في ظني - كشخص يحاول التغلب على جهله - أن التناقض بين الأجنحة السياسية لقوي الهيمنة الاجتماعية والسياسية، وبين الإخوان المسلمين والسلفيين، وكافة تنوعات التجارة السياسية بالدين (كأجنحة سياسية لا تنفصم عن قوى الهيمنة الاجتماعية المؤسسة للنظام السياسي)، هو تناقض لا تتجاوز حدوده السياسية الإجابة على الإشكالية الرئيسية للتناقض وهي:
لمن السلطة (أو بمعنى أدق الهيمنة السياسية المؤسساتية) وما الوضع الذي، ستكون عليه الأنصبة والأدوار السياسية في حال فض الاشتباك بالتراضي (كما حدث في عهدي السادات ومبارك(؟ وما(شكل) السلطة والحياة السياسية؟ وما مدى الحفاظ على (شكل) الحياة المدنية للطبقات الاجتماعية المهيمنة؟
إنها تناقضات قد تؤدي إلى الصدام السياسي والدموي أحياناً، ولكن يمكن حلها طبقاً لمقتضيات توازنات القوي والظروف السياسية الداخلية للقوي والأجنحة المهيمنة علي السلطة بالفعل، ومدي قوة أو ضعف القوى الاجتماعية المناوئة لقوى الهيمنة، وكذلك مدى اقتراب أو ابتعاد خطر إنهاء هذه الهيمنة (وعلي الأخص في القلب من ذلك مدي اقتراب أو ابتعاد خطورة قوي اليسار علي النظام السياسي المهيمن)، وكثيراً ما حدثت تسوية مثل هذه التناقضات في فترات شهد عليها تاريخنا السياسي. أما التناقضات بين قوى اليسار، والإخوان المسلمين، والسلفيين، وكافة تنوعات ومؤسسات التجارة السياسية بالدين، فهي أكثر تجذراً وعمقاً وغير قابلة موضوعياً للحل، حتى ولو بدي ذلك سطحياً للبعض، حيث تتجاوز التناقض السياسي إلى ما هو أعمق حيث تكمن في:
- العداء الفكري التاريخي المؤسس على تناقض اجتماعي، حيث يتمسك الإخوان المسلمين والسلفيين بالنظام الرأسمالي ويناصرونه، بإضافة غطاء من القداسة الدينية على حتمية الفوارق بين الطبقات، مهما كانت شاسعة، بل يذهبون إلى تحريم الدعوة لرفض المجتمع الطبقي ومقاومة الهيمنات الطبقية، وهذا واضح في عدائهم التاريخي الشديد للأفكار والقوى الاشتراكية وانخراطهم التاريخي في مخططات مراكز الهيمنة الرأسمالية الدولية، سواء في الحقب الكولونيالية أو الحقب الإمبريالية، لضرب قوى اليسار، وضمن ذلك دورهم الوظيفي الهيكلي الذي نظمته ورتبت صفوفه المخابرات المركزية الأمريكية في ثمانينيات القرن الماضي في اسقاط الاتحاد السوفييتي، وتفكيك دول المنظومة الاشتراكية عبر الحرب الأفغانية، ومن قبل ذلك التحالف مع ألمانيا النازية في مواجهة الأفكار الاشتراكية، والانخراط في تعاون وظيفي مع الجيستابو النازي، الذي أنشأ خصيصاً لذلك قسم (أبناء الشعوب الإسلامية)، لضرب الدولة السوفييتية الوليدة، انطلاقاً من تجنيد عملاء من بعض (أبناء الشعوب الإسلامية) الخاضعة لدول الاتحاد السوفييتي الوليد، ولعل في كتاب (مسجد في ميونيخ) الإجابة الشافية لهذا الأمر، فضلاً عن المظاهرات التي أشعلتها قوى التطرف الديني في القاهرة ورفعت فيها شعارات مثل (إلي الأمام ياهتلر). وكذلك الأمر بالنسبة لتلك العلاقة الهيكلية التي تأسست بين تحالف الوهابيين والسعوديين والمخابرات البريطانية على جانب آخر في نفس الوقت في الجزيرة العربية .
ولعل كل هذا دليل دامغ على الانخراط (الهيكلي/الوظيفي)، الذي نشأ في وقت متزامن في عشرينيات القرن الماضي، والذي تم بعد الحرب العالمية الثانية، انتقاله برمته لسيطرة المخابرات المركزية الأمريكية، ودليل دامغ على هذا التداخل الهيكلي (العضوي) بتجلياته وإحداثاته الوظيفية، بين قوى الإسلام السياسي أو فلنقل (التجارة السياسية بالإسلام)، وشاهد عيان على عداء هذه القوى المزمن والجذري لقوي اليسار في الشرق والعالم بأكمله. هذا فضلاً عن الانتماءات والانحيازات الطبقية لقيادات هذه الجماعات، وانخراطها في البنية الطبقية لقوى الهيمنة الاجتماعية التى تتناقض مصالحها مع مصالح القوى الاجتماعية، التي تعلن تنوعات اليسار عن عمق انحيازاتها لها، وهي الطبقات الاجتماعية المنضغطة اقتصادياً واجتماعياً، فضلاً عن استلابها الثقافي بفعل قوى الهيمنة الطبقية وحلفائها الدوليين.

