرِ الديمقراطيّة، وهي في الحقيقة نظريّةٌ قديمة، وليدةُ نظريّاتِ إيفون هايك وميلتون فريدمان الاقتصاديّة، كما عبّر عنها مؤتمرُ "مونبيلرن" السويسريّة منذ عام 1947، وهو ما عُرف أيضًا بمدرسةِ شيكاغو. تقومُ النظريّةُ باختصارٍ على عولمَةِ النموذجِ الأميركيّ القائم على تنافسِ لوبيّاتِ الضغطِ، والشركات المتعدّدة الجنسيّة، والبورصات، في وضع اليد على الثروات الطبيعيّة؛ عبرَ تدميرِ نشاطاتِ الحياةِ الإنسانيّة، وتخريب المجتمعات والقضاء على الدول ومؤسّساتها؛ بدعوى النموّ والازدهار والحريّة. نحنُ - إذًا - بعيدون كلَّ البعدِ عن مرحلة الرأسماليّة الأولى، التي توقّعَ لها ماركس "أن تبنيَ عالمًا على صورتِها" و"تسهمُ في بناءِ دولٍ قوميّة"، وانتقلنا إلى مرحلةٍ من الرأسماليّة المسمّاة نيو ليبراليّة، التي تقومُ بهدم المؤسّسات بما فيه داخل العالم الغربيّ نفسه، فما بالك في أنحاء العالم الأخرى التي حكم عليها بالخراب والتجويع والتدمير.

المستجدُ اليوم أنّ شرطي العالم الأميركي بات يصعبُ عليه الحروبُ والانقلاباتُ العسكريّةُ لفرض الخضوع والهيمنة (أفغانستان نموذجًا)، لكنّه يسعى للهيمنة عبرَ طرقٍ أخرى:

أوّلًا، فرضُ نموذجِهِ الاقتصاديّ المعولَم على شعوب الأرض؛ عبرَ المؤسّسات الماليّة، مثل: البنك الدولي، وصندوق النقد، ومنظّمة التجارة العالميّة، وهو ما أسفر عنه القضاءُ على الأمن الغذائي للشعوب، وتخرّيب الإنتاج المحليّ في كلّ القطاعات الحيّة والاستراتيجيّة، وإغراق الدول بالديون.

ثانيًا، عبرَ نشرِ أفكارِ الديمقراطيّة وتعميمها على الطريقة الأميركيّة ( العراق نموذجًا) أي التنافس على مغانم السلطة في صناديق الاقتراع بذريعةِ حريّة التعبير، وتمثيل كلّ أطياف المجتمع، واستبدال التمثيل المواطني بتمثيل كلّ "مكوّنٍ" مذهبيٍّ وعرقيٍّ على حدة، ما أدّى إلى زعزعت الاستقرار وتفتيته داخلَ المجتمعات. هذا النموذجُ يُظهرُ الوجهَ الرجعيّ للنيوليبرالية، وعقم المثقّفين بما فيهم بعضُ اليساريّين الذين يتشدّقون بالنموذج الحرّ ومقارعة الاستبداد.

 ثالثًا، عبرَ سياسةِ فرضِ العقوباتِ الاقتصاديّةِ على الدول، التي لا تنصاعُ للهيمنة؛ وهناك اليوم 39 دولةً في العالم تتعرّضُ للعقوبات، ولكن هذهِ العقوباتِ تؤدّي في بعض الدول إلى جرائمَ ضدّ الإنسانيّة (كوبا، نيكاراغوا، فنزويلا، اليمن، العراق، فلسطين، سوريا، إيران، لبنان، زمبابوي). هذهِ العقوباتُ التي تُفرَضُ باسمِ "الديمقراطيّة" و"الحريّة" إنّما هي شكلٌ جديدٌ من أشكال الحرب تؤدّي إلى مفاعيلِ الحربِ الكلاسيكيّةِ نفسِها: فهي تقتلُ ملايين الناس، وتتسبّبُ بالمجاعات والأوبئة والنزوح والتلوث البيئيّ وتدمير البُنى التحتيّة، وهي فوقَ ذلك، حربٌ غيرُ مكلفةٍ البتة، لا ترتّب على الإمبرياليّة أي تكاليف، بل تخدم مصالحها، ومصالح الشركات الماليّة والعسكريّة الكبرى. ناهيك عن ذلك، هي حربٌ جبانةٌ. فلا يمكنُ مقاومتُها على أرضيّتها بالكفاح المسلّح أو الإضراب أو العصيان، وينجمُ عنها - غالبًا - حالةٌ من التراخي والإذلال، بل قد تقودُ إلى احتقانٍ داخليٍّ وحروبٍ أهليّة (لبنان نموذجًا).

كلّنا نتذكّرُ تداعياتِ العقوبات الإجراميّة التي فُرِضت بالأمس على العراق، إنّ مجرّد منْع استيراد الكلور لتعقيم مياه الشرب قتل 526 طفلًا عراقيًّا، بحسب إحصائيّاتٍ رسميّة: "فالحربُ على العراق أودت بحياة مليون ونصف المليون عراقي، نِصْفُهم ضحايا الحصار والعقوبات"، وحصاد العقوبات والحصار على اليمن وغزة لا يقل قساوة.

نشرُ الديموقراطيّةِ وقيادة العالم - لبنان نموذجًا.

لا ينتهجُ الرئيسُ الأمريكيُّ الجديدُ جو بايدن في لبنان استراتيجيّةَ ردودِ الفعل الانتقاميّة؛ لتحقيق الأهداف الأميركيّة، إنّما تعملُ إدارتُهُ في لبنان في خضمّ أهدافها على مستوى المنطقة، وفي إطار مواجهتها شرقًا للصين وروسيا. فالتحريضُ الأميركيُّ والغربيُّ ضدّ سلاحِ حزب الله، يأتي في إطارِ استراتيجيّة "مجلس الأمن القوميّ" التي أعلنها بايدن "لنشر الديموقراطيّة وقيادة العالم".

وهي استراتيجيّةٌ تسعى إلى إمساكِ الشعوب، والدول من خناقها؛ لكي تنخرطَ في النموذج الدوليّ، وتنصاعَ إلى متطلّبات "جذب الاستثمارات لخلقِ فرصِ عملٍ وهميّة" وتلبيةً لحاجةِ أصحاب هذهِ الرساميل "للسلام" الإقليميّ و"الاستقرار السياسيّ الداخليّ"، عبرَ حصر التناقضات الاجتماعيّة والوطنيّة بالتنافس على السلطة لإنجاز "المسار الديمقراطي"، بحسب الوصفة الأميركيّة والدول "المانحة" وما يسمّى بشرعيّة "المجتمع الدوليّ" (لنقل شريعة الغاب).

في هذا السبيلِ تفرضُ أميركا الحصار والعقوبات لخنقِ الاقتصاد اللبنانيّ وإغراقه بالوحول الآسنة، وتعمل بالتنسيق مع باريس والدول الغربيّة والمؤسّسات الماليّة الدوليّة على إنجاز "خطّة الإنقاذ" (لنقل الإغراق)، عبرَ القضاء على ما تبقّى من الثروات العامّة عن طريق الخصخصة والاستثمار (المرفأ، الكهرباء، شركة الطيران، الأملاك العامة...) والاعتماد على عائدات النفط والغاز، بعد ترسيم الحدود لمصلحة إسرائيل من أجل تغطية فوائد الديون القديمة، المزمعِ استجلابُها لإدارة العجز المالي.

اهتراءُ النظامِ ومؤسّساتِ الدولةِ تحتَ وصايةِ الطائف

تعود الأسُسُ البنيويّةُ في الانهيار الحالي لمؤسّسات الدولة وإداراتها العامّة، إلى الإرث الفرنسيّ في وثيقة 48، التي أرست التقسيمات الطائفيّة، وفي التاريخ الحديث إلى اتّفاق الطائف عام 1989، الذي أرسي بدوره بدعوى "المصالحة الوطنيّة، وإعادة الإعمار" نموذج توزيع الحصص والمغانم على الطبقة السياسيّة ومافيات رجال المال والأعمال، والمصارف، وعصابات الاحتكار، والتجارة، هذا التخريبُ المعمّمُ لم يكن ممكنًا من دون رعايةٍ دوليّةٍ أشرفت عليها فرنسا مع تحوّلها إلى المنظومة النيو ليبراليّة. في هذا الاتجاه عقدت باريس مؤتمرات الديون (باريس 1 و2 و3) مع "الدول المانحة" للقروض ووضعت في هذا المنحى خطط "الإصلاحات الهيكليّة" التي تستعيدُها اليوم واشنطن والدول الغربيّة بعدَ وقوعِ الواقعة. وإلى جانب فرنسا أمسكت الخزانةُ الأميركيّةُ بحسابات "الهندسة المالية" التي لاحظت "مكافحة الإرهاب" وفرضت تعيين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي بنى إمبراطوريّةَ فسادٍ ماليٍّ ومصرفيٍّ في رشوةِ الطبقة السياسيّة والمصارف والتجّار والمؤسّسات الإعلاميّة.

التصويبُ على الطبقة السياسيّة دون المساس بالنظام

منذ كارثةِ انفجارِ مرفأ بيروت تتكثّف في لبنان النشاطات الدبلوماسيّة والأمنيّة الأميركيّة – الغربيّة؛ استكمالًا لمجرى استثمار حراك أكتوبر/ تشرين 2019، الذي كشف انهيار نظام دولة النهب، ومحاصصة الغنائم، وفضح فساد منظومة السلطة، والطبقة السياسيّة.

الحراك الشعبيّ الواسع ضدّ الجرائم الناتجة عن النهب وفساد مؤسّسات النظام وإداراته العموميّة، وعن جرائم مراكز القوى الخاصّة التي تمثّلها المصارف ومافيات رجال المال والأعمال، استثمرته "منصّات المنظّمات غيرُ الحكوميّة" الوليدة في سياق "الثورات الملوّنة" المدعومةِ والمموّلةِ بسخاءٍ من أجهزة الدول الغربيّة والمؤسّسات الدوليّة لاستغلال النقمة الشعبيّة، في التصويب على الطبقة السياسيّة وحدَها من دون أن تستهدفَ نظامَ الدولة المنهارة؛ أملًا بأنّ يصيب التصويب سلاح المقاومة، وإعادة إحياء نظام الدولة بحكومة كفاءات وتكنوقراط "نظيفة" تحت وصاية المؤسّسات الدوليّة، ومصالح الشركات والدول الغربيّة.

في هذا السياق أدّى انهيار "ثورة 17تشرين" وتذرّر المنظّمات "غير الحكومية" (نحو 1430 منظّمةً وعشرةَ آلاف موظف)، إلى المراهنة الأميركيّة – الغربيّة، والسعوديّة على العودة إلى "ثورة الأرز" عام 2005، بالاعتماد على الأحزاب والقوى السياسيّة ورجال الدين ومجموعات "مدنيّة"... إلخ لإحداث انقلابٍ سياسيٍّ في موازين السلطة، تراه واشنطن وباريس ممكنًا عبرَ الانتخابات المقبلة؛ والهدفُ هذهِ المرة ليس الاكتفاء بالإلحاق، بل بوضع اليد على مجلس النوّاب والحكومة ورئاسة الجمهوريّة، في حين تراهُ السعوديّةُ متعذّرًا دونَ حربٍ أهليّةٍ تقودُها الميليشياتُ الفاشيّةُ المتصهينةُ، والجماعاتُ الوهابيّة، ويلهب نارها انهيار الخدمات واستفحال الفقر والتجويع...

السعوديّةُ المهزومةُ في حربها على اليمن، الخائبةُ من حربها في سوريا (تلاشي جماعات زهران علوش وجيش الإسلام)، تحاولُ التعويض في لبنان عبرَ الدفع بكلِّ أشكال التصعيد الأمنيّ والسياسيّ ضدّ حزب الله، أملًا بعودة لبنان تحت الوصاية السعودية التي "استثمرت" لأجلها السعوديّة منذ اتّفاق الطائف عام 1989، وخاصة في "ثورة الأرز" عام 2005.

الدولُ الغربيّةُ والخليجيّةُ الساعيةُ لانقلابٍ سياسيٍّ في الحكم مع أتباعها في لبنان، تجتمعُ موحّدةً على العمل المشترك في التحريض السياسيّ والطائفيّ والإعلاميّ لتحميل حزب الله مسؤوليّة انهيار الدولة، وفساد النظام السياسيّ، وكلّ الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة المستعصية في اتهامه زيفًا، بالسيطرة على الدولة خدمةً "للاحتلال الإيرانيّ". ولا يخفى أنّ المستهدفَ من وراء هذا الاتّهام هو سلاحُ المقاومة الذي تُعلّق على مشجبه أميركا والسعوديّة وأتباعهما، منع لبنان من "حضنه العربي" وهو الضامنُ لالتحاقِهِ بالتبعيّةِ الكاملة إلى الوصاية الأميركيّة والسعوديّة من أجل "الازدهار" شرط تخلّيه عن "السلاح غيرِ الشرعيّ خارج الدولة" ومن أجل تدفّق المساعدات "الأخويّة" حال تبنّيه "السلام" في المنطقة.

المراهنةُ الأميركيّةُ – السعوديّةُ، على إسرائيل للقضاء على حزب الله في حرب 2006، قلبها انتصارُ المقاومة على إسرائيل، وأسقطتها قدرةُ المقاومة بمنع إسقاط الدولة السوريّة وتطوير محور المقاومة. لكنّ الانتصارَ على إسرائيل أجّج التحريض الأميركيّ - السعودي على الحزب بتهمة الهيمنة على الدولة، في حين ينأى الحزبُ بنفسه عن سياسات الدولة المنهارة، وعن مواجهة نظام النهب والخراب والفقر والتجويع... حرصًا على أولويةِ درءِ الفتنة، والانقسامات العموديّة التي تؤدّي إليها أيُّ مواجهةٍ اجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ واقتصاديّةٍ بحسب تجارِبِ لبنان منذ إنشائه.

ما يتعرّضُ له لبنانُ في التحريض على المقاومة وإيران وفي مساعي فرض الوصاية السياسيّة، ونهب ما تبقّى من الثروة العامة، يتعرّضُ له العراقُ و السودان ُ في نبذ القضيّة الفلسطينيّة والاحتراب على السلطة في "المسار الديمقراطيّ" الأميركيّ وتتعرّضُ له ليبيا وتونس وكلُّ الدول العربيّة.

المقاومةُ في فلسطين ولبنان والعراق قادرةٌ على المواجهة، وتحقيق الانتصارات العسكريّة والسياسيّة. لكن تخريب المجتمعات وانهيار الدول في تبعيّتها إلى منابع النهب والفساد المولّد للفساد المحلّي، سيؤدّي لا محالةَ إلى إضعافِ المقاومة وتفسّخ حاضنتها الاجتماعيّة، لذا لا بدّ من مشاريعَ بديلةٍ عاجلةٍ تعملُ عليها القوى السياسيّةُ والثقافيّةُ العربيّةُ والنخبُ الوطنيّة، هذهِ المشاريعُ ليست اقتراحاتٍ فضفاضة، بل يمكن أن نستوحيها من آلاف التجارِبِ التي تقومُ بها قوى وتيّاراتٌ اجتماعيّةٌ في أمريكا اللاتينيّة ودولُ الجنوب، بل في أوروبا في عقر دار الغرب نفسه، حيث تعمل هذه القوى على بناء شبكاتٍ إنتاجيّةٍ مناوئة "لاستبداد السوق" وديكتاتورية الشركات الكبرى، وهي تدعو لتعميم مجانيّةِ المياه وطعوم الأوبئة وإخراجها من معايير السلع التجاريّة، وتقومُ بإنتاج تجارِبَ ناجحةٍ في مجالات الطاقة البديلة (إنّ عددًا من دول شمال أوروبا التي لا تصلها الشمس إلا لمامًا، مثل السويد تعيش بالطاقة البديلة، فالأولى أن نطبق هذا في لبنان، وغزة)، كما دعت هذه القوى (كما فعلت منظّمة أوكسفام) إلى تجريم سياسات التجويع والحصار وإدراجها في مصاف "جرائم ضدّ الإنسانيّة"، هذهِ النماذج وغيرها، كثير هي خطوات أولى، تقودنا يقينًا إلى تفكيك أسسِ التبعيّة، خاصّةً إذا ما أدرجت في استراتيجيّةٍ شاملةٍ لإعادة البناء ببعدٍ تكامليٍّ بين الدول والمجتمعات، وعلى أسسِ توطينِ الثروات الطبيعيّة، والمصنّعة في منشآتٍ محليّةٍ قادرةٍ على حماية التحرّر من مصالح الدول الغربيّة، ورساميل النهب، وقادرةٍ على ضمانة الحقوق الوطنيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة والثقافيّة...